أزمة الكامور في تونس تختزل الضعف المتوارث للدولة

الأدوات المحدودة للحكومات المتعاقبة جعلت الاحتجاجات السبيل الأمثل لتحدي تسويفات السلطة.
الأربعاء 2021/02/17
معالجة المشاكل لا يتم بالطرق القديمة

تركت الحكومات التونسية المتعاقبة “إرثا” من الرسائل السلبية والمزايدات السياسية التي كرّست ضعف دور المؤسسات في إدارة دواليب الدولة، فضلا عن هشاشة القرار السياسي واضطرابه، مما فسح المجال للاحتجاجات والتظاهرات الشعبية المدفوعة بفكرة ضعف الدولة لتحقيق المطالب. وتتجلّى هذه الصورة أكثر وضوحا في ما يحدث في الكامور، المنطقة النفطية الواقعة في جنوب البلاد.

تونس – يدفع تراجع دور مؤسسات الدولة تبعا للصراع السياسي القائم، المحتجين في تونس، على غرار ما يحدث في منطقة الكامور في جنوب البلاد المعروفة بإنتاج النفط، إلى الاعتماد على الضغط والتصعيد لدفع السلطات إلى الرضوخ لمطالبهم.

ويرى المتابعون أن هؤلاء المحتجين يعتقدون أن الحكومة تخشى من المزايدات والشعارات المرفوعة ضدّها وستحقق لهم مطالبهم حتّى لو مارسوا العنف ضد مؤسسات الدولة وممثليها.

ونفذ عدد كبير من الأهالي والمواطنين في ولاية (محافظة) تطاوين الاثنين، وقفة احتجاجية تحت إشراف تنسيقية اعتصام الكامور أمام مقر الولاية، قبل أن يتطور الوضع ويتم اقتحامه من طرف المحتجين، ورفع المحتجون شعارات تطالب بتطبيق بنود الاتفاق كاملة، إضافة إلى إقالة الوالي (المحافظ) عادل الورغي.

وجاءت الاحتجاجات الأخيرة على خلفية ما يصفه المحتجون بـ”سياسة التسويف والمماطلة” من طرف الحكومة والمتمثلة في عدم تنفيذها للوعود التي تم الاتفاق عليها سابقا بينها وبين تنسيقية اعتصام الكامور.

عبدالعزيز القطي: ملف الكامور أصبح سياسيا بالأساس، وهناك أحزاب تحركه
عبدالعزيز القطي: ملف الكامور أصبح سياسيا بالأساس، وهناك أحزاب تحركه

ضعف هيبة الدولة

تتالت الأزمات الاجتماعية في تونس في السنوات العشر الأخيرة لتنضاف إلى المشهد السياسي الضبابي، الذي اتّسم بالتشنج، وقد وضعت المشكلات المزمنة رؤساء الحكومات المُتعاقبة أمام تحديات كبرى أبرزها التأسيس لسلم اجتماعي ووضع حدّ لحالة التشرذم السياسي.

ومنذ تسلّمه لمقاليد رئاسة الحكومة بداية سبتمبر الماضي، سعى هشام المشيشي وفريقه إلى شراء السلم الاجتماعي عبر التفاوض مع المحتجين في حقول النفط والغاز، مما مثّل معركة لي ذراع حقيقية بين مؤسسات الدولة والمحتجين. وهو نفس الأمر الذي تعرض له رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد في 2017.

ولعلّ تعثر نسق المفاوضات في أكثر من مناسبة بين الوفود الحكومية والمحتجين وضبابية القرار السياسي بين مكونات السلطة يكشفان ضعف الدولة لدى المحتجين، ما جعلهم يتمسكون بمطالبهم ويهددون بالتصعيد، الأمر الذي يشي بضعف هيبة الدولة.

ورغم تأكيد رئيس الوفد الحكومي المكلف بملف الكامور، منصف عاشور، خلال تصريح لإحدى الإذاعات المحلية الاثنين الماضي، أن “الدولة ملتزمة بتعهداتها رغم البطء والتأخير في التنفيذ لكن ليس تراجعا”، إلا أن إرساء الاتفاق على الأرض يبدو صعبا في ظل الظروف المالية الخانقة التي تعكسها الميزانية العامة.

واعتبر عاشور أن محاولة البعض غلق أنبوب ضخ النفط (الفانة) هو خرق للاتفاق، مستنكرا في ذات الوقت الرجوع إلى منطق التهديد، قائلا إن “الدولة لا تتحرك تحت الضغط واقتحام مقرات السيادة مرفوض”، رغم أن “التحركات السلمية مقبولة”.

لكن مع ذلك، سعى المسؤول الحكومي المكلف بملف الكامور إلى بث التفاؤل في نفوس المحتجين من خلال تأكيده على تعهد الحكومة بتجاوز كل الإشكاليات لإيجاد حلول نهائية وخاصة في ما يتعلق بصرف الأجور.

ويرى متابعون أن الحكومات المتعاقبة سعت إلى تحصين مواقعها في الحكم، ضاربة بقضايا الشعب عرض الحائط، ما عمّق الهوّة بينها وبين الفئات وقلص منسوب الثقة.

ويقول المحلل السياسي عبدالعزيز القطي، إن كل الحكومات المتعاقبة في تونس منذ 2011 هي حكومات محاصصة حزبية هدفها البقاء في السلطة، وقراراتها كانت ارتجالية، بل لا تملك مخططات وبرامج لمعالجة الأزمات.

وأشار في تصريح لـ”العرب” إلى أن الملفات العالقة هي عبارة عن قنابل موقوتة وكل حكومة تواجهها تريد الخروج منها بأخف الأضرار وموضوع الكامور أصبح شائكا وكأن هناك نية لعدم التدخل وتركه ورقة ضغط على المؤسسة العسكرية. وقال إن “ملف الكامور أصبح سياسيا بالأساس، نظرا لوجود أحزاب تحركه وتسعى إلى تصفية حساباتها”.

قصور المقاربات الحكومية

حاتم المليكي: المحتجون اكتشفوا أن الحل الوحيد للتفاوض هو مواجهة السلطة
حاتم المليكي: المحتجون اكتشفوا أن الحل الوحيد للتفاوض هو مواجهة السلطة

بينما ترى أطراف أن السلطة لم تتعامل كما ينبغي أمنيا مع المحتجين وفرض قوتها بتطبيق الإجراءات والقرارات، يذهب مراقبون إلى أنها أيضا لم تحترم تعهّداتها بخصوص الملفات المتوارثة من حكومة إلى أخرى. وتعاقبت على تونس تسع حكومات منذ أحداث يناير 2011 جلها تنتمي إلى أحزاب سياسية باستثناء حكومات مهدي جمعة والحبيب الصيد والمشيشي.

وفسّرت شخصيات سياسية “التعنّت” الشعبي في كل مناسبة على غرار ما يقوم به محتجو الكامور بهشاشة القرار السياسي الذي يرافقه غموض وضبابية في الإيفاء بالوعود للمحتجّين.

ويرى الباحث في العلوم السياسية محمد الصحبي الخلفاوي أنه “بغضّ النظر عن المطالب وطريقة الاحتجاج، الدولة التي تحترم نفسها هي بالضرورة تحترم تعهداتها، ومن الطبيعي إذا لم تحترم التعهدات فالشعب سيحتج”.

وقال الخلفاوي لـ”العرب”، إن “الأخطر من كل ذلك هو المواجهة بين المحتجين والجيش التونسي، ومنطق استمرارية الدولة يفترض أن يطبق الجميع تعهدات الحكومات السابقة”.

والسبب المباشر في الأزمة يتمثل، وفق الخلفاوي، في قلة خبرة من يتولون معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في علاقة بالقرارات، فخروج رئيس الحكومة ليعلن انتصارا بحل أزمة الكامور ثم يعلن تعميمه على بقية مناطق البلاد هو خطأ كبير وكان عليه أولا أن يثبّت تطبيق اتفاق الكامور.

وكغيره من المراقبين، فإن لدى الخلفاوي قناعة راسخة بأن الإدارة التونسية لا تمتلك القدرة على تطبيق القرارات دون القيادة السياسية، والسياسات المنتهجة أبعد ما يكون عن منطق الدولة.

ويضع ارتفاع وتيرة الاحتجاجات، بقطع النظر عن الصراعات الحزبية والسياسية، مدى قدرة الحكومة على مواجهة الاضطرابات الاجتماعية وامتصاص الغضب الشعبي المتنامي على المحك، خاصة مع تكثف الدعوات إلى المزيد من التحركات المطالبة بإسقاط النظام والحكومة.

وسبق أن التجأت الحكومة التونسية إلى اعتماد المقاربة الأمنية في معالجة الاحتجاجات بالجنوب التونسي، لكنها سرعان ما تراجعت عن ذلك، وسط رفض شعبي لمواجهة المحتجين بالقوة، وانتهجت مسارا تفاوضيا لحلّ الأزمة.

ومهّد بروز التنسيقيات الاجتماعية (الكامور) لتراجع دور الأحزاب والنقابات في تونس، ووضعت التنسيقيات الجهوية المحتجين في مختلف أنحاء تونس في تواصل مباشر مع السلطة، عبر التفاوض والجلوس إلى طاولة الحوار لتحقيق مطالب عديدة تتعلق بالتشغيل والتنمية.

Thumbnail

وتعاظم دور التنسيقيات مع توسّع رقعة الاحتجاجات كبديل للأحزاب والنقابات خصوصا وأن الحكومات المتعاقبة أظهرت أنها لا تستجيب للمطالب إلا بالاعتصامات والإضرابات.

ويؤكد النائب في البرلمان حاتم المليكي في تصريح لـ”العرب”، “كنا قد نبّهنا منذ مدة من هذه التداعيات، لأن الأخطاء الحكومية تخلف ذلك، والخطأ الأول هو التفاوض مع المحتجين الذي أقصى دور السلطات الجهوية”.

ولم تعط الدولة القيمة الكافية للسلطة الجهوية في الولايات، بحسب المليكي، حيث اكتشف المحتجون أن السبيل الوحيد للتفاوض أو تحقيق المطالب هو الدخول في مواجهة مباشرة مع أطراف السلطة.

وأشار النائب البرلماني إلى أن “الارتجال في اتخاذ القرارات عمق تلك الأزمة، وكان من الأجدر إجراء مفاوضات حقيقية حسب ما يتوفر للدولة من إمكانيات، فضلا عن الغياب الواضح لسند حكومي بترك المفاوض وحيدا مع المحتجين”.

وبرأي المليكي، فإن “السلطات الجهوية تحتاج إلى صلاحيات أوسع وهي قادرة على تقديم حلول وعلى الإنجاز أيضا لأنها تدرك خصوصيات كل منطقة”. وحول حقيقة اتخاذ احتجاجات الكامور لغطاء حزبي، قال “في تقديري هي فرصة لدخول أطراف سياسية، وفي كل مرة يقع فيها اضطراب يمكن للأطراف أن تستفيد منه”.

6