أزمة المؤسسات تثير توجّس الجزائريين

تساؤلات حول شرعية محاكمة الجنرالات الخمسة الموقوفين، والحزب الحاكم يتجه لرفع الغطاء السياسي عن رئيس البرلمان.
الثلاثاء 2018/10/16
الجزائريون آخر من يعلم

الجزائر - تسود الشارع الجزائري حالة من الذهول والصدمة في ظل غياب ردود فعل واضحة من الطبقة السياسية والمؤسسات الرسمية في البلاد، حول التطورات الأخيرة التي أفضت إلى إحالة خمسة من كبار جنرالات المؤسسة العسكرية، على السجن الاحتياطي لاستكمال التحقيق معهم، بتهم الثراء غير المشروع واستغلال وظيفة سامية التي وجّهت لهم.

واستقبل الشارع الجزائري بذهول شديد، قرار قاضي التحقيق في المحكمة العسكرية بالبليدة، القاضي بإحالة خمسة من جنرالات المؤسسة العسكرية على السجن الاحتياطي، بغية استكمال التحقيق معهم في ملف الثراء غير المشروع واستغلال وظيفة سامية، وهو القرار الذي عادة ما يتخذ من طرف القضاة عند ثبوت التهم على أصحابها.

وفيما رحّب ناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي، بإخضاع جميع المسؤولين لسلطة القانون وبجهود محاربة الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة، حذّر آخرون من مغبة الانحراف لتصفية الحسابات الشخصية والضيقة بين أركان النظام، ومن ارتدادات محتملة للتطورات الأخيرة على استقرار البلاد وتماسك المؤسسة العسكرية.

وكشفت تسريبات صدرت الاثنين، عن أنه تم استدعاء مدير الأمن السابق الجنرال عبدالغني هامل من طرف قاضي التحقيق في محكمة البليدة العسكرية، للاستماع إليه بدوره في تهم مماثلة.

وتمت إقالة بن هامل في مطلع شهر يونيو الماضي بعد انفجار فضيحة شحنة الكوكايين الضخمة المحجوزة في نهاية شهر مايو الماضي في ميناء وهران بغرب البلاد. إلا أن المصدر الإعلامي الذي تعوّد على نقل أخبار المؤسسة العسكرية، لم يرد عنه أي شيء في هذا السياق، ويبقى مصير بن هامل مجهولا، رغم الجدل الذي يحيط به، وما يثار حوله من ممارسات فساد طالت عائلته ومقربيه، وهو ما كلّف شقيقه وأحد أصهاره التنحية من منصبهما بعد سقوط الرجل القوي.

محاكمة الجنرالات غير شرعية لأن القانون العسكري يمنع محاكمة أي ضابط داخل الناحية العسكرية التي كان يشتغل فيها

وتحوز قناة النهار الفضائية الخاصة، المقربة من رئاسة الجمهورية، على حصرية الأخبار المتعلقة بالحراك الدائر في هرم السلطة، في حين تتخلّف القنوات الرسمية المملوكة للدولة على غرار وكالة الأنباء الرسمية ومؤسستي الإذاعة والتلفزيون، عن الانفراد بمثل هذا الأنباء التي لم تتأكد ولم تنف من طرف أي بيان رسمي من رئاسة الجمهورية أو وزارة الدفاع الوطني. وأشار مصدر أمني رفض الكشف عن هويته لـ”العرب”، إلى أن المحاكمة التي أقيمت للجنرالات الخمسة يلفها الغموض وعدم الشرعية، لأن القانون العسكري يمنع محاكمة أي ضابط داخل الناحية العسكرية التي كان يشتغل فيها، وأن قائد الناحية العسكرية الأولى حبيب شنتوف، وقائد الدرك الوطني وحتى مدير المالية في وزارة الدفاع الوطني، يقعون تحت وصاية الناحية العسكرية الأولى (البليدة).

ولفت إلى أن الجنرال حبيب شنتوف كان إلى غاية قرار إقالته يقود الناحية العسكرية الأولى، وقائد جهاز الدرك الوطني يتبع لنفس الناحية، والأمر نفسه بالنسبة لمدير المالية في الوزارة الوصية الجنرال بوجمعة بودواور، وهو ما يعني أن إحالتهم على المحكمة العسكرية بالبليدة فيه خرق للقانون.

وكان الجنرال عبدالقادر آيتا وعرابي (حسان)، الذي كان يقود دائرة محاربة الإرهاب في جهاز الاستخبارات السابق، قد تمت محاكمته في قضاء الناحية العسكرية الثانية (وهران)، وليس في الناحية العسكرية الأولى (البليدة) التي كان يتبع إليها، وذلك في عام 2015 لأسباب انضباطية.

وخيّمت نهار الاثنين حالة من الغموض الشديد، على الوضع الحقيقي للضباط الذين تمت تنحيتهم في حركة التغييرات الأخيرة، ولم يتضح مصدر السلطة التي اتخذت قرار الإحالة على التحقيق، ثم الأمر بالسجن الاحتياطي، الذي شكل صدمة كونه قرارا غير مسبوق في مسار المؤسسة العسكرية، ويمثل إدانة أخلاقية لها، قياسا بحجم الثقة والوقار الذي يحمله إجماع الجزائريين على مؤسسة الجيش. وبالموازاة مع ذلك تستمر حالة الاستقطاب الحاد في البرلمان الجزائري، بسبب الأزمة التي دخلت أسبوعها الثالث بين رئيسه سعيد بوحجة، والكتل النيابية الداعية لتنحيته. ففيما يصر بوحجة على البقاء في منصبه رغم خفض درجة الحماية الأمنية له، والتي قابلها بجولة حوارية في الشوارع والأحياء القريبة من مبنى البرلمان للتأكيد على شعبيته وعدم خوفه من الشارع، عكسَ المسؤولين الآخرين في الدولة، هدد خصومه بتنظيم وقفة أمام مدخل الهيئة لمنعه من الالتحاق بمنصبه.

وبينما كان مقررا استقباله لوفد طلابي في المدرسة الوطنية لمختلف الأسلحة بشرشال (مدرسة عسكرية لتخريج الضباط) تم إلغاء النشاط، وهي الخطوة التي اعتبرها ملاحظون نأيا بالنفس من طرف قيادة المؤسسة العسكرية، وعدم جهر بموقفها المؤيد له في صراعه مع خصومه من نواب الأغلبية البرلمانية.

واستدعت قيادة حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، مساء الاثنين، مكتبها السياسي للاجتماع في مقر الحزب بضاحية حيدرة في العاصمة، لبحث التطورات الأخيرة في أزمة البرلمان.

ولا يستبعد أن يتم اللجوء لرفع الغطاء السياسي عن سعيد بوحجة من أجل إرغامه على التنحية، رغم ما تنطوي عليه الخطوة من تداعيات على الحزب نفسه وعلى المؤسسة، لأنه يعتبر أقدم مناضل في جبهة التحرير.

4