أزمة العقلنة وضرورة التقدمية

الثلاثاء 2014/05/27

ماذا يحدث اليوم في العالم العربي؟ هل زعزعته حقيقة التدخلات الأجنبية أم إنه قد تفكك وتدحرج نتيجة الجهل والفقر والغباوة والسذاجة التي نخرت شعوبه ونخبه على حد السواء حتى أصبح الدعاة الدجالون المستأجرون يوجهون الشباب العربي حيث شاؤوا ويرمونهم في جحيم الحروب الأهلية بين المسلمين؟

سأنطلق من الملاحظة التي وردت عند الفقيد هشام شرابي في مبحثه “النقد الحضاري للمجتمع في نهاية القرن العشرين”، والتي اعتبرت أننا منذ الثمانينات قد دخلنا منعطفا جديدا على المستوى الثقافي العام، وقد ظهر جليّا أن الفكر الذي صاحب المراحل السابقة يحتاج اليوم إلى إعادة نظر وإلى صياغة جديدة إن لم نقل تفكيكا كليا. لأن الخطر الأكبر يتمثّل في عدم القدرة على النقد الجذري لأوضاعنا وفكرنا وثقافتنا كما يتمثّل في التمسّك بالأيديولوجيات الماضية وبالاتجاهات الفكرية التقليدية.

لذلك أعتقد أنّ الحديث عن التقدم في الثقافة العربية حاليا يستوجب إعادة صياغة بعض المفاهيم والتصورات اللازمة لإعادة بناء نهضة عربية جديدة تقوم على مكتسبات فلسفة النهضة التي عاشها العالم العربي في بدايات القرن العشرين، كما تقوم على مرتكزات انتماءاتنا الحضارية وتجذّر مسلتزمات تحديث أنماط حياتنا وتأقلمها مع مستجدات العلوم والتكنولوجيا.

يبدو لي أن مبادئ تقدمنا الحضاري الآن لا تكمن أساسا في بعدها التقني، بقدر ما تتموضع داخل تصورات متجددة يجب استئناف البحث فيها تحت معطيات واقعنا المتأزم ومن خلال تطور العلوم واكتساب التقنيات الضرورية لتكوين مجتمع متوازن تتطابق فيه عقلنة الذهن والسلوك بعقلنة نمط الحياة في المجتمع حتى لا يعيش الفرد العربي انفصاما نفسيا عميقا يعيش رفاهة التكنولوجيا وبلادة الذهن وسذاجة الفهم في الآن نفسه، قد يؤدي ذلك إلى انحيازه الواعي إلى العنف أحيانا وإلى ممارسته بتشدد وعجرفة أحيانا أخرى. وأفضل مثال على ذلك مشروع الإخوان المسلمين الذين يقبلون التطور التكنولوجي ويرفضون التطور الاجتماعي محافظين على التقاليد القديمة في أحسن الحالات، ومحيين لأفكار وطقوس وممارسات بالية لا تتماشى ومقتضيات العصر.

وهو مشروع شجع بصفة آلية المتشددين الإرهابيين على التنظم أولا، ثم ممارسة العنف ثانيا، والهدف من كل ذلك إحداث “الفوضى الخلاقة” التي، في نظرهم، ستؤدي- حتما- إلى قيام نظام إسلامي يتحكم فيه التنظيم الإخواني، وبذلك يتسنى تغيير نمط العيش في المجتمع المبني على الازدواجية المذكورة أعلاه: تأخر ذهني واجتماعي، وقبول التكنولوجيا المتطورة.

يرى الفيلسوف الألماني كانط أن استعمال العقل يؤدي في النهاية إلى ما تؤديه الحرب ولكن بأقل سرعة ودون دماء وتقتيل. وإذا علمنا أن الغاية القصوى من الحرب هي إقرار السلام، حتى وإن كان هذا السلام مسلّحا قائما على نظام دكتاتوري، فإن العقل هو أيضا يؤدي إلى السلم ولكن هذه المرة ستكون سلما توافقية مبنية على الحوار أكثر من انبنائها على الغلبة. ولعل التجربة التونسية في الحوار الوطني قد بينت بما فيه الكفاية أن هذه العقلنة التي أبعدت عن تونس شبح الحرب الأهلية هي السبيل الأنجع للدفاع عن مكتسبات الوطن وإقرار السلام التوافقي.

لم يكن ذلك ممكنا في ليبيا التي تعيش الآن بداية حرب أهلية، ولكن الشعب الليبي تحرك بثقله ليكون إلى جانب الجيش والشرطة في عملية محاربة الإرهابيين الذين هيمنوا على مناطق عديدة من البلاد، كما تحرك الشعب المصري من قبل ليقصي الإخوان عن الحكم بواسطة جيشه وهو الآن بصدد انتخاب رئيسه رغم مقاطعة الإسلاميين. ذلك يعني أن استعمال العقل أحيانا لا يفيد باعتبار أن الإرهابيين لا يعترفون إلا بالوجدان الهمجي معتمدين على قراءة خاصة جدا وخاطئة للإسلام الذي يشجع على حب العقل والتعقل وحب الحياة. في هذه الحالة تصبح الحرب ضرورية كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف الألماني هيغل الذي صحح فكرة كانط.

فسيرورة العقلنة التي تأسست عليها الحداثة قد اقتحمت كل الميادين بما في ذلك ميدان الخطاب الديني نفسه عندما ورد استعمال العقل لفهم الخلق ومستتبعاته كضرورة تستوجبها قراءة النص الديني قراءة تستجيب لمتطلبات العصر. والحقيقة أن العقلنة في المجال الديني تعني التدخل في جميع مستوياته بدقة لإصلاحه والابتعاد به عن طريق الشعوذة والغطرسة والتسلط والإرهاب.

فالعالم العربي لم يتقبل هذه السيرورة للعقل بسهولة، بل احتدت النقاشات وكثرت الاصطدامات ولم تستطع المبادئ العقلية مزيد التغلغل في النسيج الاجتماعي إلا بصعوبة قصوى، لذلك تبقى هذه الإشكالية أساسية بالنسبة إلينا، بل إن فكرة التقدم التي هي ابنة هذه السيرورة للعقل تبقى المصير الأفضل لمجتمعاتنا.

لا ننسى أن فلسفة النهضة في أوائل القرن الماضي قد تكونت عندنا من خلال محورية فكرة الحداثة كما وضعتها فلسفة الأنوار في أوروبا قرنين قبل ذلك، وقد اتهمها البعض بكونها من خلال هذه المحورية دخيلة على حضارتنا، دخلت علينا بحد السيف عندما أناخ علينا الاستعمار الغربي بكلاكله. ولكن هذه الفلسفة بواسطة منطق التوفيق بين التراث ومعالم الحداثة الغربية لم تستطع أن تكون مبتكرة لحداثة عربية تجاوزية أصيلة بما فيه الكفاية.

إلا أن ذلك لا يعني أننا مازلنا لم ندخل عصر الحداثة كما يذهب إلى ذلك البعض من مفكرينا، بل نحن في خضم المسائل التي طرحتها الحداثة ومجتمعاتنا بشيء من التذبذب نعيش محاسنها ونتخبط في مشاكلها ولكن فكرنا مازال يحصر نفسه في المسألة نفسها التي طرحتها فلسفة النهضة. وهي مشكلة التراث والحداثة، أو الهوية والتفتح، ومازال يعيد صياغتها مرات عديدة بنفس الهم الوجداني محاولا كل مرة إيجاد سبل التوفيق بين مقومات الأنا والنفوذ المباشر للغير وذلك في شكل استعمار استيطاني، أو سياسي أو غزو ثقافي أو نفوذ اقتصادي.

لذلك لا بد من قيام نهضة عربية جديدة تعتمد على استعمال العقل والنقد علنا والتحاور والتسالم أصلا نبذا للعنف وحماية شعوبنا من الإرهاب المسلط علينا من قبل الاستعمار الجديد بواسطة بترودولار بلد عربي ذي توجه إسلامي ولكنه صغير جدا.


كاتب ومفكر تونسي

9