أزمة المصارف تعكس ضعف كفاءة النظام المالي التونسي

فجر تقرير للبنك الأفريقي للتنمية حول القطاع المالي في تونس جدلا واسعا في الأوساط الاقتصادية، التي انتقدت تراخي الحكومة في تحديد خارطة طريق لإعادة إحياء المنظومة المصرفية، رغم إقرار البرلمان قانون البنوك والمؤسسات المالية قبل أشهر.
الأربعاء 2016/10/19
تطوير القطاع لا يتم بالطرق التقليدية

تونس - أكدت أوساط اقتصادية أن القطاع المالي والمصرفي التونسي يتميز بتنافس غير كاف وبنقص في الحوكمة حتى أنها وصفته بالصندوق الأسود للفساد، وهو ما جعله أحد العوائق الكبيرة أمام عودة عجلة النمو إلى الدوران في البلاد بالشكل المطلوب.

وجاء آخر تقارير البنك الأفريقي للتنمية حول الوضع المالي في تونس صادما قياسا بدول شمال أفريقيا الأخرى، حيث حذر من ضعف كفاءة القطاع باعتباره لا يزال مجزئا ويخضع لسيطرة الدولة ما حوله إلى عائق كبير أمام انتعاش الاقتصاد.

ويقول خبراء البنك في تقرير بعنوان “الاستجابة الجماعية لأولويات البنك الأفريقي للتنمية لتحويل شمال أفريقيا”، إن نسبة الموارد الذاتية للنظام المصرفي التونسي قدرت خلال مارس 2015 بنحو 9.5 بالمئة، أي دون الحد الأدنى المسموح به، وهي 10 بالمئة.

وأرجع البنك الأفريقي ذلك الخلل إلى ضآلة حجم الموارد الذاتية للمصارف الحكومية والتي لا تتجاوز نحو 3.5 بالمئة.

وتواجه ثلاثة مصارف حكومية، وهي الشركة التونسية للبنك (أس.تي.بي) والبنك الوطني الفلاحي (بي.أن.أيه) وبنك الإسكان (بي.أتش)، مشكلات مالية كبيرة بسبب ارتفاع الديون المسجلة أو المشكوك في استرجاعها. ولا توجد إحصائيات رسمية حول وضعيتها الحالية.

البنك الأفريقي للتنمية: ضعف كفاءة القطاع يعود إلى كونه لا يزال مجزأ ويخضع لسيطرة الدولة

وأكد لوران غوني، الخبير المالي في البنك الدولي، في وقت سابق، أن عملية التدقيق في عمل البنوك الحكومية تمثل بداية مسار إصلاح القطاع، مشيرا إلى أنها ستوفر قرابة 8.9 مليار دولار سيتم ضخها في الاقتصاد التونسي على مدى السنوات العشر القادمة.

وهذه المصارف ليست وحدها من تعاني من مشكلات مالية، بل حتى المصارف الخاصة، التي يتجاوز عددها العشرين مصرفا، وهي ثلاثة أضعاف مثيلاتها في المغرب، تمر بأزمة، لكنها لا تقارن بأزمة المصارف التي تساهم فيها الدولة.

ويؤكد الخبراء أن سوء الحوكمة في القطاع المصرفي نتجت عنه مراقبة غير ملائمة للمخاطر وتوزيع غير ناجع لمحافظ القروض فضلا عن النسب العالية للديون غير المستخلصة، والتي بلغـت العـام المـاضي نحو 16 بالمئة، مقارنة ببلدان منطقة شمال أفريقيا.

وكانت الحكومة السابقة قد أمرت، في يونيو الماضي، بفتح تحقيق عن طريق هيئة الرقابة المالية والإدارية ضد بنك مهدد بالإفلاس، لم تكشف عن اسمه، على إثر تكبده خسائر تقارب ألف مليون دينار (456 مليون دولار) بعد دخوله في نزاع مع مؤسسة مالية خارجية.

وفي ضوء ذلك، يعتبر المراقبون أن القطاع يحتاج إلى إصلاح جذري وعميق لقطع الطريق أمام تلاعب قد يحصل في المستقبل في الأموال والحسابات، وفي الوقت نفسه الارتقاء به باعتباره يمثل أحد القطاعات الإستراتيجية للبلاد.

وكشف التقرير أن القطاع غير المصرفي لا يزال متخلفا وأن أسواق الأوراق المالية لرؤوس الأموال تبقى متواضعة، إذ لا تتجاوز رسملة البورصة نسبة 24 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 76 بالمئة في المغرب.

وقدم التقرير الوضعية الاقتصادية في شمال أفريقيا بالاعتماد على خمس أولويات ضبطها خبراء البنك، وتتمثل في التصنيع والطاقة والاندماج الإقليمي في مجال البنية التحتية والفلاحة وتحسين مستوى العيش في الجزائر ومصر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس.

البنك الدولي: إصلاح القطاع سيوفر 8.9 مليار دولار على مدى السنوات العشر القادمة

ويقدر خبراء ديون التونسيين للمصارف بـنسبة 56 بالمئة، وهو مؤشر عال يتجاوز الحدود المعيارية المعمول بها، الأمر الذي يشكل وضعية معقدة لها العديد من الانعكاسات على التوازنات الاقتصادية عموما وعلى نسق نشاط الجهاز المالي والبنكي على وجه التحديد. وحصلت تونس على قرض من البنك الأفريقي للتنمية، الشهر الماضي، لتطوير القطاع المالي لسنتي 2016 و2017 بقيمة 287.6 مليون دولار. ويندرج برنامج تطوير القطاع في إطار معاضدة جهود الحكومة في مجال دعم الإصلاحات المالية وتأمين تمويل ملائم ومستمر لاحتياجات الاقتصاد المحلي خلال الخماسية المقبلة.

وأكد إياد الدهماني، الوزير المكلف بالعلاقات مع مجلس نواب الشعب، حينها أن الحكومة اضطرت للحصول على القرض حتى تتمكن من سد العجز الحاصل على مستوى الموازنة، والذي من المتوقع أن يتجاوز 2.67 مليار دولار.

وصادق البرلمان التونسي، في يونيو الماضي، على تعديل قانون البنوك والمؤسسات المالية والبنك المركزي التونسي، وذلك في إطار إعادة هيكلة القطاع ورفع كفاءته بما يتوافق مع التطورات العالمية والاقتصادية المحلية.

ويأتي القانون ضمن سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت في اتخاذها الدولة عبر تصفية القطاع البنكي في مرحلة أولى لضمان خط ائتماني من صندوق النقد الدولي بهدف تحفيز النمو وإعادة عجلة الاستثمار للدوران والتقليل من معدلات البطالة المرتفعة.

وكان صندوق النقد قد خفض توقعاته لنمو الاقتصاد التونسي إلى 1.5 بالمئة هذا العام، بدلا من توقعات سابقة قدرها بنحو 2 بالمئة، بينما تتوقع الحكومة التونسية تحسن معدلات النمو إلى 2.5 بالمئة العام المقبل.

10