أزمة اللاجئين تشعل حرب تصريحات بين اليمين الفرنسي والحكومة الألمانية

الثلاثاء 2015/09/22
السياسيون يستغلون أزمة اللاجئين لتوظيفها في شكل خطاب يخدم أهدافهم

برلين- من الطبيعي أن يستغل السياسيون كل الأزمات التي تحيط بهم لإعادة صياغتها في شكل خطاب يوظف لصالح الأهداف التي يرسمونها. والأمر جلي بالنسبة لما يحدث في أوروبا منذ فترة، بعد أن تدفق ملايين اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين إلى العديد من الدول التابعة للاتحاد بحثا عن ملجأ أو فرصة عمل لإعادة الحياة.

ولا يمكن أن يفكك المشهد برمته دون التعرض لمواقف التيارات السياسية التي تتصدر المشهد في أوروبا بمختلف توجهاتها وآرائها، وذلك للتمكن من التعرف على واقع اللاجئين وربما التنبؤ بمستقبلهم.

لم يترك اليمين الأوروبي المعروف بعدائه للمهاجرين منذ تأسيسه مأساة اللاجئين تمر مرور الكرام، وقد ظهر ذلك في الخطاب اليميني المتطرف الذي ظهر في العديد من وسائل الإعلام خاصة تلك التابعة لحزب الجبهة الوطنية اليميني الفرنسي الذي يقوم بحملة واسعة من أجل إيقاف العمل باتفاقية شنغن الأوروبية وإيقاف تدفق المهاجرين على القارة العجوز. وقد صرحت مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة قائلة إنه “على الأوروبيين رفض استقبال اللاجئين وأما عن ألمانيا فهي تريد استغلالهم”. هذا التصريح استفز وزيرة الدفاع الألمانية أورزولا فون ديرلاين التي دافعت عن خيارات بلادها مؤكدة أن ألمانيا “بلد التسامح واستقبال كل الثقافات وأن اللاجئين سوف يسدون فراغا ديمغرافيا يعصف بألمانيا”، مؤكدة أن كلمة “استعباد” ليست سوى كلمة ذات شحنة قوية لتمكين الخطاب اليميني من الرواج بأكثر قوة لأغراض سياسية.

ألمانيا تستقبل اللاجئين لاستعبادهم واستغلالهم

مارين لوبان: محامية فرنسية وابنة مؤسس الجبهة الوطنية جون ماري لوبان انتخبت سنة 2004 عضوا في البرلمان الفرنسي وأعيد انتخابها سنة 2009 وتترأس الجبهة الوطنية منذ 2011

اتهمت رئيسة حزب الجبهة الوطنية اليميني مارين لوبان ألمانيا باستغلال اللاجئين و”استعبادهم” من خلال فتح الحدود أمامهم ودخولهم بالآلاف “ليكونوا أيدي عاملة رخيصة في بلد يتطلع باستمرار إلى أن يكون أكبر اقتصاد بأوروبا” حسب قول لوبان. وأضافت رئيسة حزب الجبهة الوطنية اليميني الفرنسي أن “ألمانيا التي تعاني انكماشا في نموها السكاني وتتطلع لتوفير يد عاملة رخيصة للاستمرار في ازدهارها الاقتصادي وإلى أن تعيد العبودية من خلال استغلال اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط هربا من الحروب والاضطهاد”.

جاء ذلك في كلمة ألقتها لوبان أمام أنصار حزبها في مدينة مرسيليا (جنوب فرنسا) وهي المدينة التي تعد بوابة شمال أفريقيا إلى فرنسا. ويرى مراقبون أن لوبان من خلال موقفها من اللاجئين والهجرة تستطيع أن تكسب الكثير من المناصرين، خاصة أنها تعد نفسها لخوض انتخابات الرئاسة الفرنسية المقررة عام 2017. وتقول لوبان في هذا السياق إنها سوف “تعيد فرنسا للفرنسيين” مؤكدة أن الحزب الاشتراكي الحاكم الآن خاضع إلى ضغوط ألمانية وأميركية.

وقالت مارين لوبان إن استطلاعات عديدة للرأي تكشف أن غالبية الشعب الفرنسي يعارض تخفيف القواعد للحصول على صفة لاجئ، (وهي تشير إلى استطلاع أجرته مؤسسة أودوكسا لسبر الآراء). وتأتي النتائج بعد يوم من نزول آلاف الفرنسيين إلى الشوارع للتعبير عن تضامنهم مع الذين يسعون للجوء في أوروبا. حيث عارض 55 بالمئة من 1000 شخص شملهم الاستطلاع تخفيف الضغوط على طالبي اللجوء من المهاجرين، ومن بينهم السوريون الذين يهربون من الحرب. ورأى 33 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع أن فرنسا أقل ترحيبا بلاجئي الحرب من ألمانيا التي فتحت أبوابها لعدة مئات من الآلاف من المهاجرين في الأشهر الأخيرة، بينما يعتقد 44 بالمئة أن فرنسا ترحب بالمهاجرين مثلها مثل ألمانيا.

وقالت مارين لوبان، المعروفة بمعارضتها للهجرة، لمؤيديها في مرسيليا، وهي وجهة رئيسية للمهاجرين من شمال أفريقيا “ربما تظن ألمانيا أن سكانها يشرفون على الهلاك، وربما تكون تسعى إلى إعطاء أجور متدنية، لذا فإنها تواصل جلب العبيد من خلال الهجرة الجماعية”.

ألمانيا تعاني انكماشا في نموها السكاني وتتطلع لتوفير يد عاملة رخيصة وتسعى إلى أن تعيد العبودية من خلال استغلال اللاجئين

وطالبت مارين لوبان، بإغلاق الحدود التي تجمع بلادها مع ألمانيا، والتوقيف المؤقت لأحد أهم بنود اتفاقية شنغن التي تتيح تنقل الأفراد بكل حرية بين تراب دول الاتحاد الأوروبي، وذلك لغرض لإيقاف مد اللّاجئين القادمين من سوريا والعراق. وأضافت زعيمة الحزب اليميني المتطرف في بيان أن فرنسا مدعوة إلى اتخاذ إجراء مشابه لذلك الذي اتخذته ألمانيا على حدودها مع النمسا.

وتابعت لوبان أن الحكومة الفرنسية وضعت نفسها في “موقع صعب لمجرد تشبهها بالآخرين، عندما قررت أن يتحمل الفرنسيون ثقل المهاجرين الذين جلبتهم ألمانيا إلى أوروبا، ثم لم تعد راغبة في استقبالهم”، مشددة على ضرورة توقيف فرنسا لبنود اتفاقية شينغن كي تتجنب وصول أعداد كبيرة من اللاجئين الذين لا ترغب في استضافتهم.

وأكدت مارين لوبان أن “الانسيابية التاريخية للثقافة الأوروبية وخاصة الفرنسية سوف تجد إشكالات من هنا فصاعدا في أن تروج بين أبناء الأوروبيين”، وأضافت أن الشكل الذي قامت عليه أوروبا من قيم العلمانية والعقلانية والحريات “سوف يصبح مهددا نظرا لقدوم ثقافات متباينة مع الثقافة الغربية”. وحملت لوبان المسؤولية للقيادة السياسية في ألمانيا قائلة إن “الذي تقدم عليه ميركل الآن ليس سوى تهديد للكيانات الحضارية الأوروبية برمتها”، مؤكدة أنها ترفض تماما السياسة التي تنتهجها ألمانيا وبعض الدول الأخرى في إغراء المهاجرين غير الشرعيين في القدوم إلى أوروبا معقبة “نحن لا نتحمل وزر خطط الآخرين في تحريك اقتصاداتهم”.

ألمانيا بلد التسامح وقبولها للمهاجرين مساعدة لهم

أورزولا فون ديرلاين: طبيبة نساء وخريجة جامعة هانوفر سنة 1987 انضمت إلى الحزب الديمقراطي المسيحي سنة 1990 وعينت سنة 2005 وزيرة للمرأة قبل أن تصبح وزيرة دفاع سنة 2013

أعربت وزيرة الدفاع الألمانية أورزولا فون ديرلاين عن قناعتها بأن الألمان سيقيمون وصول اللاجئين إلى بلدهم بعد مرور 20 عاما بإيجابية، وفندت ما صرحت به زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسية مارين لوبان قائلة “إن منتقدي الرؤية الألمانية تجاه أزمة اللاجئين لا ينظرون إلى المستقبل بأي حال من الأحوال”.

وقالت فون دير لاين في تصريح صحفي لها في برلين خلال مؤتمر لجمعية “ألفريد هيرهاوزن” حول موضوع “العالم يضطرب – البحث عن ثوابت جديدة” إنه حتى يصبح وصول الباحثين عن الحماية القادمين من مناطق تعاني من أزمات في العالم إثراء للمجتمع الألماني الذي يعاني من الشيخوخة، يتعين أن يكون من الواضح أن “قواعدنا تسري على الجميع في إطار تعايشنا المشترك هنا”. وفي إشارة إلى دول أوروبية أخرى قالت فون دير لاين إن اللاجئين لديهم الحق في معاملة إنسانية في كل دولة أوروبية، وأشارت إلى أن “القوى التي تريد أن تستغل الأزمة الإنسانية لصالح أهداف سياسية لا يمكن لها أن تنجح في ما تقوم به”.

وردا على سؤال حول كيفية مكافحة أسباب هروب الملايين من السوريين، قالت الوزيرة إنه لا يمكن حل النزاع السوري عسكريا، مؤكدة على ضرورة أن يكون هناك توافق سياسي على مستوى الأمم المتحدة. وذكرت فون دير لاين أن من يريد التعامل مع النزاع السوري دون هذا الشرط فإنه يصبح مهددا بالسحق بين أطراف الحرب المختلفة.

وأعلنت فون دير لاين للصحفيين بعد رفض محاوريها الأوروبيين القبول بنسب إلزامية، أن أزمة الهجرة “قد تكون أكبر تحد في تاريخ الاتحاد الأوروبي” داعية إلى “الوحدة الأوروبية” لمواجهتها. وقال مراقبون إن هذه الدعوة تستبطن ردا على مطالب مارين لوبان بغلق الحدود وتعليق الاتفاقية الأوروبية شنغن في المرور الحر دون جوازات سفر. وأضافت وزيرة الدفاع قائلة “أننا متحدون في وصفنا للوضع، ويجب أن نكون متحدين في القول إن مثل هذا التحدي لا يمكن لدولة وحدها أن تواجهه، إننا في حاجة إلى تضامن أوروبي”. وقالت الوزيرة إن الدور الفرنسي في هذا الإطار دور مهم جدا “ويجب أن يبقى محوريا لأن أوروبا تمر بأزمة إنسانية وأخلاقية ومادية صعبة، ولا مجال لاستغلال الأزمة لتحقيق أهداف داخلية على حساب أوروبا”.

وردت وزيرة الدفاع الألمانية على تصريحات مارين لوبان نافية أن لدى ألمانيا نية استعباد اللاجئين، وأعادت سبب استقبال ألمانيا للمهاجرين إلى حاجة المجتمع إلى العمالة المهاجرة بسبب التطور الديموغرافي، قائلة إنه “إضافة إلى ذلك هناك التزام نابع من تاريخ ألمانيا يفرض عليها التسامح والانفتاح. وأضافت “يتعين علينا أن نستقدم القوى العاملة المحترفة”. وذكرت فون دير لاين أنه يتعين أن تكون ألمانيا مكانا لتلاقي الثقافات.

سبب استقبال ألمانيا للمهاجرين هو حاجة المجتمع إلى العمالة بسبب التطور الديموغرافي وقبل ذلك بسبب تسامح ألمانيا وحبها للتنوع

وتقول الوزيرة إن ألمانيا تشهد تدفق المزيد من اللاجئين إليها والكثير منهم يتقن مهنة أو حاصل على شهادة جامعية. وترى أن هؤلاء اللاجئين يشكلون “إمكانات كبيرة”، فكل لاجئ من أصل خمسة لاجئين حاصل على شهادة جامعية، وكل لاجئ من أصل ثلاثة لاجئين له تأهيل مهني يعادل مستوى مهارة العمالة الألمانية. وقالت الوزيرة “نطالب بضرورة تقديم تصاريح عمل لكل اللاجئين في ألمانيا فورا فإذا حصل اللاجئون على عمل فيمكنهم الاندماج بسرعة ويمكن للمجتمع أن يتقبلهم بسرعة أيضا”. ويعتبر أن بقاء اللاجئ لفترة قصيرة في ألمانيا والعمل فيها أمر مفيد لخزينة الدولة وللاجئ أيضا.

وتطالب أورزولا فون دير لاين أيضا بضرورة تبسيط قوانين الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية لطالبي اللجوء وإسكان اللاجئين في مناطق تحتاج إلى يد عاملة، لأن معظم الوظائف الشاغرة في حاجة إلى ذوي المهارات المناسبة لها.

الرأي العام الألماني ينقسم بين مؤيد ومعارض لسياسة ميركل مع اللاجئين

برلين- أظهر استطلاع حديث للرأي أن أغلب المواطنين الألمان يؤيدون إعادة فرض رقابة على حدود بعض الدول في أوروبا بسبب تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين، وأوضح الاستطلاع الذي أجراه معهد “يوجوف” لقياس مؤشرات الرأي أن 51 بالمئة من الألمان الذين خضعوا للاستطلاع أيدوا “بشكل تام” فرض رقابة على الحدود في بعض الدول في أوروبا، من بينها الحدود الألمانية. وأضاف الاستطلاع أن 27 بالمئة منهم اعتبروا الرقابة على الحدود إجراء “مناسبا نوعا ما”.

وفي المقابل رفض 11 بالمئة ممن خضعوا للاستطلاع الرقابة على الحدود “بشكل تام” ورفضها 5 بالمئة منهم “إلى حد ما”. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الاستطلاع شمل إجمالي 1108 أشخاص، تم جمع بياناتهم في الفترة بين 14 و18 سبتمبر الجاري. ولكن الاستطلاع أظهر في الوقت ذاته عدم ثقة كبيرة من جانب المواطنين الألمان في مدى فعالية فرض الرقابة على الحدود.

اليمينيون اختاروا عمدا التظاهر أمام محطة ميونيخ للقطارات لاستقبال اللاجئين بشعارات عنصرية

واعتبر 20 بالمئة فقط ممن خضعوا للاستطلاع أن فرض رقابة على الحدود يعد إجراء “مناسبا جدا” للحد من عدد اللاجئين القادمين إلى ألمانيا. وفي المقابل أوضح 35 بالمئة أن هذه الرقابة تتناسب مع هذا الغرض إلى حد ما، وأعرب 28 بالمئة ممن خضعوا للاستطلاع عن قدر قليل من الثقة في فعالية هذه الرقابة، وأوضح 11 بالمئة منهم أن هذه الرقابة تعد “غير مناسبة على الإطلاق”.

وفي سياق الرفض العام الذي بدأ يتبناه الشارع الألماني لقبول أعداد أخرى من اللاجئين، تظاهر متطرفون يمينيون ومناصرو حزب “اليمين” الألماني أمام المحطة الرئيسية بمدينة ميونيخ ضد سياسة استقبال اللاجئين في البلاد.

وأعلن المتظاهرون احتجاجهم من خلال شعارات “ألمانيا للألمان” التي تعارض التوجهات السياسية للحكومة التي ترأسها المستشارة أنغيلا ميركل في هذا الصدد. وقال متحدث باسم الشرطة إن عدد المتطرفين اليمينيين الذين نظموا هذه الوقفة يقدر بالعشرات وكان في مواجهتهم مناهضون للتوجهات اليمينية المتطرفة بلغ عددهم حوالي 200 شخص.

وشارك في مراقبة الوضع بين الجانبين حوالي 100 شرطي، حيث رفع اليمينيون شعارا يقول “لا مرحبا بالمتقدمين بطلبات اللجوء”، واختاروا عمدا المحطة الرئيسية التي يصل إليها طالبو اللجوء والمهاجرون غير النظاميين. واستخدم المعارضون لليمنيين أصوات الصفارات الجماعية للتغطية على كلماتهم العنصرية ورفعوا شعارات مثل “ليخرج النازيون” و”أغلقوا حناجركم”.

وقد سبق وأن وصلت الاعتداءات العنصرية على اللاجئين إلى حرق العديد من البيوت التي تأويهم، وآخر هذه الأعمال كان في مقر مخطط تخصيصه لإقامــة لاجئين في مدينة فرتهايم بولاية بادن فورتمبرج الألمانية، وذلك وفقا لبيانات الشرطة ومجلس المدينة.

وتم نقل اثنين من سكان منزل قديم مجاور للنزل إلى المستشفى بسبب الاشتباه في الإصابة بتسمم غاز المداخن. وأضافت الشرطة أن الصالة الرياضية التي كان سيتم استخدامها كنزل لاجئين، أصبحت حاليا مهددة بخطر الانهيار ولم يعد يمكن استخدامها.

12