أزمة تشكيل الحكومة المغربية تكشف عجز حزب العدالة والتنمية السياسي

أكثر من 100 يوم مرت في المغرب بدون حكومة جديدة وسط حالة من التوقف الكامل للمفاوضات بين الأحزاب السياسية وبين رئيس الحكومة المكلف عبدالإله بنكيران، لتتعمق أزمة الحكومة المغربية أكثر عقب انتخاب الاشتراكي الحبيب المالكي رئيسا للبرلمان، وهو ما وضع المغرب في أزمة سياسية غير مسبوقة تستدعي تدخل العاهل المغربي محمد السادس لإنقاذ المسار الديمقراطي الذي يحافظ عليه المغرب.
الثلاثاء 2017/01/24
حيرة في إدارة الأزمة

الرباط - رغم مرور نحو ثلاثة أشهر على تكليفه، لم يستطع زعيم حزب العدالة والتنمية المغربي الفائز في الانتخابات البرلمانية أكتوبر الماضي، عبدالإله بنكيران، الوصول بمشاوراته مع أحزاب الائتلاف الحكومي المنتهية ولايته إلى تشكيل الحكومة الجديدة.

وكان قادة حزب العدالة والتنمية يعتقدون أن تشبثهم بمشاركة حزب الاستقلال، صاحب المرتبة الثالثة بـ46 مقعدا في مجلس النواب (الغرفة الأولى بالبرلمان) في الحكومة، هو سبب عدم قبول رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، وبجانبه الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، امحند العنصر، بعرض بنكيران، لتشكيل أغلبية تخرج الحكومة من عنق الزجاجة.

وقرر عبدالإله بنكيران، أمين عام حزب العدالة والتنمية بالمغرب بداية الشهر الجاري التخلي عن دعم حزب الاستقلال، وعدم إشراكه في الحكومة. ورغم التنازلات التي قدمها حميد شباط الأمين العام للحزب، في المجلس الوطني الأخير، تخلى شخصيا عن التعيين في الحكومة الجديدة وفوض أمر المفاوضات إلى لجنة من ثلاثة قادة للحزب.

وأفضت المشاورات الأخيرة لتشكيل الحكومة المغربية الجديدة بعد انتخاب الاشتراكي الحبيب المالكي رئيسا لمجلس النواب (البرلمان)، إلى المزيد من تعقيد المشهد السياسي المغربي بعد عجز الأطراف الحزبية المعنية بالتحالف الجديد، عن التوصل إلى أي توافق يُبدد العراقيل التي تحول دون تشكيل التحالف الحكومي المقبل.

فاختيار الحبيب المالكي رئيسا لمجلس النواب، كان بمثابة خلط للأوراق وضرب لحسابات رئيس الحكومة المُكلف عبدالإله بنكيران، ما دفع باتجاه تزايد الحديث حول خيارين إثنين للخروج من حالة الانسداد الراهن.

يتعلق الخيار الأول بقبول بنكيران بالشروط المفروضة عليه، والذهاب إلى تشكيل حكومة تضم ستة أحزاب، هي الحزب الفائز بالأغلبية، أي العدالة والتنمية، والتجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الدستوري، والحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، مع ضم حزب الاتحاد الاشتراكي خصوصا بعد فوزه برئاسة مجلس النواب.

أما الخيار الثاني فيتعلق بتشكيل حكومة أقلية تجمع بين حزب العدالة والتنمية وحزبي الاستقلال، والتقدم والاشتراكية.

وفي حديث مع “العرب” عن المرحلة التي وصلت إليها المشاورات، قال محمد لغروس مدير موقع “العمق المغربي” الإلكتروني المقرب من حزب العدالة والتنمية، إن “التطورات الجارية أضفت حالة من الغموض على مستقبل تشكيل الحكومة في المغرب، بشكل يفتح الباب على كل التأويلات”.

وأضاف أنه “رغم إصرار بنكيران على حكومة من أربعة أحزاب فقط وهي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية، فإن السيناريو الأقرب هو تشكيل حكومة من أحزاب الأغلبية الحكومية السابقة، إضافة إلى الاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي خاصة بعدما حاز منصب رئاسة مجلس النواب”.

من جهته يرى الباحث في العلوم السياسية عبدالإله سطي في تصريح لـ“العرب”، أن الأوضاع لن تبقى على ما هي عليه الآن من انسداد، ولم يستبعد تدخل أعلى سلطة في البلاد من أجل تحقيق الانفراج.

الأوضاع لن تبقى على ما هي عليه الآن من انسداد، ولم يستبعد تدخل أعلى سلطة في البلاد من أجل تحقيق الانفراج

واعتبر أن ذلك مما سيجبر كافة الأطراف على تقديم تنازلات بالشكل الذي يحفظ ماء وجه الجميع من خلال منطق رابح رابح، وذلك لن يتحقق إلا عبر تنازل حزب التجمع الوطني للأحرار وحليفه الحركة الشعبية عن شرط مشاركة حزب الاتحاد الاشتراكي، في مقابل إشراك حزب الاتحاد الدستوري داخل التحالف الحكومي بحجة التحالف البرلماني الذي عقده مع حزب التجمع الوطني للأحرار سابقا.

وحول إمكانية نزول حزب العدالة والتنمية إلى المعارضة، قالت سليمة الفرجي، نائبة برلمانية سابقة عن حزب الأصالة والمعاصرة، لـ“العرب”، إن “نزول حزب العدالة والتنمية إلى موقع المعارضة أمر مستبعد، فالسيناريوهات الممكنة في هذه الحالة إثنان؛ هما إما قبول رئيس الحكومة بالاتحاد الاشتراكي ضمن الأغلبية الحكومية، وإما تقديم استقالته”.

ديمقراطية مغربية

عل الجانب الآخر من معركة تشكيل الحكومة المغربية، رأى الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، إلياس العماري، الذي حل ثانيا في الانتخابات بـ 102 مقعد، أن العدالة والتنمية في إدعائه مواجهة التحكم في شخص حزب الأصالة والمعاصرة، يواجه طبيعة الأشياء، التي تميز الحياة السياسية بالمغرب، وأن عدم إقراره بالمسافة الحقيقية الفاصلة بين الديمقراطية التامة والديمقراطية الانتقالية والمتدرجة، هو إقرار بعجزه عن إدراك منطق الأشياء الذي يتطلب الحفاظ على السير الطبيعي للمسار الديمقراطي في المغرب.

وفي مقال بعنوان “لهذه الديمقراطية مشروع غير مكتمل”، في نوفمبر الماضي، اعتبر العماري أن مواجهة التحكم، باعتباره بنية راسخة للدولة من أجل حماية الديمقراطية، كما يدعي الحزب الأغلبي (العدالة والتنمية)، هي مغامرة تعاكس رغبة الشعب المغربي في نموذج ديمقراطي يلائم خصوصيات دولته، ويراعي إيقاع الخطوات الثابتة التي تناسب مسارات تطوره وتقدمه.

ومنذ 10 أكتوبر الماضي، حين كلّف العاهل المغربي، بنكيران بإعادة تشكيل الحكومة، أطلق بنكيران مشاورات مع معظم الأحزاب السياسية التي حصدت مقاعد برلمانية معتبرة، بما فيها تلك التي يعتبرها غير مستقلة بقرارها باستثناء حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يعتبر التحالف معه خطا أحمر لكنه حتى اليوم لم يعلن عن الوصول إلى الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.

إلياس العماري: العدالة والتنمية عاجز عن الحفاظ على السير الطبيعي للمسار الديمقراطي

ورغم قبول حزبي الاستقلال (46 مقعدا) و التقدم والاشتراكية (12 مقعدا) مشاركة العدالة والتنمية (125 مقعدا) في الحكومة، إلا أن مجموع نواب الأحزاب الثلاثة (183) لا يضمن الأغلبية المطلوبة في مجلس يتألف من 395 نائبا، حيث يحتاج تشكيل الأغلبية الداعمة للحكومة إلى 198 نائبا على الأقل.

شروط أخنوش

بعد إعلان العماري مبكرا عن اصطفاف حزبه في المعارضة، أصبح رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، هو المفاوض الأساسي لبنكيران من أجل تشكيل الحكومة، خاصة بعد قبول بنكيران التنازل عن مشاركة حزب الاستقلال.

تمكن أخنوش، رجل الأعمال الشهير، من بناء تحالف متماسك من أربعة أحزاب بجانبه (التجمع الوطني للأحرار، الحركة الشعبية، الاتحاد الدستوري، الاتحاد الاشتراكي)، وقطع الطريق أمام بنكيران لتشكيل أي تحالف حكومي، خارج الشروط التي وضعها، والقاضية بإشراك الأحزاب الأربعة في الحكومة، بينما يصر بنكيران على حصر التحالف في الأحزاب المشاركة في الحكومة المنتهية ولايتها (العدالة والتنمية، التجمع الوطني للأحرار، الحركة الشعبية، التقدم والاشتراكية).

وحين استدعت التزامات المغرب عودته إلى الاتحاد الأفريقي، ومصادقة البرلمان على القانون الأساسي للاتحاد وجد بنكيران نفسه مضطرا لتلبية طلب العاهل المغربي بهيكلة مجلس النواب، فتنازل مجددا أمام أخنوش، واقترح عليه رئاسة عضو من حزبه للمجلس حتى لا تخرج الرئاسة عن صفوف الأغلبية التي يسعى إلى تشكيلها.

غير أن رئيس التجمع الوطني للأحرار رفض مقترح بنكيران، وفرض، عبر تحالفه الرباعي وحزب الأَصالة والمعاصرة، رئيسا جديدا لمجلس النواب من حزب الاتحاد الاشتراكي (20 مقعدا)، الذي يرفض بنكيران إشراكه في الحكومة.

وأمام هذا الوضع، يجد بنكيران نفسه محاطا بأربعة أحزاب لا تمتلك العدد المطلوب من النواب لتشكيل الحكومة.

وتوصف ثلاثة من تلك الأحزاب بأنها أحزاب غير مستقلة، وهي: التجمع الوطني للأحرار، الحركة الشعبية، الاتحاد الدستوري.

فيما يبدو أن حزب الاتحاد الاشتراكي دخل في تحالف وتماه مع مواقف الرئيس الجديد لحزب الأحرار، الذي انتخب مباشرة بعد الانتخابات التشريعية، خلفا لوزير الخارجية، صلاح الدين مزوار.

أما الحزب الرابع في معادلة بنكيران، والذي يصنف ضمن الأحزاب المستقلة بقرارها، فهو التقدم والاشتراكية. في المقابل يرى حزب العدالة والتنمية أن دوره حاليا هو دور تحريري يعيد إلى السياسة بالمغرب ألقها، بأحزاب ديمقراطية تملك قرارها، وتتنافس في جو ديمقراطي وعلى أساس برامج محكمة.

وبصفة عامة لا ينص الدستور المغربي على مهلة زمنية معينة لتشكيل الحكومة، لكن استمرار الوضع الراهن، ربما يدفع العاهل المغربي محمد السادس إلى التدخل، حيث توجد، وفق خبراء سياسيين، أربعة سيناريوهات، تتضمن تكليف شخصية جديدة من العدالة والتنمية، أو اللجوء إلى الأحزاب التالية له في نتائج الانتخابات، أو تشكيل حكومة وحدة من جميع الأحزاب الحاصلة على مقاعد، وأخيرا إجراء انتخابات جديدة، وهو السيناريو الدستوري من بين الأربعة.

6