أزمة تركيا: المعارضة تضيّع الفرصة

قطار أردوغان يسير بأقصى سرعته في غياب معارضة قادرة على إيقافه، وتركيا تدفع باهظا مقابل الاستسلام لحكم الرجل الواحد.
الثلاثاء 2018/08/14
لا أحد يعارض الرئيس

واشنطن – تمثل الفوضى التي تغرق فيها تركيا اليوم فرصة جيدة للمعارضة للتحرّك، فالبلاد على شفا أزمة مالية مع انهيار عملتها وأخرى دبلوماسية مع الولايات المتحدة، تضاف إلى أزمات تركيا السابقة مع الجوار الأوروبي وفي الشرق الأوسط، لكن، لا مؤشرات تدل على أن المعارضة التركية بصدد استغلال الوضع والتحرك لتدارك خيبة الانتخابات البرلمانية والرئاسية، بل بالعكس تؤكد ما يذهب إليه محللون وخبراء، أزمة تركيا مثلما هي أزمة حكم الرجل الواحد هي أيضا أزمة معارضة.

خلال حملة الانتخابات البرلمانية والرئاسية في يونيو 2018، بذلت أحزاب المعارضة قصارى جهدها في سبيل تكوين جبهة قوية ضد الرئيس رجب طيب أردوغان ومشروعه لتغيير نظام الحكم في تركيا، ويمكن القول إنها نجحت بالفعل في أن تخلق أجواء انتخابية تعددية، إلا أن هذه المعارضة التي ضمّت أحزابا وأطرافا ما كانت لتتفق، لم تتجاوز تلك العتبة وفشلت في أن تحقق أي تقدم على أردوغان الذي نجح في ترسيخ نظام الحكم المطلق.

اليوم، يظهر ضعف المعارضة بشكل لافت، فيما تمر تركيا بأوضاع صعبة على المستويين الداخلي والخارجي بسبب سياسات الرئيس أردوغان، لكن، ورغم أن الوضع يمثل أرضية جيدة يمكن أن تنطلق المعارضة، التي يبدو أنها استسلمت لتضييق الحزب الحاكم الخناق عليها، لدرجة أن المحلل السياسي التركي سليم سازاك وصفها بأنها معارضة تقاتل من أجل الحياة، ولكن قادتها مستسلمون تماما لموتها، ومتمسكون بكراسيهم.

وانتقد سازاك في تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي ضمن متابعة لتطورات التوتر بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية، المعارضة التركية مشيرا إلى أن حالها كحال البلاد اليوم، في موقف يتسق مع ما يذهب إليه الكاتب في موقع أحوال تركية ياوز بيدر بأن تشرذم المعارضة يساعد أردوغان على تحقيق حلمه وأن يكون الحاكم الوحيد.

مقاومة ولكن

 

منذ 24 يونيو الماضي، وبعدما احتفل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بفوزه الانتخابي الثالث عشر على التوالي، كانت جبهة معارضيه تسقط نحو الهاوية. ويعبر حالهم اليوم عن المشكلة الأساسية التي تعاني منها السياسة التركية: وهي أن المعارضة تفتقر إلى الأفكار الحقيقية وتسير دون إلهام، فيما يتهم زعماؤها أكثر بالمحافظة على مقاعدهم أكثر من الحفاظ على مصلحة وطنهم.

في الأشهر التي سبقت الانتخابات، تمكن أعضاء تحالف المعارضة من تجاوز خلافاتهم والاتفاق على رغبة واحدة، وهي الإطاحة بأردوغان، لا سيما أن التحالف ضم العديد من العلمانيين والقوميين والمحافظين والليبراليين الذين لم يكونوا في الظروف العادية ليشاركوا في هذا التحالف.

ويعتبر سليم سازاك أنه على الرغم من شرف المنافسة، إلا أن المحاولة في حد ذاتها كانت غير ناجحة ومحكوم عليها بالفشل. وجدت جبهة المعارضة نفسها واقفة، دون برنامج واضح وواقعي، ومجردة من كل الأدوات المساعدة على رأسها وسائل الإعلام، أمام خصم لا يمكن هزيمته بالتصريحات فقط.

استخدم أردوغان كل المزايا التي يتمتع بها في منصبه، بما في ذلك جميع موارد الدولة المتاحة تحت تصرفه، وكذلك وسائل الإعلام الواقعة تحت سيطرته بالكامل. وانسحب الرئيس السابق عبدالله غول من السباق الرئاسي، بعد أن زاره كبير جنرالات الجيش التركي، على الرغم من إصرار غول على أن هذه الزيارة كانت بدافع المجاملة ليس أكثر، إلا أن هذا لا ينفي الانطباع بأنه أُجبر على الخروج من السباق.

أما بالنسبة للمرشحين الآخرين، فقد تمت ممارسة الضغط عليهم بشكل علني. وكمثال على ذلك ما حدث مع أكشينار، حيث كان رؤساء البلديات يعطلون قوافلها بشاحنات لجمع القمامة وكانت تعاني أيضا من قطع الكهرباء عن احتفالاتها الانتخابية. وكان المرشح الرئاسي لحزب الشعب الديمقراطي المؤيد للأكراد، صلاح الدين دميرتاش، المحتجز في السجون التركية بتهم متعلقة بأنشطة إرهابية، يقود حملته الانتخابية من وراء القضبان.

ويؤكد سليم سازاك، وغيره من المتابعين، أن انتصار المعارضة في مثل هذه الظروف كان أمرا مستحيلا، لكن ذلك لا ينفي أن المعارضة خسرت بأن وضعت كل رهانها في سلة توجيه النقد لأردوغان دون تقديم بدائل ملموسة للشباب الغاضب كما أن هذه المعارضة لم تختلف عن أردوغان في بعض المسائل القومية، مثل الموقف من الأكراد، وتحالفها كان واضحا أنه تحالف مؤقت.

انهيار تحالف المعارضة

 بمجرد انتهاء فترة الحملات الانتخابية، انهار تحالف المعارضة ذو القاعدة الشعبية العريضة الذي التف حول إنجه. وبين ناخبي جبهة المعارضة، بدأ الصبر في النفاد بعدما أبدوا رغبتهم في رؤية الرؤوس تتطاير وألا ينجو أحد من ثورة غضبهم.

وبالنسبة للعلمانيين، كانت هزيمة زعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كليتشدار أوغلو، كابوسا، لا سيما أن هذه كانت الهزيمة التاسعة له، وعلى ما يبدو فقد تعاطف أعضاء الحزب معه، فيما واجه الغضب ذاته نائباه، وهما بولنت تزتشان واونور أدي غوزيل.

سليك سازاك: المعارضة التركية خسرت الحرب أمام أردوغان ثم فقدت عقلها بعد ذلك
سليك سازاك: المعارضة التركية خسرت الحرب أمام أردوغان ثم فقدت عقلها بعد ذلك

وعن أسباب فقدان تزتشان للدعم والتعاطف فكان بسبب إعلانه قبل ليلة الانتخابات بأنه ستكون هناك دورة انتخابات ثانية، والذي ثبت أنه غير صحيح. أما أدي غوزيل، وهو أحد الشباب الذي كان يُنظر إليه في يوم من الأيام كواحد من نجوم الحزب الصاعدين، فقد كان مسؤولا عن منصة مراقبة الانتخابات على الإنترنت، والتي يتم الترويج لها على نطاق واسع، وهي شبكة بث مباشر من محطات الاقتراع في جميع أنحاء البلاد تم تصميمها لمنع الاحتيال الانتخابي وتوفير قناة المعلومات البديلة، التي تعطلت قبيل ساعة من إعلان نتيجة الانتخابات ولم يتم إصلاحها أبدا.

كان حلفاء إنجه يأملون في أن يتمكن من مواجهة كليتشدار أوغلو وهزيمته في مباراة إعادة المنافسة في فبراير الماضي لتولي قيادة الحزب، ولكن خسر إنجه المعركة. وفي غضون بضعة أيام من إعلان ترشيحه، حصل إنجه على ما يكفي من الدعم لإجراء انتخابات قيادة في الحزب. وعلى مدار الأسبوع الماضي، ومع ذلك، بدأ الدعم ينحسر مع تراجع الداعمين له بعد خسارته الانتخابات، وربما جاء هذا بسبب ضغوط من قادة الحزب بشكل دفع أنصار إنجه لنقل المعركة إلى المحكمة.

لكن المشكلة التي واجهت إنجه هي أنه لم يخرج من الانتخابات سالما. ففي ليلة الانتخابات، تنازل إنجه عن السباق واعترف بهزيمته عن طريق إرسال رسالة عبر تطبيق واتساب إلى صحافي تلفزيوني قائلا فيها “فاز الرجل” ثم اختفى بعدها بعدما خلق حالة من الهستيريا على تويتر.

راهن ناخبو المعارضة عليه كثيرا وبنوا آمالا عريضة، وعندما عاد إنجه في اليوم التالي وكأن لا شيء حدث، شعر الكثير من مؤيديه بالغضب. ففي معظم الدول، يُنظر على الانسحاب المبكر من الانتخابات على أنه أمر مشرف لكن في تركيا، يُنظر إليه على أنه ضرب من الخيانة. ولم تصبح الأمور أيضا أقل قتامة بالنسبة للحزب الصالح، حيث شهد اجتماع الأسبوع الماضي حفلة صراخ، بعدما أغضبت الوزيرة السابقة أكشينار الكثير من أعضاء الحركة القومية السابقين، بعدما ترشح حلفاؤها في مناطق انتخابية تنافسية مليئة بالتحديات، وانتهى الأمر في النهاية بالخسارة.

كان رهان أكشينار هو أن الحزب سيكون أفضل حالا كبديل لليمين الوسط، لكن الفكرة لم تؤت ثمارها. وبالفعل، خرج حزب بهشتلي من الانتخابات أقوى من أي وقت مضى، في حين خسر حزب الخير المنافسة تاركا خلفه الكثير من علامات الاستفهام.

وبلغت الخلافات ذروتها في الحزب الصالح، ولا سيما بعد أن استقال الزعيم السابق لجناح الشباب في الحزب، عثمان إرتوك أوزيل، الذي استقال قبل الانتخابات احتجاجا على المنطقة التي رُشّح لها، وعندما هاجمه أنصار خليفته علنا، مما أدى إلى نشوب معركة حقيقية بالأيدي.

وفي النهاية، قدمت أكشينار استقالتها، ورغم أنها أعلنت أنها لا تعتزم الترشح مرة أخرى لرئاسة الحزب، إلا أن حلفاءها يحاولون جاهدين تأمين ما يكفي من الأصوات لترشيحها، وإذا نجحت بهذه الطريقة فسيكون انتخابا بالتزكية، وهو ما يراه منتقدو أكشينار أنه الهدف الرئيسي لأكشينار منذ وقت طويل.

وفي هذه الأثناء، يعاني حزب الشعوب الديمقراطي الكردي أيضا من أزمة، ليس أقلها أن معظم قادته في السجن، ولكن أيضا بسبب استعار الحرب بين الفصائل اليمينية واليسارية. حيث يرى الجناح اليساري للحزب فرصة في أزمة القيادة التي يواجهها حزب الشعب الجمهوري، ويدّعي أنّ التحول من القوميّة الكرديّة إلى التقدمية اليساريّة سيزيد من جاذبيته على الصعيد الوطني، لا سيّما بين الناخبين الشباب، وبالتالي تحوله لحزب المعارضة القائد للبلاد.

قادة المعارضة الذين يمكنهم وقف التدهور التركي منشغلون بتبادل الشتائم والإهانات وتوجيه أصابع الاتهام إلى بعضهم البعض

وحصل زعيم الحزب، صلاح الدين دميرتاش، على دعم الناخبين من ذوي الميول اليسارية في المناطق الحضرية، وخاصة الشباب والنساء. وقورن شبابه وجاذبيته مع باراك أوباما ورئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تيسبراس وغيره من قادة أوروبا الشباب.

لكن الكثيرين من قادة الحزب البارزين يرون في توجه الحزب لليسار تخليا عن مهمة الحزب الرئيسية، وهي تحرير الأكراد، ورغم نفي الحزب وجود أي صلات بالجماعات المسلحة، إلا أنه من الصعب إنكار الأثر الذي يتركه الأمر على حزب العمال الكردستاني.

وكسبت حملة حزب العمال الكردستاني المسلحة منذ فترة طويلة من أجل النداء باستقلال كردستان عداء الكثيرين في تركيا، بالإضافة إلى إضافته على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية التابعة لوزارة الخارجية الأميركية.

السير نحو الكارثة

تحالف مؤقت
تحالف مؤقت

بسيطرة أردوغان بقوة على الفروع التشريعية والتنفيذية للحكومة، تظهر الديمقراطية التركية في قمة حالات تراجعها. فالاقتصاد ينهار، والأسعار آخذة في الارتفاع، وأعمال العنف تزداد سوءا، والدولة تدير ظهرها إلى الغرب. واتهمت الولايات المتحدة وزير الاقتصاد السابق في تركيا بالتآمر لانتهاك العقوبات المفروضة على إيران، ونتيجة لذلك يواجه أحد البنوك الحكومية في تركيا العقوبات الأميركية لنفس السبب.

وقامت الولايات المتحدة بفرض عقوبات بموجب قانون غلوبال ماغنيتسكي على وزراء الداخلية والعدل في تركيا بشأن القبض المثير للجدل على القس الأميركي أندرو برونسون واحتجازه في السجون التركية.

وتصاعد التوتر بين واشنطن وأنقرة في وقت تتجه فيه البلاد، وفق الكاتب في موقع أحوال تركية، إرغون باباهان، إلى الكارثة، حيث أظهرت الأمثلة الحديثة، بما في ذلك عراق صدام حسين وليبيا معمر القذافي، الثمن الباهظ الذي تفرضه أنظمة حكم الرجل الواحد على مجتمعاتها.

وفي هذه الأثناء، ينشغل قادة المعارضة، الذين يمكنهم وقف هذا التدهور التركي، بتبادل الاتهامات والشتائم والإهانات، وتوجيه أصابع الاتهام إلى بعضهم البعض.

ويقول سليم سازاك “بينما هم يتشاجرون، يبدو أنهم غافلون عن الكارثة التي تقف بانتظارهم: وهي غضب الملايين من الناخبين الذين سئموا وتعبوا من بناء الآمال على مجموعة من الساسة العاجزين عن فعل شيء”. ليخلص إرغون باباهان مؤكدا أن “المجتمعات التي يقودها رجل واحد تدفع في نهاية المطاف ثمنا باهظا، وهذا ما يبدو أنه ينتظر الأتراك”.

علي نيسين: المعارضة التركية أخطأت

يعتبر علي نيسين من الأسماء التي كثيرا ما تتعرض للنقد بسبب آرائه السياسية. وقد امتدت ردود الأفعال على تصريحاته لتطال وقف نيسين، الذي يحمل اسم والده عزيز نيسين، وقطع التبرعات عنه. ويتحدث نيسين، في حوار مع موقع أحوال تركية عن موقفه من المعارضة التركية مشيرا إلى أنها تتحمل مسؤولية تمهيد الطريق لقيام الجمهورية الثالثة.

* كيف تقيم النقاشات الدائرة في المؤتمر العام، الذي بدأ في حزب الشعب الجمهوري بعد انتخابات 24 يونيو؟ هل كان سلوك كمال كليتشدار أوغلو طوال فترة الانتخابات السبب وراء إخفاق الحزب؟

* لا يمكن لأي حزب أن يفوز بأكثر من انتخابين بمجهوده الخاص؛ فأي حزب يمكث فترتين في السلطة يصيبه الهزال، ومن ثم يجرى انتخاب حزب آخر بعد مرور هاتين الفترتين. أما في تركيا فحزب العدالة والتنمية يحقق الفوز في هاتين الفترتين، ثم تخسر المعارضة في الفترة الثالثة، وما بعدها كذلك. هذا هو الوضع في تركيا. أعتقد أن أفضل تغيير يمكن أن يقوم به حزب الشعب الجمهوري هو أن يحل نفسه كي يسمح بظهور كيانات جديدة من داخله؛ فمن المؤكد أن حزب المعارضة الرئيس، الذي يعجز طيلة ستة عشر عاما عن الوصول إلى السلطة، يسير على الطريق الخطأ، وعليه أن يحل نفسه.

*ما هي خارطة الطريق التي يجب على أحزاب المعارضة أن تتبعها بعد هذا؟ *

يتعين على حزب الشعوب الديمقراطي أن يخطو باتجاه أن يصبح حزبا تركيّا. كان من الممكن أن يبعد حزب العمال الكردستاني أثناء حرب الخنادق التي يخوضونها. ربما كانت في هذا فرصة كبيرة بالنسبة له، ولكنه لم يفعل. لا أعرف إن كانت هناك إمكانية لوجود هذه الفرصة مرة أخرى، أم لا. لا أرى أي بارقة أمل في حزب الشعب الجمهوري. أعتقد أنه يتعين عليه أن يعترف بأخطاء الماضي، وأن يعتذر للشعب، وأن يختار لنفسه طريقا جديدا مغايرا تماما لنهجه القديم ليتقدم عليه بصبر وثبات، وإلا فإنه لن يراوح مكانه. لقد بدأت الجمهورية الأولى في الانتهاء في 2002، وانتهت بالفعل في عام 2008، واستمرت المرحلة التحضيرية للجمهورية الثانية في الفترة بين 2008 و2018. وها نحن نعيش الآن في كنف الجمهورية الثانية منذ 24 يونيو. لهذا يجب على أحزاب المعارضة أن تقطع علاقاتها بالماضي تماما، وأن تمهد طريقها إلى الجمهورية الثالثة في المستقبل. يجب عليهم أن يقطعوا علاقاتهم بالماضي، وأن يتعلقوا بالمستقبل.

 

6