أزمة اللاجئين ترسّخ سياسة الجدران بين الغرب وتركيا

السياسة الجيوسياسية التصادمية والمتهورة والمغالية في الطموح ستجعل أنقرة في عزلة عاجلا أم آجلا.
الخميس 2020/10/22
التوتر الدبلوماسي يخلق أيديولوجية الجدران الأسمنتية

يدفع فشل عدد من الدول، في وقف تتدفق فيه الهجرة غير النظامية وتصاعد المد الشعبوي، إلى تشديد سياسات اللجوء ببناء المزيد من الجدران. لكن المتابع الحصيف لما يحدث بين تركيا واليونان في هذه القضية الشائكة يعي تماما أن الجميع على أعتاب مرحلة أكثر تعقيدا في العلاقات الدولية كونها ستبني جدرانا دبلوماسية تجعل تركيا معزولة عن جيرانها وحتى عن دول أخرى من العالم، تتجاوز أزمة اللاجئين التي ظلت ورقة ابتزاز بيد الرئيس رجب طيب أردوغان لتحقيق مكاسب سياسية.

سالونيك (اليونان) - تعترض معظم دول الاتحاد الأوروبي بشدّة على انضمام تركيا له، ولها تبريرات لا حصر لها في هذا الجانب تبدو للمراقبين مقنعة، ومع تزايد حدة التوترات بين الجانبين على كيفية حل مشكلة اللاجئين وطموحات أنقرة في شرق المتوسط، يبدو من الواضح أن جدرانا سياسية بدأت تتشكل على نحو غير مسبوق.

وخلال السنوات الأخيرة، زادت الدول الأوروبية من إجراءات ردع المهاجرين وطالبي اللجوء سواء في دول المعبر أو في البلدان التي يرغبون في الاستقرار فيها وخاصة تركيا. ولدى المتابعين لطبيعة العلاقة بين الطرفين قناعة بأن أولى هذه الجدران ستبنيها اليونان، والتي لم تجد أي حل دبلوماسي مع الرئيس رجب طيب أردوغان سوى المضي في خططها.

وزادت الأنشطة التركية المثيرة للجدل مثل التنقيب عن الغاز شرق المتوسط وشراء نظام الدفاع الروسي أس- 400 رغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والعملية العسكرية في سوريا التي تستهدف الأكراد، من مسافة التباعد بين تركيا والاتحاد، وأوصلت العلاقات بشأن تحديات العلاقات الأوروبية التركية، إلى مستوى قياسي من التدهور.

لكن في خطوة ستعمل على تقويض الخيط الرفيع في العلاقات المتوترة بين أنقرة ودول المتوسط، قالت الحكومة اليونانية في وقت سابق من هذا الأسبوع، إنها أنهت خططا لبناء جدار على طول حدودها الشمالية الشرقية مع تركيا، متعللة بالمخاوف من أن يسعى المهاجرون إلى تنظيم عمليات عبور جماعية إلى الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي.

ويفسر الصحافي كوستاس كانتوريس هذه العملية بأنها ستفتح مرحلة جديدة من العلاقات “السيئة” بين الجانبين، فاليونان وقبرص تمارسان ضغوطا شديدة عبر القنوات الدبلوماسية وخاصة داخل الاتحاد الأوروبي للدفع من أجل اتخاذ رد فعل أشدّ صرامة إزاء أعمال التنقيب عن الغاز الطبيعي، التي تقوم بها تركيا في مياه متنازع عليها في البحر المتوسط، وذلك بعد أن استأنفت أنقرة عمليات المسح.

الجدار اليوناني

تحدي الحدود الإقليمية يخلق حواجز نفسية وأيديولوجية بين الطرفين
تحدي الحدود الإقليمية يخلق حواجز نفسية وأيديولوجية بين الطرفين

لم تكن الجدران العازلة يوما فواصل إسمنتية فقط، بقدر ما هي حواجز نفسية وأيديولوجية تتسبب في انقطاع التيار الإنساني بين طرفي أي جدار، كما أنها تختزل الكثير من الأزمات والصراعات بين أطراف وصلت إلى طريق مسدود في ما يخص التوافق والتواصل.

وفي حالة الأزمة التركية – اليونانية يبدو أن هذا الحل هو الأنسب، فقد أعلن المتحدث الرسمي باسم الحكومة اليونانية ستيليوس بيتساس، الاثنين الماضي، عن خطط لإضافة 26 كيلومترا في السياج الموجود ويبلغ طوله 10 كيلومترات في مشروع تبلغ تكلفته 63 مليون يورو. ومن المقرر أن يكتمل في نهاية أبريل المقبل.

ويأتي هذا التحرك بعد أن سئمت أثينا تسويفات أنقرة، ولذلك جدّت مواجهات على الحدود خلال السنة الحالية بعد أن قالت تركيا إنها لن تقف في وجه المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى الاتحاد الأوروبي بعد الآن، وحاول عشرات الآلاف العبور إلى اليونان.

وهناك سوابق على مثل هكذا خطوات، ففي المجر، أحد بلدان العبور الأساسية شيدت حكومة فيكتور أوربان اليمينية في سبتمبر 2015، جدارا شائكا يبلغ ارتفاعه أربعة أمتار على حدودها مع صربيا، التي يبلغ طولها 175 كيلومترا، كما بنت جدارا مماثلا على طول حدودها مع كرواتيا.

كوستاس كانتوريس: خطوة اليونان ستفتح مرحلة من العلاقات السيئة مع تركيا
كوستاس كانتوريس: خطوة اليونان ستفتح مرحلة من العلاقات السيئة مع تركيا

وأقدمت سلوفينيا على خطوة مماثلة بإقامة أسلاك شائكة على طول 150 كيلومترا على حدودها مع كرواتيا، وطبقت النمسا نفس التوجه ببنائها لجدار على حدودها مع سلوفينيا، ونفس الخطوة أقدمت عليها دول أوروبية أخرى كمقدونيا وبلغاريا واليونان وفرنسا.

ولكن كل تلك السياسات لم تكن أبدا مضرة، بحسب المتابعين، مثلما تفعله تركيا اليوم مع اليونان، لأن الحسابات السياسية من وراء تلك الدوافع هي من تحرك التوتر بين الجارين خاصة وأن قضية الهجرة لطالما كانت ورقة ابتزاز بيد أردوغان.

وفي أعقاب زيارة رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى المنطقة الحدودية، السبت الماضي، بعد اختبار تركيب جزء من الجدار الجديد، قال مسؤولون في الشرطة لوكالة “أسوشيتيد برس”، إن الخطط تشمل نشر كاميرات مراقبة لتغطية الحدود اليونانية التركية التي يبلغ طولها 192 كيلومترا.

وبدأت الشرطة في تجريب استخدام صفارات الإنذار المحمولة عالية الطاقة بهدف ردع المهاجرين أثناء محاولتهم العبور. وقال رئيس رابطة ضباط الشرطة في منطقة الحدود اليونانية، إلياس أكيديس، إن “الكاميرات ستكون موردا حيويا طلبته القوات لمدة خمس سنوات وتعتقد أنها ستكون فعالة جدا”.

ورغم انخفاض عدد المهاجرين واللاجئين الذين يسافرون من تركيا إلى اليونان بنسق حاد في 2020 أثناء تفشي الوباء، وبعد أن أدت المواجهة الحدودية إلى تشديد إجراءات الشرطة على الحدود، اتهمت أنقرة أثينا بردّ المهاجرين الذين يصلون إلى جزرها في شرق بحر إيجة، وهي تهمة نفتها أثينا.

وتستضيف تركيا أكبر عدد من اللاجئين في جميع أنحاء العالم، ويبلغ عددهم حوالي 4 ملايين شخص. وقَدِم معظمهم من سوريا، وفقا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ويختلف البلدان بشأن حقول الطاقة في شرق المتوسط أيضا وأدى النزاع إلى حشد عسكري خطير في المنطقة ومخاوف من نشوب صراع. وفي الأسابيع الأخيرة، شهدت العلاقات بين اليونان وتركيا تصعيدا جديدا بعد إرسال أنقرة سفينة “عروج ريس” لاستكشاف الغاز إلى المياه التي تطالب بها اليونان جنوب جزيرة كاستيلوريزو اليونانية.

وكنوع من الضغط على أنقرة، وجه وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس رسالةً للمفوّض الأوروبي لسياسة الجوار ومفاوضات التوسع أوليفر فاريلي طالبا فيها النظر في احتمال تعليق اتفاق الاتحاد الجمركي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا.

جبهات متعددة

تركيا توسّع دائرة الخلاف مع جيرانها
السياسيات المتهورة أدت إلى فقدان تركيا الكثير من الشركاء الاستراتيجيين

ربما يستجيب الاتحاد لهذه الدعوة، فالمسؤولون الأوروبيون يتهمون أنقرة بعدم معالجة المخاوف الجادة بشأن هذا النزاع الدبلوماسي مع استمرار التطورات السلبية في سيادة القانون والحقوق الأساسية والسلطة القضائية داخل تركيا حتى أن مفاوضات الانضمام وصلت إلى طريق مسدود.

وفي عهد أردوغان الساعي دوما لإثارة النعرات، باتت سياسة تركيا الجيوسياسية تصادمية ومتهورة ومغالية في الطموح، وقد جرّها إصرارها على تحدي الحدود الإقليمية والتخلي عن الأعراف والقوانين الدولية والتمسك بالنزعة الأحادية غير الخاضعة للرقابة، إلى الوقوع في مستنقع التوترات في مناطق متعددة من العالم.

ولم تكتف أنقرة بذلك، بل ظلت تعمل على مغازلة الجهات الفاعلة غير الحكومية، لتصبح في عزلة مع جيرانها، وقد تؤدي بها إلى عزلة دبلوماسية غير مسبوقة، فضلا عن توبيخ حلفائها لها مثل الولايات المتحدة وروسيا على ما تقوم به من إثارة للقلاقل.

ويعتقد الكثير من المحللين أن السياسيات المتهورة أدت إلى فقدان تركيا الكثير من الشركاء الاستراتيجيين، إضافة إلى تزايد خصومها الجيوسياسيين وهي تضيف اليوم أعداء جددا كانوا إلى وقت قريب حلفاء لها، وهنا الإشارة إلى اليونان، التي تفصل بينهما حدود بطول يبلغ أكثر من مئتي كيلومتر، منها 13 كيلومترا هي حدود برية، والباقي يشكلها نهر ميريج الذي ينبع من بلغاريا ويصب في بحر إيجة مرورا باليونان وتركيا.

وقد جذب النزاع بين أذربيجان وأرمينيا في إقليم ناغورني قره باغ، تركيا، التي ألقت بثقلها السياسي والدبلوماسي وراء باكو، الدولة التي يهيمن عليها الأتراك، والتي تستفيد من الطائرات دون طيار تركية الصنع في الصراع الدائر.

كما أرسلت أنقرة مرتزقة سوريين للقتال إلى الجانب الأذري لقلب الموازين ضد عدوها اللدود أرمينيا، رغم نفيها ذلك. وربما قد أثار هذا التصعيد حفيظة روسيا، فهي ليست مجرد وسيط إقليمي تقليدي قوي، ولكنها أيضا تحافظ على الاتفاقية الأمنية التي أبرمتها مع أرمينيا.

ففي العاشر من أكتوبر الجاري، توسطت روسيا في وقف إطلاق نار ضعيف استمر أقل من 24 ساعة وبعد ذلك بوقت قصير، أصدرت تركيا بيانا دعت فيه أرمينيا إلى الانسحاب الكامل من قره باغ كشرط مسبق لمحادثات السلام.

6