أزمة الدين الأميركي تكشف الوجه الآخر للديمقراطية

الأحد 2013/10/20
"حزب الشاي" يضيق الخناق على أوباما في الكونغرس

واشنطن - تابع العالم بقلق شديد طوال أسبوعين وقائع الأزمة السياسية التي شهدتها واشنطن قبل التوصل في آخر لحظة إلى إيجاد حل لها، وتساءل البعض ألم تصب "الديموقراطية الأميركية بالإعياء"؟

ولم يرأف المعلقون في استخدام التعابير القاسية لوصف المواجهة بين البيت الابيض ممثلا بباراك أوباما والجمهوريين في الكونغرس، حول الميزانية ورفع سقف الدين أيضا فتحدثوا عن "مشهد مثير للشفقة" و"بلد معطل" ويسير "على غير هدى" أو حتى "حكومة مفلسة".

ويمكن تفهم القلق نظرا إلى أن الأمر يتعلق بالدولة العظمى الأولى في العالم. فتخلف الولايات المتحدة عن الدفع والذي أمكن تجنبه في اللحظة الأخيرة ليل الأربعاء الخميس في أعقاب أزمة حادة استمرت 16 يوما، كان يمكن أن تسفر عنه أضرار تتخطى حدودها.

وأكد أوباما الخميس في نهاية هذه الأزمة، التي تسببت في اندلاعها مجموعة صغيرة من النواب المحافظين المتشددين في "حزب الشاي"، أن هذا النوع من الأزمات "يشجع أعداءنا ومنافسينا ويضعف أصدقاءنا وكان "حزب الشاي" ينوي نسف إصلاح التأمين الصحي الذي أصدره الرئيس.

وقد استمد "حزب الشاي" نفوذه غير المتناسب مع حجمه من نظام توازن السلطات الموروث من "الآباء المؤسسين" قبل أكثر من قرنين للديمقراطية الأميركية التي دائما ما تتيح للأقليات الفرصة لقول كلمتها.

وخلافا لنظرائه الأجانب الذين يتمتعون بأكثريات برلمانية متينة، تكبل المعارضة يدي أوباما بسيطرتها على مجلس النواب وبالتالي الإشراف على مالية الدولة الفيدرالية.

وأدى غياب تعاون المحافظين إلى إحباط الطموحات التشريعية لولايته الثانية حتى الآن سواء على صعيد إعادة التوازن الضريبي وضبط انتشار الأسلحة النارية أو إصلاح التشريعات المتصلة بالهجرة.

إلا أن التعايش بين رئيس أميركي وكونغرس يسيطر عليه حزب آخر، لم يؤد دائما إلى عرقلة مماثلة لتلك التي تعصف بالبلاد منذ سيطرة المحافظين على المجلس مطلع 2011.

ففي الثمانينات، نجح الجمهوري رونالد ريغان في إقرار جزء من برنامجه مستفيدا من توافقه الجيد مع الرئيس الديمقراطي للمجلس تيب أونيل. وبعد عشر سنوات، تعاون بيل كلينتون ونيوت غينغريش أيضا بعد تعطيل أولي.

وتقول لارا براون، أستاذة العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، إن ميل طرفي الحكومة إلى التسويات يتضاءل نتيجة عمليات إعادة التقسيم الانتخابي التي تحوّل بعض الدوائر إلى قلاع منيعة.

فانتشار شبكات التلفزيون عبر الكابل التي تدعو إلى خط محافظ، مثل "فوكس نيوز" أو شبكة "م.س.ن.ب.ث" تتيح لكل طرف الاستقواء بأيديولوجيته. وأدى التطور الديموغرافي للولايات المتحدة إلى الاختفاء التدريجي للجمهوريين المعتدلين المتحدرين من الولايات الشرقية الشمالية الذين غالبا ما استبدل بهم أعضاء "حزب الشاي" الذين يمثلون المناطق الريفية.

وكان هذا الاستقطاب الجغرافي صاعقا على خريطة نتائج الانتخابات الرئاسية 2012، فقد اختارت السواحل الشرقية والغربية باراك أوباما، فيما اختارت الأكثرية في وسط الغرب والجنوب منافسه الجمهوري ميت رومني.

وكان المتخصصان في شؤون الكونغرس توماس مان ونورمان أورنشتاين، ذائعا الصيت، واللذان لا ينتميان إلى أي حزب، أصدرا في 2012 كتابا أحدث ضجة كبيرة بعنوان "أسوأ مما يبدو". أكدا فيه أن الجمهوريين هم المسؤولون عن تدهور المناخ السياسي في واشنطن.

وقالا إن الحزب تنكر للتسويات، بحثا عن نقاوة إيديولوجية تتناقض مع تقليد التسويات الذي يطبع التاريخ البرلماني الأميركي.

لكن خاتمة الأزمة حتى لو أنها لم تؤد إلى حل في العمق وتنذر بمواجهات جديدة ممكنة على صعيد الميزانية مطلع 2014، أثبتت في نظر البعض قابلية هذا النظام للحياة. فأعضاء حزب الشاي لم يحصلوا على "الفدية" التي كان أوباما يرفض إعطاءهم إياها وتم التوصل إلى تسوية. وقال باتريك غريفين، الخبير في العلوم السياسية في الجامعة الأميركية بواشنطن، إن "النظام اتسم بالقوة الكافية لإيصالهم إلى المكان الآمن". وأضاف أن "قدرة النظام على استيعاب التناقضات تؤدي إلى إيجاد حل في نهاية المطاف".

5