أزمة السكن في تونس تتفاقم والدولة عاجزة عن حلها

في ظلّ ارتفاع أسعار المساكن في تونس قررت الحكومة الجديدة برئاسة يوسف الشاهد اتخاذ إجراءات عمليّة لفائدة متوسّطي الدخل لتسهيل اقتناء المساكن، حيث ستتدخل الدولة بتوفير التمويل الذاتي المقدر بـ30 ألف دينار في شكل قرض.
السبت 2016/10/01
الكرامة.. سكن لائق

تونس - فشلت الحكومات المتعاقبة في تونس في حلّ أزمة السكن على اعتبار أن سوق العقارات رهين للمضاربات ولارتفاع نسب الفوائض التي تفرضها البنوك على الراغبين في شراء أو بناء مساكن لائقة، وهو ما يفسّر ارتفاع أرباح هذه البنوك رغم الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد.

وأعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد، في حوار خصّ به التلفزة الوطنية وإذاعة “موزاييك” الخاصة، عن إجراءات جديدة لطالبي القروض السكنية، حيث أكّد أنه سيتم إطلاق برنامج السكن الأول وهو برنامج خاص بالطبقة الوسطى لتسهيل اقتناء مساكن.

وأضاف أن الدولة ستدعم كل من يتقدم للحصول على قرض سكني وذلك بتوفير التمويل الذاتي لفائدة المستفيدين في شكل قرض بقيمة 30 ألف دينار يتمّ استخلاصه على مدى 5 سنوات، موضحا أن هذه الإجراءات تشمل أصحاب الدخل الشهري المتراوح بين مرتين و8 مرات الأجر الأدنى المضمون.

وقد أكد الخبير الاقتصادي رضا بن محمّد الزعيبي، في تصريحات لـ”العرب”، أن الإجراءات التي اتخذتها حكومة الشاهد لن تحلّ أزمة السكن، لأنه لم يوضح إن كانت قروض التمويل الذاتي التي ستقدم إلى العائلات الفقيرة ستكون بضمانات أو بغير ضمانات، خاصة وأن دخل هذه العائلات لا يسمح لها بتسديد هذه القروض.وتفاقمت أزمة السكن في تونس بعد أحداث 14 جانفي ورغم محاولات وزارة التجهيز والسكن والتهيئة الترابية لحل مشكلات السكن الاجتماعي وذلك بوضع برنامج خاصّ بالعائلات الفقيرة إلى جانب المنظومة السكنية القديمة التي تقوم ببناء حوالي 2000 مسكن كل سنة، إلّا أن ذلك لم يحل دون ظهور العديد من المشكلات مثل تقديم البعض من العائلات لملفات مغلوطة قصد الحصول على السكن الاجتماعي على حساب عائلات أخرى أكثر احتياجا.

المضاربات العقارية التي ساهمت بشكل مباشر في ارتفاع أسعار المتر مربع من الأراضي تعرقل التنمية في تونس

وسبق أن أكد محمد الخامس العبيدي المدير العام للبرنامج الخصوصي للسكن الاجتماعي، في تصريحات صحافية، أن “هناك العديد من المواطنين الذين تعمّدوا الخروج من منازل يمتلكونها والسكن في أكواخ للانتفاع بالبرنامج دون وجه حق”، موضحا أن “نسبة المغالطة بلغت ما يقارب 30 بالمئة من جملة المترشحين، لكن الجهات المختصة قامت بإحداث لجنة مراقبة في الغرض في أواخر سنة 2013 للتحقق من جميع المطالب المطروحة لكشف اللبس الحاصل”.

وتتدخل في منظومة السكن بتونس أطراف عديدة، من بينها الباعثون العقاريون العموميون الذين يركّزن نشاطهم على توفير مساكن اجتماعية إلى جانب الوكالة العقارية للسكنى (AFH)، وهي مؤسسة عمومية تتمتع بالاستقلالية المادية تقوم بتوفير المقاسم الاجتماعية لبيعها للمواطنين بهدف بناء مساكن اجتماعية في ظل صعوبات توفير عقارات أي أراض لبناء هذه المساكن لفائدة محدودي الدخل. ويتم بناء المساكن الاجتماعية فقط على الأراضي التي هي على ملك للدولة أو ملك لمجلس الولاية أو المجلس البلدي أو إحدى المؤسسات العقارية المكلفة أصلا ببناء هذا النوع من المساكن.

وعملت الدولة التونسية خلال فترة الثمانينات على وضع برامج متباينة موجهة أساسا لمحدودي الدخل أهمّها البرنامج الوطني للقضاء على المساكن البدائية (PNRLR) سنة 1986 من خلال توفير قروض وإعانات للحصول على قطعة أرض أو بناء أو تحسين مسكن. لكن هذا البرنامج طرح العديد من الإشكاليات المتعلقة بدفع القروض، فالعديد من العائلات المعوزة لم تتمكن من خلاصها نظرا إلى ارتفاع نسب الفوائض.

وزاد ارتفاع سعر المتر مربع، بسبب المضاربات العقارية، والذي تضاعف خمس مرات خلال خمس سنوات في تأزيم الوضع، فسعر المتر مربع الواحد الذي لا يقل عن ألفي دينار حاليا كان سنة 2010 في حدود 400 دينار وفق دراسة أصدرتها وزارة التجهيز سنة 2014. ويتراوح سعر المتر المربع في تونس العاصمة بين 1200 و3000 دينار، وتتباين هذه الأسعار من منطقة إلى أخرى ومن حيّ إلى آخر، فسعر المتر المربع من الأراضي في الأحياء السكنية الراقية مثل حدائق قرطاج والمنازه والنصر يصل إلى حدود 1900 دينار، ويتراوح السعر في الأحياء القريبة من وسط العاصمة بين 1800 و2500 دينار.

وحذّر الخبير الاقتصادي رضا الزعيبي، في هذا الصدد، من أن يتسبب ارتفاع أسعار الأراضي وغياب التوازن اللازم بين العرض والطلب في تفشي ظاهرة البناء العشوائي في ظل غياب مراقبة جديّة من قبل الشرطة البلدية.

يحتاج القطاع العقاري في تونس إذن إلى تدخّل عاجل من قبل الدولة، لوضع سياسات ومبادرات ناجعة لتطوير منظومة السكن، وحتى لا تتحول البعض من المناطق إلى أماكن للبناء الفوضوي والعشوائي، بسبب الارتفاع المشطّ لأسعار العقارات وتردّي أوضاع المواطنين.

4