أزمة الديون والاستفتاء يشعلان حربا كلامية بين اليونان ومقرضيها

الثلاثاء 2015/07/07
الانقسام اليوناني عمّق الشرخ القائم أصلا بين أثينا وترويكا الدائنين

بروكسل - أثار تعثر المفاوضات بين الحكومة اليسارية اليونانية ومقرضيها الدوليين، حربا كلامية تصاعدت مع تمسك أثينا بإجراء استفتاء على مقترح الدائنين، أفرز في نهاية المطاف (الاستفتاء) رفضا بغالبية أصوات المقترعين.

ورفض اليونانيون أي إجراءات تقشف جديدة مصوتين بـ”لا” على مقترحات المقرضين الدوليين، بعد سنوات من المتاعب الاقتصادية. وبقدر ما ألقى الانقسام اليوناني حيال العرض الذي قدّمه المقرضون الدوليون، بظلاله الكئيبة على الوضع العام في اليونان، بقدر ما عمّق الشرخ القائم أصلا بين أثينا وترويكا الدائنين وبروكسل.

وبينما وصف رئيس الحكومة اليونانية مقترح مقرضيها -الذي تضمن تخفيض مستوى المعاشات وزيادة ضريبة القيمة المضافة على المواد الغذائية- بأنه مهين للشعب اليوناني، وأنه ابتزاز تمارسه أوروبا على أحد أعضائها، نعت وزير المالية المستقيل يانيس فاروفاكيس، الدائنين بأنهم إرهابيون.

وانتقد مسؤولون أوروبيون، الحكومة اليونانية اليسارية، وقالوا إن إجراءها الاستفتاء نوع من الابتزاز لن تقبل به دول منطقة اليورو، فيما تركوا الباب مفتوحا على جميع احتمالات التعامل مع “العناد” اليوناني، ومنها الخروج من منطقة اليورو والانهيار المصرفي المحتمل.

بروكسل وترويكا المقرضين تحاولان إرهاب الشعب اليوناني وإذلاله

اتهم يانيس فاروفاكيس وزير المالية اليوناني، قبل يوم من تقديم استقالته وعشية الإعلان عن نتائج الاستفتاء، مقرضي بلاده الدوليين بـ”الإرهاب”. وقال إنهم يريدون إذلال اليونانيين.

يانيس فاروفاكيس:عمل وزير المالية اليونانية المستقيل يانيس فاروفاكيس أستاذا لنظريات الاقتصاد في جامعة أثينا، كما شغل منصب المستشار الاقتصادي بشركة فاليو كوربورايشن الأميركية

وقال الوزير (المستقيل) إن ما يفعلونه مع اليونان يسمى إرهابا، وما تريده بروكسل والترويكا هو أن ترجح كفة “نعم” في الاستفتاء حتى يتمكنوا بذلك من إذلال اليونانيين.

وجاءت تصريحات فاروفاكيس تعليقا على السياسة التي يعتمدها دائنو أثينا، (صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي والاتحاد الأوروبي)، فتساءل يانيس “لماذا أرغمونا على إقفال المصارف؟ لماذا يبثون الخوف بين الناس؟ وعندما يعمدون إلى بث الخوف، هذه الظاهرة تسمى الإرهاب”.

وكانت الحكومة اليونانية قد أمرت بإغلاق جميع المصارف ومراقبة رؤوس الأموال حتى يوم أمس، بسبب غياب اتفاق مع الدائنين على تمديد برنامج المساعدة المالية إلى ما بعد 30 يونيو(الماضي).

واتهم المعارضة أيضا، بأنها تريد أن تجعل من اليونان عبرة للآخرين، فيما تزداد قوة حزب بوديموس اليساري الراديكالي في أسبانيا، حليف حزب سيريزا اليوناني، مع اقتراب الانتخابات التشريعية.

وختم بالقول “أعتقد أن أوروبا كلها تحتاج الى أحزاب مثل سيريزا وبوديموس، أحزاب تنتقد النظام لكنها موالية للاتحاد الأوروبي وديمقراطية، معارضونا يريدون تصويرنا بوصفنا رافضين للاتحاد الأوروبي، لكن لا، هذا ليس صحيحا، نحن لسنا كذلك".

وقال فاروفاكيس، إنه بغضّ النظر عن نتيجة الاستفتاء سيتم التوصل إلى اتفاق مع المقرضين.

وأوضح أن أوروبا تحتاج إلى اتفاق، واليونان تحتاج إلى اتفاق أيضا، لذلك فإن التوصل لاتفاق سيكون أمرا حتميا.

واعتبر وزير المالية اليوناني المستقيل، أن تصويت اليونانيين بـ “لا” في الاستفتاء الذي أجرته اليونان أول أمس حول خطة الإنقاذ التي قدمها المقرضون، تمثل اقتراعا لصالح الديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي تسمح لأثينا بدعوة شركائها للبحث عن اتفاق عادل.

وقال فاروفاكيس للصحفيين، بدءا بـ”لا” الشجاعة يكون شعب اليونان قد قال سنمدّ يد العون نحو مقرضينا، وسندعو كل واحد منهم كي يجد أرضية مشتركة.

أعتقد أن أوروبا كلها تحتاج إلى أحزاب مثل سيريزا وبوديموس، أحزاب تنتقد النظام لكنها ديمقراطية وموالية للاتحاد الأوروبي

وتابع “بدءا من الغد ستبدأ أوروبا في تضميد جراحها وجراحنا، إن ‘لا’ اليوم هي ‘نعم’ لأوروبا الديمقراطية".

وقال، إن أثينا تريد التوصل إلى اتفاق مع مقرضيها الدوليين بعد رفض أغلبية قوية من الناخبين لشروط خطة الإنقاذ التي وضعها الدائنون.

وأضاف في تصريحات تلفزيونية “سندعوهم واحدا تلو الآخر لإيجاد أرضية مشتركة”، مشيرا إلى أن اليونان تريد مواجهة المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي “بشكل إيجابي”. ويختزل موقف الوزير المستقيل تقريبا موقف حكومة ألكسيس تسيبراس التي اتهم رئيسها بدوره المقرضين الدوليين بابتزاز بلاده، وبإغراقها في الديون.

واعتبر تسيبراس أن الاستفتاء، الذي جرى أول أمس، انتصار للديمقراطية ويفتح طريقا لهزيمة الخوف والتهديد. وتقول الحكومة اليونانية، إن الاستفتاء منحها تفويضا واضحا من الشعب يعزز موقفها في المفاوضات مع الدائنين.

وأضافت أنها ستستأنف المفاوضات لكن هذه المرّة لن تنطلق من الصفر، وسوف نستأنف فورا المفاوضات مع المقرضين الدوليين بناء على نتائج الاستفتاء.

هذا وأعلن قصر الإليزيه في باريس أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل سيعقدان اجتماعا مساء غد الإثنين في باريس، لتقييم الآثار المترتبة على نتائج الاستفتاء في اليونان.

زيغمار غابريل: وزير الاقتصاد الألماني، كان قبلها وزيرا للبيئة في حكومة ميركل الأولى بين 2005 و2009. وهو أيضا الرئيس الحالي للحزب الاشتراكي الديمقرطي الشريك في الائتلاف الحاكم

برلين وأوروبا لن تسمحا لأثينا بأن تبتزهما بالخروج من منطقة اليورو

وجه وزير الاقتصاد الألماني زيغمار غابريل انتقادا حادا للحكومة اليونانية بزعامة ألكسيس تسيبراس بعد أن أسفرت نتائج الاستفتاء الذي أجري في اليونان على رفض شروط المقرضين الدوليين.

وقال “تسيبراس وحكومته يقودان الشعب اليوناني على طريق الاستغناء المرير واليأس”، واتهمه بأنه وعد الشعب اليوناني وعودا كاذبة مفادها أن فوز “لا” في الاستفتاء ستقوي الموقف التفاوضي لبلاده مع المانحين الدوليين.

واعتبر زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الشريك في الائتلاف الحاكم في ألمانيا، أن رئيس الحكومة اليونانية “حطم آخر الجسور التي كان يمكن لأوروبا واليونان التحرك فوقها للوصول لحل توافقي".

ورأى غابريل، أنه أصبح من الصعب إجراء مفاوضات حول برامج المساعدات المالية لأثينا، في ظل رفضها قواعد اللعب بمنطقة اليورو كما ظهر في نتائج الاستفتاء.

وقال “برلين وأوروبا لن تسمحا لأثينا بأن تبتزهما بالخروج من منطقة يورو”، مضيفا أن أعضاء في الحكومة اليونانية يعتقدون أن هذا الأمر “سيدفع الدول الأوروبية لعمل كل ما تريده اليونان لكن الأمر ليس كذلك”.

وتابع أن أوروبا وألمانيا مستعدتان في الظروف الحالية لتقديم مليارات اليورو لليونان، لكننا نريد أن تنفذ الحكومة اليونانية التزاماتها.

وأضاف أن أثينا لم تقدم خطة “فعالة وأمينة” للإصلاحات، ولذلك علينا ألا نجعل أنفسنا أضحوكة أمام الناس.

وقال “نحن نقول إنها المفاوضات الأخيرة، وستستمر الأمور كما كانت، وسيكون جيدا لو رأينا نتائج في نهاية المطاف”. لكنه استبعد أن تكون الحكومة اليونانية على الاستعداد لتحمل المسؤولية.وتقود ألمانيا الشق المتشدّد في منطقة اليورو إزاء الديون اليونانية، ولم يكن موقف وزير الاقتصاد زيغمار غابريل، استثناء فقد انتقدت العديد من الشخصيات السياسية الألمانية نتائج الاستفتاء.

وشنّ اندرياس شوير الأمين العام للحزب البافاري، بدوره هجوما عنيفا على الحكومة اليونانية. وقال “علينا الآن أن نرد بتعقل لكن من الواضح أن المبتزين اليساريين والكاذبين على الشعب مثل رئيس الوزراء الكسيس تسيبراس لا يمكنهم أن يصلوا إلى غايتهم عبر رحلتهم القذرة”.

تسيبراس وحكومته يقودان الشعب اليوناني على طريق الاستغناء المرير واليأس، لقد قدم للشعب وعودا كاذبة
وعلق شوير على الاستفتاء اليوناني بالقول “طابت ليلتك يا يونان”، بينما قال وزير الدولة للخارجية مايكل روث في تغريدة له، إن “من يهللون للاستفتاء لم يدركوا مدى خطورة الوضع”.

وغير بعيد عن سياق الانتقادات، قالت جوليا كلوكنر النائبة المقربة من المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في بيان “على تسيبراس أن لا يتصور أن بإمكانه الضغط على أوروبا بهذه النتيجة” في الاستفتاء.

وأضافت “ما يوضع في الاعتبار ليس فقط إرادة الشعب اليوناني بل أيضا إرادة باقي شعوب البلدان الأوروبية”، مشددة على أن “أوروبا ليست ناديا للعب الورق يحدد فيه كل لنفسه قواعد اللعبة في حين يدفع الآخرون الثمن".

في حين اعتبر النائب الألماني هانس ميشالباخ أن “اليونان قالت مع السلامة لقيم الاتحاد النقدي”، مطالبا البنك المركزي الأوروبي بالتوقف الفوري عن أي دعم للمصارف اليونانية.

وكانت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، قد تمسكت بإجراء الاستفتاء على شروط المقرضين الدوليين، بعد أن أعلن عن ذلك رئيس الحكومة اليونانية. وقالت أثناء اجتماع مع نواب حزبها المحافظ، إن ألمانيا غير مستعدة لبحث أي طلب من أثينا لمساعدة جديدة قبل الاستفتاء الذي جرى أول أمس ورجّح كفّة الرافضين لخطط التقشف الأوروبية ولشروط الدائنين.

واقترحت أثينا على شركائها الأوروبيين، عرض اتفاق جديد على سنتين يسمح بتلبية احتياجاتها المالية مع إعادة هيكلة ديونها، في وقت يبدو فيه تخلفها عن السداد أمرا محتوما. وأبدت ميركل والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بعد إعلان نتائج الاستفتاء، حذرا في ردّ فعلهما الأولى على نتائج الاستفتاء.لكنهما قالا إنهما "متفقان على وجوب احترام تصويت المواطنين اليونانيين".

نيكولا فيرون: العديد ظنوا رغباتهم واقعا حين راهنوا على التصويت بنعم

استفتاء اليونان يضع الأوروبيين بين خيارين متناقضين

يجمع محللون على أن تصويت اليونانيين بكثافة على رفض خطة التقشف التي طرحها الدائنون، وضع الاتحاد الأوروبي أمام معضلة، فإما أن يدفع أثينا إلى الخروج من منطقة اليورو أو إبقائها فيها رغم الخلافات والصعوبات.

وقبل الاستفتاء في اليونان، اتفق عدد من القادة الأوروبيين من برلين إلى روما على اعتبار فوز معسكر الرفض لخطة ترويكا الدائنين وفق ما دعت إليه حكومة اليسار الراديكالي اليونانية، هو بمثابة رفض لليورو بل حتى لأوروبا.

لكن تجاهل الناخبين اليونانيين لتلك التهديدات وتصويتهم بـ “لا” لخطة مقرضيها، جعلت الاتحاد الأوروبي بين خيارين أحلاهما مرّ، فيما يواجه أخطر أزمة منذ تأسيسه.

ويبدو أن الاتحاد دخل مرحلة ليّ الأذرع الصعبة مع اليونان دون أن يكون مستعدا لها بالفعل، خاصة مع وجود انقسامات في صفوفه بين المتشددين الذين تقودهم ألمانيا والمتمسكين بالإبقاء على قنوات الحوار على غرار باريس وروما.

وقال نيكولا فيرون الخبير الاقتصادي في معهد بروغل الأوروبي للدراسات إن “العديد راهنوا على عقلانية العملية وظنوا رغباتهم واقعا حين راهنوا على التصويت بنعم في الاستفتاء”.

واعتبر، أن المسألة لم تحسم بعد، وسيتحتم على الدول الأعضاء إعطاء فرصة جديدة للمفاوضات من أجل تجنب كارثة مالية تعرض اليونان للخروج ربما بسرعة كبيرة من منطقة اليورو رغما عن إرادتها.

ويرى بيتر كليبي من مركز “اوبن يوروب” للدراسات أن على أوروبا أن تستعد لعودة العملة المحلية الدراخما في اليونان.

وتساءل “لماذا نستمر في التظاهر ونهدر الوقت كما لو أن شيئا لم يحصل، في حين هناك خطر كارثة اجتماعية يهدد هذا البلد”.وقالت آن لور دولات الباحثة في المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي الحكومي إن “ما يمكن أن يلعب ضد اليونانيين هو فكرة أن منطقة اليورو ستكون أفضل حالا بدونهم”، وهي فكرة منتشرة بصورة خاصة في دول البلطيق وفنلندا وهولندا، وكذلك “ضغط الناخبين المحافظين الألمان الذين يرفضون دفع المزيد من الأموال”.

إلا أن هذا ما يريده تحديدا اليونانيون من خلال إعادة هيكلة دينهم العام الهائل، لقاء القبول بالاقتطاعات في الميزانية وبالإصلاحات التي يطالب بها الدائنون.

وقدم لهم صندوق النقد الدولي دعما كبيرا، الخميس، إذ دعا الأوروبيين إلى تخصيص أموال جديدة لليونان. لكن الباحثة الفرنسية قالت، إنه بالرغم من الخلافات المتراكمة تبقى الحجج المؤيدة لبقاء اليونان في منطقة اليورو كثيرة.

وأشارت إلى “الغموض التام” حول العواقب الاقتصادية والجيوسياسية لخروج اليونان، وإلى”ضغط الأميركيين الذين يريدون بأي ثمن تفادي خطر أزمة مالية جديدة”.

ورأت أنه إذا تقبّلت دول منطقة اليورو لمثل هذا “الفشل” مع خروج اليونان المحتمل، فإن أوروبا ستواجه المزيد من المخاطر مع ما سيقدمه هذا الاحتمال من حافز لمعسكر المشككين في أوروبا والمتطرفين.

12