أزمة تجبر الناشرين على تغيير خططهم

ناشرون عرب: كورونا صافرة إنذار لنتجه إلى الفضاء الإلكتروني.
الأربعاء 2020/09/09
النشر الإلكتروني هو الحل

تأثر قطاع النشر بشكل كبير في العالم العربي جراء أزمة فايروس كورونا المستجد وما رافقه من حالة حجر صحي وتوقف الطباعة، وهو ما دعا اتحاد الناشرين العرب إلى إطلاق تحذير حول الواقع الصعب الذي يعيشه الناشرون العرب والمخاطر الكبيرة التي باتت تهدد صناعة النشر. “العرب” استطلعت آراء بعض الناشرين ورؤاهم للحلول الممكنة لتلافي الأزمة.

تواجه صناعة النشر مصريا وعربيا تحديات كثيرة أبرزها تأجيل إقامة معارض الكتب الدولية في العديد من الدول العربية والأجنبية، وتوقف الكثير من دور النشر عن قبول الكتب الجديدة المؤلف والمترجم منها، وكذا توقف الكثير من المطابع عن العمل، وبدء الكثير من العاملين من الفنيين من مخرجين ومصممين ومحررين العمل من منازلهم في حال توفر عمل.

هذه التحديات صاحبتها تغيرات تطرح تساؤلات كثيرة في ما يخص مستقبل الصناعة، وقد توجهنا ببعض التساؤلات لعدد من الناشرين حول خطط الناشر للعام 2021 في ظل التحديات القائمة سواء كانت جائحة كورونا أو النزعات والصراعات المشتعلة بين دول العالم العربي والشرق الأوسط عامة.

تغيير الخطط

بداية يقول القاص والناشر جعفر العقيلي صاحب دار “الآن ناشرون وموزعون” إنه “في ظل الظروف المحيطة والمرتبطة بجائحة كورونا، لا يمكن القول إن هناك خطة واضحة تماما ومحددة الملامح بخصوص برامجنا في عام 2021، فمازال في الوقت متسع لإعادة ترتيب الأولويات استنادا إلى تطورات الوضع الوبائي”.

ويضيف “كنا نعدّ العدّة للمشاركة في معارض أكدت إداراتها أنها ستقام في مواعيدها، قبل أن نتلقى مؤخرا رسائل تفيد باحتمالية التأجيل أو الإلغاء التزاما بالقرارات الحكومية لضمان السلامة العامة، لكن أستطيع القول بثقة إننا نجحنا في ‘الآن ناشرون وموزعون‘ في تحويل التحدي إلى فرصة، فلم ينقطع العمل خلال فترة حظر التجول أو الإغلاق الشامل، وواصل الفريق أداءه بنسبة إنجاز عالية، وهو ما يتجسد في الكتب الجديدة التي تخرج تباعا من المطابع وفاء لالتزاماتنا مع المؤلفين وفي نطاق الآجال الزمنية المرسومة مسبقا لصدور هذه الكتب”.

ويلفت العقيلي إلى أن هناك تحولا واضحا نحو شراء الكتب من خلال المتاجر ومنصات البيع الورقية والإلكترونية، كتعويض عن غياب المعارض التي اعتاد القراء على أن تقام في مواعيد شبه ثابتة، لذا طوروا موقعهم الإلكتروني ليكون متجرا إضافة إلى كونه منبرا ثقافيا إخباريا وتفاعليا يحتفي بالكتاب والمؤلف معا.

 ويقول “في فترة الحجر المنزلي، ركّزنا جهودنا على توسيع عملية توزيع الكتب عن طريق شركاء جدد في عواصم عربية وغربية وقّعنا معهم اتفاقيات تبادل وتوزيع، وهذه وسيلة مناسبة لإتاحة الكتاب للقارئ وبكلفة معقولة، بعيدا عن كلفة الشحن الإضافية والمرتفعة عموما. وبشأن فريق الدار الأساسي، فقد دأبنا على عقد اجتماعات عن بعد عبر شبكة الإنترنت، وطوّرنا آلية العمل وأعدنا توزيع الصلاحيات والمهام بما يحقق ردم أي فجوة متوقعة بين العمل في المكتب والعمل من البيت. وهو ما أثبت نجاعته في غضون أسابيع من بدء التجربة. أما فريق المتعاونين، فقد اعتدنا معهم على صيغة العمل عن بعد قبل أن تبدأ الجائحة. وأخيرا، أعتقد أن قطاع النشر وصناعة الكتاب من القطاعات التي ستشهد تغيرا كبيرا مع استمرار الجائحة، وبخاصة في حال لم تعد المعارض إلى سابق عهدها، وهو ما يستدعي من الناشرين بذل المزيد من الجهود لتوظيف التكنولوجيا والتقنية في مجال تسويق الكتاب وترويجه وإتاحته للقارئ، وإلّا فإن هذه الصناعة ستكون في خطر لا محالة”.

ويشير الناشر محمد البعلي صاحب دار صفصافة للنشر إلى أن الدار تنوي تنويع قائمة مطبوعاتها الجديدة خلال عام 2021 لمواجهة التحديات التي يفرضها الواقع على الطلب، حيث يخططون لكي تضم قائمتهم عددا من العناوين “التجارية” المترجمة سواء من أدب الجريمة أو الأدب التاريخي، إضافة إلى خط نشرهم الرئيسي الذي يركز على أدب الجوائز والأعمال الفكرية والأدب غير الروائي.

حماية وإنقاذ صناعة النشر خلال المرحلة القادمة يتطلبان زيادة التواصل مع جمهور القراء، وتعويض ما فات جراء الجائحة

يقول “فيما ستواصل الدار التركيز على الآداب الآسيوية، فإننا سنتوسع كذلك في ترجمة الأدب الإنجليزي والأميركي الذي يحظى بالفعل بقاعدة قراء قوية في المنطقة العربية. كما نخطط لبدء خط نشر للأطفال والناشئة ساعين إلى تنويع قائمتنا من ناحية، ورفد سوق كتب الأطفال بأعمال ذات محتوى تقدمي تقدم نفسا مختلفا في سوق كتب الأطفال الذي يسيطر عليه القصص الديني، من ناحية أخرى”.

ويضيف “بالنسبة للتغييرات التي طرأت على نشاط النشر، فنحن ننوي مواصلة وتطوير البيع والتسويق الإلكتروني وكلاهما بدأنا التوسع فيه خلال فترة الإغلاق بسبب وباء كورونا، كما سنحافظ على مرونة العمل من المنزل، بحيث تصبح نظاما دائما لأكثر من نصف فريق العمل، وبشكل خاص المحررين والمصمم الرئيسي للدار وفريق التسويق والسوشيال ميديا.. ونظن أن هذه السياسة ستنعكس بشكل إيجابي على أداء فريق العمل، وننصح كافة الناشرين باتباع نظم العمل المرنة لما في ذلك من توفير لوقت وجهد العاملين، وإن كانت بالطبع تحتاج إلى جهد أكبر من فريق الإدارة“.

أما الناشر مصطفى الشيخ مدير دار آفاق، فيرى أن فايروس كورونا المستجد الذي انتشر في العالم أجمع منذ أوائل عام 2020 ومستمر إلى الآن قد أصاب صناعة النشر بأضرار بالغة كان تأثيرها المباشر في إلغاء كافة المعارض الدولية والمحلية للكتب، هذه المعارض التي تعتبر المنفذ الأكبر لجميع الناشرين في عرض وتوزيع إصداراتهم، الأمر الذي استوجب أن يغير جميع الناشرين خطتهم للنشر التي كانت موضوعة سلفا.

ويضيف “بالنسبة لنا في ‘آفاق للنشر والتوزيع‘ تعاملنا مع هذا الظرف بأن تم تجميد نشاط الدار الخاص بالطباعة فور إبلاغنا بوقف جميع المعارض، وتم أيضا الاتصال بالمترجمين الذين لديهم كتب قيد الترجمة لوقف العمل بالكتب التي لديهم لحين اتضاح الأمور، وتم وضع خطة جديدة للنشر بتقليص عدد الإصدارات السنوية التي كان مقرر إصدارها في خطة نشر 2020 – 2021 إلى النصف تقريبا، ومن شهر يوليو 2020 تم استئناف نشاط الدار في النشر مرة أخرى بناء على هذه الرؤية الجديدة وأصدرنا حتى الآن حوالي 10 كتب جديدة وتوجد لدينا 10 كتب أخرى قيد النشر حتى نهاية عام 2020 إلى أن تتضح الرؤية ونعرف إلى أين سيأخذنا فايروس كورونا“.

ويؤكد الشيخ أنه قد حدثت تغيرات في طريقة إدارة النشاط، وقال “لقد غيرنا في الدار كثيرا من طريقة إدارتنا للعمل، حيث يعمل من المنزل بعض كوادر الدار، وكذلك اعتمدنا توزيع الكتب أونلاين، وتنشيط خدمة توصيل الكتب إلى الزبون وحاليا الدار تقوم بعمل متجر إلكتروني خاص بها لتوزيع كتبها ورقيا وإلكترونيا، كما نقوم حاليا بتحويل كتبنا لصيغة EPUB تمهيدا لطرح الكتب إلكترونيا على جميع المنصات المهتمة بتوزيع الكتاب إلكترونيا”.

الحركة الإلكترونية

يكشف عبدالعظيم الصلوي المدير التنفيذي لمؤسسة أروقة للنشر عن خطط المؤسسة قائلا “لدينا خطط كثيرة للنشر للعام القادم على الرغم من أنَّ أمورا عدة لم تتضح بعد بشأن معارض الكتاب القادمة، كما أن ما اتضح من هذه الناحية تحيط به المخاوف مما يتردد حول موجة ثانية لكورونا”.

ويضيف “يتعلق جزء من خطط العام القادم بتقديم إصدارات 2020 ضمن إصدارات 2021 مجددا. كما أن لدينا كمّا من الترجمات الجديدة ذات الأهمية مما لم يترجم للعربية من قبل أو لم يترجم بالشكل المناسب، إضافة إلى التوسع في سلسلة مهمة من سلاسل إصدارات الدار وهي سلسلة بعد ما بعد الحداثة التي تهتم بتقديم وعرض وترجمة ودراسة النظريات المختلفة التي ظهرت منذ مطلع الألفية في شتى المجالات والحقول العلمية، إلى جانب إعادة تنشيط بعض السلاسل الجماهيرية”.

ويتابع بشأن التغييرات التي طرأت على الصناعة وتأثيراتها “كان من المفترض أن تحدث هذه التغييرات من زمن ‘البيع والتوزيع الإلكتروني تحديدا‘ وقد حدث كثير منها في العالم، لكن العرب انتظروا حتى حل كورونا، ومع ذلك فقد أفادت هذه التحولات القارئ والمنتج إلى جانب ما تطلبه الفراغ والبقاء في المنازل من حاجة للكتب والقراءة، كما أنَّ العاملين على الكتاب من محررين وكتابا قد كسبوا الكثير من الوقت والمصادر والممارسات الجديدة. ورغم ذلك مازلنا بحاجة إلى خطوات أوسع بكثير مما حدث لتصعيد الواقعي بشكل نهائي إلى الافتراض والذهاب في كل الاتجاهات المتاحة والسبل، والتماهي مع الممارسات الثقافية الممتدة التي لا تقتصر على الخبرة والتعلم والقراءة والتعايش فقط“.

ويؤكد أحمد أسامة مدير التسويق والتوزيع بدار مسعى أن حماية وإنقاذ صناعة النشر خلال المرحلة القادمة يتطلبان زيادة التواصل مع جمهور القراء، وتعويض ما فات في فترة الجائحة من تأخير لنشر الإصدارات التي كان مزمع إصدارها، وذلك بالتزامن مع الاستمرار في الحصول على حقوق ترجمة ونشر الأعمال الأجنبية ذات القيمة والجودة الأدبية العالية خاصة الحائزة على تقدير النقاد وإعجاب القراء حول العالم وتعريف جمهور القراء العرب بما هو جديد كما عهدوا منا دوما.

هناك تحول واضح نحو شراء الكتب من خلال المتاجر ومنصات البيع الورقية والإلكترونية كتعويض عن غياب المعارض

ويلفت إلى أن التعامل الإلكتروني في البيع والتوزيع مازال يسير بوتيرة ضعيفة بعض الشيء خصوصا في دول شمال أفريقيا نظرا إلى عدم اعتياد شعوب تلك الدول على مثل هذه التعاملات بعكس شعوب دول الخليج مثلا الذين قطعوا شوطا كبيرا في تلك الجزئية من قبل فترة الجائحة، إلا أنه لا يمكن إنكار أن الحركة الإلكترونية قد نمت بشكل ملحوظ على المستوى العام بسبب الجائحة ونتمنى استمرار ذلك النمو بعد انقضاء تلك الفترة مواكبة للتطور الحاصل عموما في أنحاء العالم والقائم على تعميم التعاملات الإلكترونية.

ويرى أسامة أن تأثر المصممين والمحررين بشكل عام كان ماديا بصورة قوية، فكل دور النشر عالميا علقت أعمالها وإصداراتها لفترة كبيرة لإعادة تقييم الأوضاع وانتظارا لما ستسفر عنه الجائحة، وبالتالي لم تكن هناك خطط للاستمرار في التعاقد على نشر أعمال جديدة في تلك الفترة مما أصاب السوق بحالة أقرب إلى الركود التام .. أما على المستوى العملي فلم يتأثروا بالشكل الذي تأثر به غيرهم في مجالات مختلفة نظرا لأن طبيعة عملهم أقرب لأصحاب الأعمال الحرة، وبالتالي هم بالفعل يؤدون أعمالهم من المنزل بشكل عام حتى في الظروف الطبيعية.

ويشدد على أن هناك بالفعل تغييرات ستكون دائمة منها الاهتمام بصورة أكبر بالنشر الإلكتروني والصوتي خصوصا في الشرق الأوسط وتحفيز القراء على سلوك ذلك المسلك من خلال توفير العروض وتخفيضات الأسعار، كذلك كانت رسالة قوية لكل الناشرين لوضع خطة طوارئ في حالة تكرار ما حدث تمكنهم من تقليل الخسائر وتحجيمها حتى لا يتكرر الوضع الذي حدا ببعض دور النشر لأن تعلن إغلاقها بشكل نهائي وخروجها من السوق.

ويوضح الناشر أحمد سعيد عبدالمنعم أن منشورات الربيع تخطط لتقديم موسم متنوع بين الإبداع العربي والمترجم من عدة لغات، ويقول “التغيرات التي حلّت هي صافرة إنذار للحكومات العربية لإعادة تقييم التجربة العربية في دعم الثقافة، بين الواقع والمفترض أن يحدث حتى قبل كوفيد – 19. الفساد المستشري في جنبات القطاعات الثقافية والمسكوت عنه لاعتبارات كثيرة لا بد أن يلتفت له المسؤولون. المجاملات والعلاقات والشلل المتحكمة في كل اتجاه أينما وليتَ وجهَك وجدتَ شلة تحكم قطاعا”.

ويشير إلى أن “المسألة ليست بهذا التبسيط. على شلال النشر أن يتوقف لينتج محتوى يستحق القراءة. وعلى الصحافة الثقافية أن تكف عن الصراخ ليل نهار تبشيرا بكتب الأصدقاء وتجاهل غير المنتمين للشلل مهما كان جادّا. وعلى وزارة الثقافة أن تكف عن إهدار المال العام على كتب أصدقاء مسؤولي السلاسل مهما كان رديئا. وعلى الدولة أن تدعم خطة نشر سنوية يشرف عليها ويحكّم فيها المشهود لهم من المبدعين والأكاديميين بالنزاهة والتجرّد من الشللية والفساد، يتقدم لها الناشر الخاص والحكومي على حد السواء. ويتم تقييم المشروع دون معرفة المتقدم به. المعيار هو مدى احتياج المكتبة العربية له فقط”.

14