أزمة "الناصرية" بين السيسي وصباحي

الاثنين 2014/04/21

تدور في كواليس النخبة السياسية بمصر معركة من نوع خاص، تضاف بالطبع إلى قائمة طويلة من الحروب التي تشهدها منذ فترة، حيث يتصارع التيار الناصري بفروعه المختلفة، ويخوض أفراده معركة شرسة، حول أيهما يؤيد عبدالفتاح السيسي، ومن يقف في صف حمدين صباحي، المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية.

المعطيات اليومية أكدت أن الناصريين، نسبة إلى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، متمسكون بقدر من عاداتهم السيئة، فكل فريق، لا بل كل فرد، يعتقد أنه الوريث الوحيد لعبدالناصر، وأحق بارتداء قميصه، وهو ما أفضى إلى انقسامات عنقودية لازمتهم طوال السنـوات الماضيـة، يعود إليهـا جزء كبير من الإخفاق الذي أصبح لصيقا بهذا التيار، وأدى إلى إصابتـه بالشلـل السياسي تقريبا، فلم يستطع أن ينضوي تحت لافتة حزب واحد قوي، أو يخرج زعيما قادرا على المنافسة، ويسد الفراغ الذي تركه رحيل الزعيم جمال عبدالناصر، لكن لأن الخلاف سمة أساسية في هذا التيار نخر في جسده سوس السياسة، وبدلا من أن يتحول إلى تيار متماسك أصبح متناثرا ومتناسخا.

من يعرف الناصريين في مصر عن قرب، يجدهم ظاهرة صوتية أكثر من كونهم ظاهرة سياسية، تستمع إلى حناجرهم تهتف بالشعارات، ولا تستطيع أن ترى مردودا حقيقيا، بمجرد انتهاء التظاهرة أو توقف الهتافات، فإثبات الوجود أهم من ترسيخه، وعلو الصوت أجدى من تطبيق مضمونه على الأرض، لأن التمسح بالزعيم الخالد أعمى البعض عن التمعن في سياساته، ومحاولة دراسة التجربة الغنية، لأخذ الإيجابيات وتحاشي السلبيات.

الآن عاد إلى الأضواء أنصار هذا التيار، الذي تحسبه واحدا، لكن قلوب أصحابه شتى، فمع اقتصار المنافسة في الانتخابات الرئاسية المقبلة على كل من السيسي وصباحي، بدأت عملية تكسير العظام بين الأصدقاء تتعالى، حيث انقسم أفراد التيار بين المرشحين، ففريق يرى أن السيسي خليفة لعبدالناصر، في الكاريزما، والرؤية الإستراتيجية، والانحياز للفقراء، والاستهـداف الخـارجي، والرغبـة في أن يكـون لمصر مكان لائق تحت الشمس، وفريق آخر يعتقد أن حمدين أحقّ بـأن يرتدي قميـص

عبدالناصر، فهو ابن الناصرية البار وأسس أندية الفكر الناصري، وتربى منذ نعومة أظافره على تقاليده، وخاض معارك سياسية كثيرة بسبب إيمانه بالفكرة، وله باع طويل في مواقف وتطورات متنوعة في هذا المسار.

شعبية السيسي الكاسحة ظهرت في مواقف متعددة، وأكدتها سلسلة من المعطيات، بدليل أن الرجل يلتف حوله أشخاص من تيارات ومشارب سياسية مختلفة، ولا يقتصر مؤيدوه على الناصرين، نعم قد تكون إلى جواره شخصيات ناصرية مؤثرة، لكن ليست بمفردها، وهي رسالة أراد المشير أن يوصلها، ليقول إنه مع جموع المصريين، ورغم محاولات ما يمكن وصفه بـ «اللوبي الناصري» في الحياة العامة في مصر، إلا أن المشير يبدو حريصا على عدم التمسك بقالب سياسي واحد، فهو قريب من عبدالناصر في الانحياز للفقراء، وقريب من الرئيس الراحل أنور السادات في الدهاء والانفتاح، وقريب من الرئيس الأسبق حسني مبارك في التمسك بأهداب السلام، وقريب أيضا من تجربة محمد علي في الإيمان بأهمية التعليم.

في المقابل، وضع صباحي نفسه في قالب عبدالناصر فقط، ولم يتمكن من تقديم أفكار تتعدى حدود الشعارات التي كانت سائدة أيامه، وفي تقديري أن أنصاره جنوا عليه، عندما تعمّدوا أن يلبسوه ثوب الزعيم الكبير، بينما شنَّ عدد من أسرة عبدالناصر هجوما شديدا عليه، وتنصلوا من عملية تمسحهم بوالدهم، ولاموه وانتقدوه كثيرا، لتقديمه اعتذارا لجماعة الإخوان المسلمين عما لحقهـم من أذى إبان فترة عبدالناصر، وجاءت الضربات الموجعة من شخصيات كانت قريبة من صباحي في وقت من الأوقات، مثل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل والكاتب عبدالله السناوي والدكتور عبدالحليم قنديل والكاتب أحمد الجمال، والقائمة الناصرية التي تؤيد السيسي ولفظت حمدين صباحي طويلة، وهي تشير إلى حجم كل واحد، ووزنه السياسي في الشارع. الحجم والوزن ظهرا في عملية جمع التوكيلات اللازمة لكل مرشح، فالسيسي تمكن مبكرا من جمع حوالي نصف مليون توكيل، بينما حتى أيام قليلة كان صباحي عاجزا عن الوصول للرقم المطلوب، وهو 25 ألف توكيل من 15 محافظة مصرية على الأقل، وبعد معاناة تمكن من الحصول على العدد المطلوب، لكن هذا الموقف بيّن الثقل النسبي لكل مرشح، وكشف حجم التيار الناصري المؤيد لصباحي، الذي لا يزال يروّج أنصاره إلى أنه خليفة عبدالناصر، ودون الدخول في مزايدات بشأن أيهما يمثل ويعبر فعلا عن أفكار الزعيم الراحل، فإن الناصريين هم من ساهموا في هذا الانقسام.

فالفريق المؤيد لحمدين صباحي وجد في قميص عبدالناصر فرصة لتسويق مرشحهم ودغدغة مشاعر الناس، والفريق الداعم السيسي حاول أن يجد لنفسه مكانا في العهد الجديد فسعى قسرا إلى تشبيهه بعبدالناصر، وكل فريق انتقى من العبارات والألفاظ ما يعزز موقفه. خطورة الانحياز على أساس الناصرية، أوجد أزمة تتجاوز حدودها، لأن العزف على هذا الوتر يمكن أن يضر بالمرشحين، فانغلاق صباحي على الناصريـين سوف يفقده أصواتا خارجهم، يمكن أن تأتي إليه ولو احتجاجـا علـى ترشح السيسي، وإصـرار مـؤيدي المشيـر على ناصريته المزعومة، يقلق شرائح ليبرالية في الداخل، ويعطي إشارات خاطئة للخارج.

كاتب مصري

9