أزمة الصحف الجزائرية فرصة الحكومة للتخلص من المطبوعات المزعجة

يخشى العاملون في قطاع الإعلام الجزائري من توقف العشرات من الصحف بسبب الأزمة المالية الخانقة التي تجتاح مؤسسات الإعلام، والتي تفاقمت بسبب غياب الإرادة الحكومية بدعم القطاع، وسياسة توزيع الإعلانات المنحازة إلى الصحف الموالية للسلطة.
الثلاثاء 2016/08/30
الصحف تعيش فترة احتضار

الجزائر - لا تزال الحكومة الجزائرية، تعيش حالة المتفرج، أمام الأزمة الخانقة التي تمرّ بها العشرات من الصحف المحلية، ورغم توجه المؤسسات الناشرة إلى تسريح المئات من الصحافيين والعاملين لديها، بسبب تراجع إيراداتها المالية، إلا أن وزارة الاتصال مازالت تلتزم الصمت تجاه هذا الوضع، حيث اكتفى وزير الاتصال حميد قرين، طيلة الأسابيع الماضية، بالتعليق على حسابه في تويتر، بأن طباعة الصحف الجزائرية تراجعت بنحو 40 بالمئة، وأشار في تغريدة أخرى إلى أن عشرين صحيفة من ضمن 150 فقط، تفوق طباعتها 10 آلاف نسخة.

ويتوقع ناشطون في المجال الإعلامي بالجزائر، أن تشهد الأسابيع المقبلة، توقف العشرات من الصحف المحلية، ولجوء المؤسسات الناشرة إلى تسريح المئات من الصحافيين والعاملين بالقطاع، بسبب تقلص مداخيلها من الإعلان، خاصة بعد تراجع العروض لدى الوكالة الوطنية للنشر والإشهار، المحتكرة للإعلان الحكومي، الذي يموّل غالبية الصحف الورقية الصادرة في الجزائر.

وفي ظل غياب نقابات تمثيلية وهيئات مهنية للصحافيين في الجزائر، تسود الوسط الإعلامي المحلي حالة من الغليان والاستياء، بسبب صمت الحكومة عن الاعتراف بالأزمة الخانقة التي تضرب القطاع، وغياب أيّ مبادرة لديها لإيجاد حلول، بإمكانها التخفيف من حدة الأزمة، وإنقاذ المئات من الأسر من ضياع مصدر رزقها، وهو ما يعزز فرضية تقضي بتعمد الحكومة توجيه الوضع نحو المزيد من التدهور والتعقيد، للتخلص من التشبع الذي يضرب القطاع، والاكتفاء بعدد محدود من الصحف والمطبوعات التي بإمكانها الاستمرار.

وصرح الناطق باسم “مبادرة كرامة الصحافي” رياض بوخدشة، لـ”العرب”، بأن هيئته رغم عدم اعتمادها لحدّ الآن، إلا أنها دعت منذ أشهر، الأسرة الإعلامية والجهات الوصية في السلطة، إلى فتح جلسات نقاش وتشاور من أجل تجاوز هذه المرحلة، وقامت بإعداد وثيقة من التصورات والأفكار، لأنها ترى أن الصحافيين والمهنيين وكذلك الرسالة الإعلامية هم الضحايا الأوائل للأزمة الخانقة.

وأضاف بوخدشة “سبق أن توقفت عدة صحف عن الصدور، وتم تسريح صحافييها وعمالها، وتدخلنا بصفة ودية لدى بعض الزملاء من أجل استقطابهم مجددا، إلا أن الوضع يسير نحو المزيد من التأزيم، وهناك نذر بانهيار جماعي للمؤسسات الإعلامية، لكن الكل يقف في موضع المتفرج”.

وتتداول كواليس القطاع في الجزائر، أن الحكومات المتعاقبة ترغب منذ سنوات، في التخلص من العشرات من الصحف، وأمام صعوبة اتخاذ قرارات إدارية والإمعان في التضييق عليها من أجل التوقف، جاءت ظروف الأزمة المالية التي تعصف بالبلاد من منتصف العام 2014، لتشكل فرصة سانحة تنفذ رغبتها القديمة بالنيابة عنه.

رياض بوخدشة: هناك نذر انهيار جماعي للمؤسسات الإعلامية لكن الكل يقف في موضع المتفرج

وفي ظل غياب الشفافية والمساءلة في موازنات واستثمارات القطاع، فإن أزمة خانقة تمر بها المؤسسات التابعة لوزارة الاتصال، وفي هذا الشأن توجه العشرات من الصحافيين والفنيين من التلفزيون الحكومي، إلى طلب التقاعد المسبق قبل دخول قانون التقاعد الجديد حيز التنفيذ مطلع العام المقبل، وذلك بإيعاز من إدارة المؤسسة التي تسعى إلى خفض تعداد الهيئة العاملة لديها وتقليص كتلة الأجور.

وذكرت مصادر مطلعة لـ”العرب”، بأن مؤسسة النشر والإشهار، التي تحتكر الإعلان الحكومي وتملك الأفضلية في البعض من الأنشطة المتصلة بالنشر، دخلت خلال الأشهر الأخيرة في أزمة مالية خانقة، اضطرتها للتأخر في دفع مستحقات الصحف من نشر الإعلانات لديها، بسبب عجزها عن تحصيل مستحقاتها لدى الهيئات والمؤسسات الحكومية. وأضافت المصادر أن المؤسسة التي تحتكر نشر وتوزيع ما يقارب مبلغ 200 مليون دولار من الإعلان الحكومي، ورثت تسييرا بيروقراطيا وخضوعا مطلقا لتوجهات السلطة من أجل التحكم في توجهات القطاع، وهو ما وصلت إليه، فبعدما ارتفع عدد المطبوعات منذ مطلع الألفية إلى حوالي 200 مطبوعة بين صحيفة يومية وأسبوعية ومجلات، أخضعت جميع خطوطها الافتتاحية وسياساتها التحريرية لخط السلطة، إلا أن عجزها عن تحصيل مستحقاتها وارتفاع عمالتها وكتلة أجورها، سيضعها هي الأخرى على صفيح ساخن.

وصرح ناشر لصحيفة يومية صادرة باللغة الفرنسية، رفض الكشف عن هويته، لـ”العرب”، بالقول “إننا نعيش وضعية احتضار، والعشرات من المؤسسات والصحف تعد أنفاسها الأخيرة، وأن العمل الآن جار في كيفية الاختفاء من الساحة بأخف الأضرار، لأن تسريح الصحافيين والعمال هو أكبر المعوقات التي تواجه مسيري المؤسسات الإعلامية”.

وأضاف “للأسف قطاع الإعلام في الجزائر هو أول دافع لفاتورة الأزمة المالية، وغياب هيئات مهنية للناشرين والصحافيين، شجع الحكومة على تنفيذ مخططاتها، ورغم المخاطر التي تهدد بنسف العشرات من العناوين الصحافية وتسريح المئات من الصحافيين والعمال، إلا أن الجميع يقف موقف المتفرج، وهو أمر يثير الشبهات والاستفهامات حول هذا الصمت، ويعزز توجه الحكومة لتوظيف ظروف الأزمة من أجل التخلص من العشرات من الصحف، والاكتفاء بالعناوين المدعومة من طرف النافذين في السلطة ورجال الأعمال”.

وأكد تراجع عروض المؤسسة المحتكرة للإعلان الحكومي من حوالي 200 صفحة يوميا إلى حوالي الربع، الشبهات الكثيرة التي تحوم حول كيفية توزيع تلك الكمية على الصحف الناشطة، إذ تستفيد العناوين التي تحظى بحماية ودعم شخصيات حكومية وبرلمانية ورجال أعمال من كميات ثابتة ومستقرة، وتتداول بعض الأحاديث ما يعرف بـ”مجموعة العشرين”، بينما تحرم غالبية العناوين من الإعلان بحجة قلة العروض.

ويرى مختصون في الشأن الإعلامي بالجزائر، أن القطاع يشكل قنبلة شديدة المفعول وينطوي على ممارسات فساد واسعة، ولذلك يتم التكتم عليها سواء من طرف السلطة أو من طرف الفاعلين والمستفيدين، لارتباطها بدوائر نفوذ سياسية واقتصادية.

18