أزمة الخليج في توصيف دعاة التشدد.. عقلانية متأخرة أو تطرف مألوف

الدعوات المستمرة للفصل بين الدين والسياسة لا تنسحب فقط على الأنظمة الإسلامية أو الأحزاب الدينية، بل تطال أيضا فئة واسعة من العلماء والفقهاء والدعاة ورجال الدين. فالازدواجية التي تشوب كل التيارات الإسلامية والعزف على الوترين (الديني والسياسي) نجدها ماثلة أيضا لدى الدعاة والفقهاء، وفي الأزمة الأخيرة المترتبة على الموقف العربي المشترك من قطر، برزت تلك الفئة بمواقف تراوحت بين الانتهازية السياسية والتطرف الديني، ومن الدعوة المتأخرة إلى الحوار وتغليب العقل، إلى اعتبار مقاطعة قطر من جنس حصار قريش للرسول محمد.
الأربعاء 2017/06/21
شيوخ مع قطر برا وبحرا وجوا

غريب أمر بعض رجال الدين والمتفقهين في عالمنا العربي، فهم ينقسمون في ولاءاتهم للأنظمة العربية تبعا للمصالح، الدينية والدنيوية معا، ويعززون الشقاق بين المسلمين بتوزيع ولاءاتهم ويقدّمون نماذج فاشلة في الحفاظ على وحدة ضمير الأمة، التي لا يكفّون عن الحديث عنها في كل مناسبة بينما هم يتصرفون كأفراد في قبائل متناحرة، وفي الوقت نفسه يتبجحون بشعار الاستقلالية والمبدئية كلما اصطدمت لديهم المصالح بالخيارات.

انقسم العلماء ورجال الدين بعد الأزمة بين قطر من جهة، والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر والبحرين من جهة ثانية إلى فسطاطين. واحد مع الطرف الأول والثاني مع الطرف الآخر، وهو الموقف الأوسع داخل جبهة العلماء.

جامع الأزهر، الذي يمثل التيار السني الغالب في العالم الإسلامي، سارع إلى إبداء تأييده للموقف العربي المشترك في قراره بمقاطعة الأنظمة التي تقوم بدعم الإرهاب، وتأوي كيانات العنف وجماعات التطرف، وتتدخل بشكل سافر في شؤون الدول المجاورة واستقرارها وأمن شعوبها، وبرر ذلك بضمان وحدة الأمة العربية “والتصدي بكل حزم وقوة لمخططات ضرب استقرارها، والعبث بأمن أوطانها”، واصفا الأنظمة التي تعمل ضد وحدة الأمة بالأنظمة الشاردة، لكي “تفيق هذه الأنظمة من غفلتها، وتعود إلى رشدها وإلى أهلها وبيتها”.

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي يرأسه الشيخ المقيم في الدوحة يوسف القرضاوي، والذي يوالي قطر بشكل مطلق ويتخذ من ذلك الولاء خطا استراتيجيا، نشر بلاغا يخاطب العلماء ويدعوهم إلى “تغليب لغة العقل والحكمة والمصلحة العليا للمنطقة، والمسارعة إلى الجلوس على طاولة حوار أخوي صريح، وإعادة أواصر المحبة والرحم التي تربط بين أبناء دول الخليج العربي”.

وزاد قائلا بأن على “علماء الأمة عامة، والعلماء الأعضاء في الاتحاد خاصة، أن يقوموا بدورهم الشرعي في السعي إلى إصلاح ذات البين، وعدم الانسياق مع الدعوات والقرارات الداعية للفرقة والشقاق بين أبناء الأمة الواحدة، وأن يقوموا بدورهم بنصح ولاة الأمر في ذلك، بالحكمة والموعظة الحسنة”.

الريسوني شبه مقاطعة قطر بالحصار الذي ضربه مشركو قريش على النبي، وهو تشبيه لا يليق برجل يوصف بأنه رجل مقاصدي

الغريب أن البلاغ كتب بطريقة توحي وكأن الموقّعين عليه يوجدون خارج التاريخ وخارج السياق السياسي والأمني الذي تعيشه المنطقة منذ سنوات عدة، على الأقل منذ ما سمي بالربيع العربي الذي تفجر عام 2011 وأدخل العالم العربي في حالة من الدمار الذاتي.

فالدعوة إلى الحوار والنصح بالحكمة والموعظة الحسنة كان يجب استحضارها والعمل بمقتضاها خلال السنوات الماضية، عندما كانت جميع المؤشرات تؤكد على أن المنطقة تسير في اتجاه المجهول، وكان واضحا أن بعض الأنظمة العربية بدأت تدير ظهرها إلى القضايا العربية المشتركة وتشجع على الانقسام وتشق صف الإجماع في مواجهة المخاطر المحدقة بالوجود العربي.

لقد تغيب هؤلاء الشيوخ عن أداء هذا الدور الذي يطالبون به اليوم، فقـط لأسباب سيـاسية، كون دولة قطر التي ترعاهم باتت في مأزق، وليس ناتجا عن الوعي بأهمية ذلك الدور، وأداء مهمة العالم المستقل التي يتم التنادي إليها كلما أعوزت هؤلاء الحجة للدفاع عن مواقفهم المعروفة، التي سرعان ما يتنكرون لها سيرا وراء النظام السياسي لا وراء الوازع الديني.

أغرب هذه المواقف ما صدر عن أحمد الريسوني، رئيس حركة التوحيد والإصلاح المغربية الأسبق وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والمقرّب من يوسف القرضاوي.

أحمد الريسوني، المعروف بخرجاته الإعلامية الغريبة وشطحاته، شبّه الموقف الخليجي المشترك من قطر بالحصار الذي ضربه مشركو قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا إلى تمزيقه، وهو تشبيه لا يليق برجل يوصف لدى مقرّبيه بأنه “رجل مقاصدي”.

فقطر ليست حاملة دعوة ولا راية، وبلدان الخليج العربي ليست مشركي قريش، وأن ينزلق رجل مثل الريسوني إلى إسقاط التجربة النبوية على صراع ذي طابع سياسي وجيو ـ استراتيجي، فهو أمر لا يليق إلا بمن فقد حاسة التمييز.

13