أزمة الديمقراطية أم أزمة الدولة

الاثنين 2014/11/03

أعتقد أن العالم العربي يعاني استعصاء الدولة، قبل أن يعاني استعصاء الديمقراطية، إذ أن ما يعرف بالدولة الوطنية لم تنشأ، على الأغلب، نتيجة تطور تاريخي وطبيعي، سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي. وفي الواقع فمنذ البدايات أحاطت الشبهات بنشوء الدولة العربية كونها ظهرت، أو تهندست، في رحم الحقبة الاستعمارية، ثم ترسخت ككيانات سياسية مستقلة بواسطة الجيش، أو بواسطة القبيلة، والجهاز البيروقراطي الذي ظل تابعا لهما، على قاعدة وصائية وزبونية وتسلطية؛ ارتكزت على إقصاء المجتمع وتهميش الفرد وتحويل جهاز الدولة إلى مجرد جهاز للسلطة والسيطرة والتحكم.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أن ضعف الإجماعات، على الصعيدين الوطني والعربي وهشاشة الإدراكات السياسية وجملة التحديات الخارجية، أدت إلى نشوء نوع من الاغتراب في علاقة المواطن بالدولة، باعتبارها معطى خارجيا، فاقم منها تحفظات الإسلاميين في سعيهم إلى استعادة الخلافة، والقوميين في مشروعهم بإقامة دولة قومية، واليساريين في حلمهم بإقامة دولة شيوعية.

وللأسف فإن الدولة القائمة، في معظم الحالات، لم تتدارك هذا الوضع، بل اشتغلت على ترسيخه، فهي لم تعمل مثلا على التحول إلى دولة مؤسسات وقانون ومواطنين، ولا على تخليق مجتمع المواطنين الأحرار والمتساوين، وهو ما تحدث عنه، مثلا، كل من خلدون النقيب في كتابه: “الدولة التسلطية العربية”، وبرهان غليون في كتابه: “المحنة العربية الدولة ضد الأمة”.

في المقابل كانت الدولة الأوروبية الحديثة نشأت بواسطة البرجوازية، وعلى قاعدة الضرائب والتمثيل والمساواة أمام القانون، وبدفع من الثورة الصناعية، والتطورات في مجال العلوم والتكنولوجيا وانتشار التعليم والمعرفة في المجتمع؛ والتي أدت إلى ظهور المدن، ونشوء الأسواق القومية، ونمو الطبقة الوسطى (من المثقفين والمتعلمين)، والمجتمع المدني. وكانت هذه التطورات أفضت، في حينها، إلى نشوء دولة مدنية ودستورية تكفل حقوق الإنسان، وتحد من السلطة المطلقة، بواسطة الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية)؛ وتلك هي الدولة التي أمكن لها التوجه نحو المسار الديمقراطي. ففي الغرب يمكن التمييز في التحقيب للأفكار الثقافية والسياسية، إذ جاءت حركات الإصلاح الديني والنزعة العلمانية أولا (في القرن السادس عشر)، تبعتها حقبة العقلانية والليبرالية مع ديكارت وكانط وهيغل، ومع لوك وروسو وستيوارت مل (بين القرن السابع عشر والتاسع عشر)، ثم حقبة الديمقراطية الليبرالية منذ أواخر القرن التاسع عشر.

لا يعني ذلك أن مجتمعاتنا تستعصي على الديمقراطية، أو أننا ينبغي أن ننتظر عقودا أو قرونا، وإنما هذا يعني أنه ينبغي التركيز على تأسيس دولة المؤسسات والقانون والمواطنين، أي الدولة الدستورية، كما يعني ذلك أن نستوعب مشكلات وإرهاصات الديمقراطية في بلداننا.


كاتب سياسي فلسطيني

9