أزمة الطاقة التحدي الأكثر خطورة أمام الحكومة المصرية

الجمعة 2014/08/01
الحكومة المصرية مطالبة باتخاذ خطوات جريئة لحل أزمة الطاقة التي تهدد البلاد

القاهرة – دخلت أزمة الكهرباء والطاقة منعرجا خطيرا في مصر، ويؤكّد خبراء أن عواقبه ستكون وخيمة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي في حال تواصل المأزق الممتد منذ سنوات. فيما تؤكد أغلب البحوث والدراسات على أن الدعم الحكومي للطاقة يمثل أبرز مسببات هذه الأزمة.

على مدى السنتين الماضيتين، واجه المصريون نقصا في الطاقة أدى إلى انقطاع شامل للتيار الكهرباء في كافة أنحاء البلاد، وهو ما صعّب على الأسر المصرية الظروف المعيشية، بالإضافة إلى الضرر الذي ألحقه بمجال الصناعة الذي لا يشغّل حاليا إلّا 60 إلى 70 في المئة فقط من قدرته الكهربائية. وهذا الأمر يساهم في زيادة تدهور الاقتصاد الضعيف للبلاد. ولا تكمن المشكلة في المخزون أو التموين، ولكن في الحصول على مدخلات كافية، إذ أنّ استهلاك الكهرباء في مصر يبلغ فقط حوالي نصف ما يمكن أن تنتجه قدراتــها.

بصفة عامة، يتمّ توليد الكهرباء باستخدام النفط والغاز، واستنفاد احتياطيات النقد الأجنبي يؤدّي مباشرة إلى مواجهة البلاد صعوبات هامة في سداد ثمنها. ويشير محمد سبكي- أستاذ بجامعة القاهرة- إلى أن مصر لم تضع أية خطط للحفاظ على الطاقة، مُعتبرا زيادة استخدام الوقود الأحفوري كمصدر رئيسي لتوليد الطاقة دليلا قاطعا على ارتباك سياسة البلاد في هذا المجال.

وشددّ الباحث المصري، خلال ندوة استضافها مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، التابع للمجلس الأطلسي لبحث أزمة الطاقة في مصر، على أثر الطاقة المُموّلة على زيادة الاستهلاك المحلي وخفض الإنتاج، فضلا عن المتأخرات المستحقة لشركات النفط الدولية وتهريب الطاقة المدعومة وخطر تعطيل شبكات الكهرباء.

في ذات الندوة تحدّث مختار عوض، باحث بمركز “التقدم الأميركي”، مركّزا على البعد الأمني لأزمة الطاقة في مصر. واستند عوض في تحليله على التغطية الإعلامية في مصر لتسليط الضوء على مدى خطورة المشكلة. فمع الانقطاع المتواصل للطاقة -الذي يصل إلى اثنتي عشرة ساعة في بعض المناطق- شهدت مصر تزايدا ملحوظا في الاحتجاجات في المدن الصناعية بدمياط والمحلة الكبرى.

ولاحظ عوض طفرة في الهجمات ضد محطات الكهرباء وموظفيها كوسيلة للفت الانتباه إلى هذه المسألة. واختتم مُداخلته بالإشارة إلى أنّ النقص في الطاقة مشكلة تعود إلى فترة حكم الرئيس السابق محمد مرسي ولا تزال تشكل خطرا على رئاسة عبدالفتاح السيسي الذي وضع في رؤيته للمستقبل (خلال حملته الانتخابية) نقاطا واضحة عن الطاقة باعتبارها المحرك الرئيسي لحركة التنمية المنشودة، وذلك من خلال البدء الفوري والجاد في البرنامج النووي للأغراض السلمية لضرورته الحتمية، في ظل نضوب الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية، والتحول من الاعتماد الأساسي على الغاز الطبيعي، والمنتجات البترولية، إلى محاولة الوصول إلى نسب مقاربة للنسب العالمية، في استخدام أنماط مختلفة للوقود/الطاقة الأولية لإنتاج الطاقة الكهربائية، وتحفيز استثمارات القطاع الخاص المحلي والأجنبي، في مجال توليد الطاقة الكهربائية، بل ومجالات نقل وتوزيع الطاقة، والتوجه الفوري لإعادة هيكلة تسعير الطاقة الكهربائية اقتصاديا مع عدم إغفال البعد الاجتماعي بما يحقق توجيه الدعم لمستحقيه فعلا دون غيرهم، كما تدعو الرؤية إلى إطلاق مبادرة لاستخدام الطاقة الشمسية (الخلايا الضوئية الفوتوفلتية).


نقص الطاقة


تمر مصر بأزمة كبيرة في توفير الطاقة للمصانع مما يهدد بتوقف عجلة الإنتاج وتشريد آلاف العمال وخروج مصر من منظومة التصدير. الأزمة بدأت جليا منذ أكثر من أربع سنوات ثم أخذت في التصاعد وقد تأثرت كثيرا بوضع البلاد منذ ثورة 25 يناير 2011.

80 % من مستحقي دعم الوقود في مصر يحصلون على خمس الدعم المخصص لهم

ويشير محسن خان -باحث في مركز الحريري- إلى ثلاث مشاكل اقتصادية فورية يتوجّب على الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي معالجتها: النقص في الطاقة والتمويل الخارجي والتخفيض في المالية العامة في الأجل القصير (سنة واحدة) لتدارك التدهور الاقتصادي. كما قدّم مقترحات على المدى القصير والطويل لحل أزمة الطاقة.

على المدى القصير، يقترح خان بأن تضبط الحكومة المصرية أسعار الطاقة عن طريق إصلاح إعانات الطاقة والقضاء على متأخرات السداد للشركات النفطية العالمية، والحصول على الغاز والنفط من دول الخليج العربية (ربما في شكل منح أو على أساس دفع مؤجل). أما على المدى الطويل، فسيكون على مصر بناء مرافق خاصة باستيراد الغاز الطبيعي المسال وإكمال مشاريع محطة توليد الكهرباء وتطوير البنية التحتية للاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة وتشجيع الحفاظ على الطاقة.

ومع الارتفاع المطرد في استهلاك وتوليد الكهرباء بمعدل 7 بالمئة سنويا على مدى العقد الماضي، واجهت مصر نقص الطاقة بشكل متزايد منذ عام 2010، حيث زاد معدل الطلب عن قدرة الطاقة المولدة. وعلى الرغم من أن معدل انتشار الكهرباء كان 99.6 بالمئة في مصر عام 2009، وهو من بين أعلى المعدلات في أفريقيا، إلا أن مصر شهدت تكرار انقطاع التيار الكهربائي على مستوى البلاد عدة مرات خلال السنوات الأخيرة.

ويعزى السبب في نقص الطاقة الكهربائية إلى أزمة الطاقة بشكل عام، حيث يتم إنتاج معظم الطاقة الكهربائية في مصر باستخدام النفط والغاز، فيحدث نقص الطاقة نتيجة عدم كفاية الموجود من المواد البترولية. وبينما تواجه الحكومة المصرية صعوبات في توفير ما يكفي من الوقود لتلبية الطلب، فهناك الكثير من الجدل حول أسباب ومدى انتشار أزمة الطاقة. فمن جانب، يلقي مسؤولون حكوميون بالمسؤولية في نقص الوقود على الفساد المتوارث في الفترة ما قبل ثورة يناير 2011، وعلى عمليات إشاعة الخوف في وسائل الإعلام مما يؤدي إلى دفع الناس إلى اكتناز المواد البترولية.


استراتيجية مناسبة


يؤكد خبراء الطاقة وشركات النفط والغاز الأجنبية والدبلوماسيون الغربيون على ضرورة اتخاذ الحكومة المصرية خطوات جريئة لحل أزمة الطاقة التي تهدّد البلاد. وفشلت حكومات متعاقبة في وضع استراتيجية مناسبة لاستغلال احتياطيات الغاز الطبيعي الكبيرة بالرغم من النمو السكاني الذي زاد الطلب على الوقود.

زيادة استخدام الوقود الأحفوري كمصدر رئيسي لتوليد الطاقة دليل قاطع على ارتباك سياسة البلاد في مجال الطاقة

وبدأت مصر تصدير الغاز في منتصف العقد الماضي لكن الصادرات انخفضت إلى أقل من النصف في الفترة من 2008 إلى 2012. وأصبحت الكميات ضئيلة جدا في الوقت الراهن. ويتراجع إنتاج مصر حاليا من حقول الغاز القديمة.

على الجانب الآخر، حذر بعض المحللين الحكومة المصرية من استخدامها حصة كبيرة من احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية لتحقيق الاستقرار في الجنيه المصري الذي يتناقص سعره، الأمر الذي يقلل من قدرة الحكومات على استيراد احتياجاتها النفطية المهمة.

ووفقا للبنك المركزي المصري، انخفضت احتياطيات النقد الأجنبي إلى أدنى مستوى مسجل له وهو 13.4 مليار دولار أميركي بحلول أوائل عام 2013.

ومع اعتياد مصر منذ فترة طويلة على استيراد النفط بأسعار السوق الدولية وبيعه محليا بأسعار مدعومة، فإن مجال النفط الحكومي في خسارة منذ عدة سنوات. ووفقا لذلك، فنحو 20 بالمئة من النفقات السنوية للحكومة -أو ما يقرب من 16 مليار دولار أميركي سنويا- يذهب إلى دعم الطاقة. ونتيجة لذلك، دعت بعض المنظمات الدولية -وأبرزها صندوق النقد الدوليIMF) - )إلى تخفيض هذا الدعم.

كما تتفاقم أزمة الطاقة في مصر بسبب تقادم شبكة الكهرباء ونظام الدعم السخي الذي يتسبب في هادر كبير. وتعد أسعار الكهرباء في مصر الأرخص على مستوى الشرق الأوسط في ظل حرص الحكومة على دعمها. ومؤخرا أعلن وزير الكهرباء والطاقة في مصر، محمد شاكر، رفع أسعار شرائح استهلاك الكهرباء، بنسبة تتراوح من 10 إلى 50 بالمئة، لرفع الدعم عن الكهرباء بالكامل في غضون 5 سنوات، مع مراعاة البعد الاجتماعي لمحدودي الدخل.

وأضاف أن دعم الكهرباء بعد رفع أسعارها سيسجل 27.4 مليار جنيه (3.8 مليار دولار) في موازنة العام المالي الجديد 2014-2015، مقابل 38.7 مليار جنيه (5.4 مليار دولار) قبل رفع الأسعار، وبالتالي توفير نحو 11.3 مليار جنيه لصالح الخزينة المصرية في العام الأول فقط.

ويلتهم الدعم -الذي بدأت مصر تطبيقه في عهد الرئيس جمال عبدالناصر قبل خمسة عقود- العملة الأجنبية التي يمكن استخدامها في سداد مستحقات شركات الطاقة الأجنبية وتحسين شروط السداد لتشجيع الاستثمار.

ووفقا لدراسة حكومية، يحصل 80 بالمئة من مستحقي دعم الوقود في مصر على خُمُس الدعم المخصص لهم بينما يذهب الباقي لغير مستحقيه. ويجمع وزراء الحكومة المصرية على ضرورة إصلاح نظام الدعم، لكن الوقود والغذاء يمثلان أمرا حساسا للغاية في أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان. وقاد قرار خفض دعم أسعار الخبز عام 1977 إلى أعمال شغب في عهد الرئيس أنور السادات.

6