أزمة المواصلات في الخرطوم.. "يا ماشي لبيتك، شيل معك نفرين"

شبان المبادرة في الخرطوم يعملون على توفير النقل لركاب ينتظرون لساعات من خلال إقناع سائقي الحافلات والمركبات الخاصة على تغيير وجهاتهم.
الجمعة 2019/11/15
محنة لا تنتهي

الخرطوم- “يا ماشي لبيتك، شيل معك نفرين!” هتاف تصدح به حناجر شباب يعترضون سير مركبات خصوصية في شوارع الخرطوم لإقناع سائقيها بضرورة أن يقلّوا معهم -مجّانا- ركّابا ينتظرون منذ ساعات وسيلة نقل في ظلّ أزمة مواصلات خانقة تعاني منها العاصمة السودانية.

وتفاقمت أزمة المواصلات في الآونة الأخيرة بسبب عوامل عدّة أبرزها تهالك حافلات النقل العام، وأغلبها مملوك لأفراد، وخروج قسم منها من الخدمة جرّاء ارتفاع أسعار قطع الغيار -إن وُجدت- وشحّ الوقود ورداءة الطرق وتدهور سعر العملة.

قبالة مسجد بحري الكبير في الخرطوم، يقف الحاج أبوأحمد وسط المئات من الركاب ينتظر وسيلة نقل تنهي ساعات انتظاره الطويلة للعودة إلى منزله في أمّ درمان.

يقول السبعيني ذو اللحية القصيرة البيضاء بلون عباءته وعمامته، “أنتظر منذ ساعتين! مرّت حافلات كثيرة لكنّني لم أستطع ركوب أيّ منها لأنّني مسنّ لا أقوى على الركض أو التدافع ولا أملك المال لأستقلّ سيارة أجرة أو حتى توك توك”.

أمامه، وسط طريق تملأها الحفر وعلى جانبيها طبقة كثيفة من الرمال، يقف شبّان يردّدون هتافات بينها “أُقسِم، أُقسم، أُقسم… هنجيب عربات عربات… عربات وكمان روزات (باصات)”.

هؤلاء هم “شبّان المبادرة” الذين كانوا جزءا من ثورة جمعت ملايين السودانيين ضدّ حكم الرئيس عمر البشير قبل أن يطيح به الجيش في أبريل. وكانت المواصلات واحدة من الأزمات التي أطلقت شرارة الانتفاضة الشعبية. ويقول أحدهم ويدعى حسن سيف الدين (27 عاماً) “أطلقنا هذه المبادرة لكي نساعد الناس على العودة إلى بيوتهم”.

تفاقمت أزمة المواصلات في السودان بسبب عوامل عدّة أبرزها تهالك حافلات النقل العام
تفاقمت أزمة المواصلات في السودان بسبب عوامل عدّة أبرزها تهالك حافلات النقل العام

ويضيف وقد توقفت أمامه شاحنة صغيرة بيضاء أقلّت في مقطورتها أكثر من عشرة ركاب “نطلق هتافات مثل: ‘يا ماشي لبيتك، شيل معك غيرك، إرفع معك أمك، وصّل معك أختك!’. هناك سائقون يتجاوبون معنا. نحن نعطي الأولوية للنساء والأطفال والعجزة”.

وأحيانا يستبق السائق محاولة استيقافه من بعيد مشيرا بسبابته نحو الأسفل، ما يعني أن المكان الذي يقصده قريب، فيكمل سيره دون توقف، بينما يتوقف آخرون بكل طيبة خاطر، مرحبين بالمبادرة وبركابهم.

وتبدأ الذروة المسائية في الخرطوم في الرابعة بعد الظهر مع انتهاء دوام الموظفين والطلاب وتستمرّ أحياناً إلى غاية الثامنة مساء. وزاد من حدّة الأزمة الفارق الشاسع بين السعر البخس لتذكرة الحافلة المحدّد قانوناً (5 جنيهات أي أقلّ من 10 سنتات) والتسعيرة التي يحدّدها سائقو سيارات الأجرة على مزاجهم في غياب عدّادات أو تعريفة محدّدة.

وفي بلد يقلّ فيه معدّل الدخل الفردي اليومي عن دولارين، أصبح ركوب سيارة الأجرة ترفاً بالنسبة إلى الطبقة الكادحة.

وفيما تلُوح من بعيد حافلة كبيرة زرقاء فارغة يندفع العشرات باتجاهها، تبقى سحر رمضان، الثلاثينية التي تحمل على كتفها رضيعتها، في مكانها، فهي تعلم أنّ لا حظّ لها في الظفر بمقعد.

وتضطر الحافلة إلى التوقّف في وسط التقاطع مع تدافع الركاب نحوها، ولا تنفع كلّ محاولات شرطي المرور ببزّته الكحلية وصافرته التي تصمّ الآذان لجعل الركّاب يتريثون.

أقلّ من دقيقة، ويتكدّس الركّاب في الحافلة جلوساً ووقوفا، فتنطلق. ولكن هذا لا يمنع بعض الشبّان من الركض خلفها وإكمال محاولتهم لركوبها، بينما الحافلة تواصل سيرها وقد مالت بشدة نحو اليمين من وطأة الحمولة الزائدة، لكأنّها على وشك أن تنقلب.

أزمة خانقة
أزمة خانقة

وسارت رقيّة النور (24 عاماً) سيرا على الأقدام لمدة ساعتين من جامعة الخرطوم حيث تدرس إلى هذه المحطة، علّها تركب حافلة توصلها إلى منزلها في منطقة الثورة، معتبرة أن فرصها في هذه المحطة أفضل. لكنها بقيت على الطريق.

وبصوت مرتفع ونبرة غاضبة، تقول طالبة آداب اللغة الصينية وقد غطّت رأسها بحجاب برتقالي شفاف “وضعُ البلد سيّء! خرجنا في تظاهرات ولا حلّ، أصبحت السلطة مدنيّة ولا حلّ، وإلى غاية الآن الوضع مستعصٍ. هل سيظلّ وضع المواصلات هكذا؟ هل سنظلّ نعاني؟”.

تقول “لو أقلّ كل سائق نفرين أو ثلاثة معه لحلّت الأزمة. شباب المبادرة يحاولون إقناع السائقين بذلك لكنّ بعض هؤلاء مفترون، يروننا ويكملون سيرهم”.

ويستخدم شبان المبادرة لغة أخرى لإقناع سائقي الحافلات، فلا يتوانون عن إجبارهم على تغيير وجهاتهم لكي يقلّوا معهم المزيد من الركاب ولمسافات أطول.

 نزار دفع الله سائق إحدى الحافلات يقول  بانزعاج واضح “كنت متّجهاً إلى ناحية المصرف فأجبرني شبّان المبادرة بالقوّة على الذهاب إلى الكوبري”.

20