أزمة تونس الاجتماعية والاقتصادية

الثلاثاء 2015/09/08

أزمة تونس الاجتماعية والاقتصادية لم تخِفّ رغم ما علّقه التونسيون من آمال على انتخابات 2014 التي انتظروا منها أن تؤول إلى تركيز سلطات ديمقراطية تحقق أهداف الثورة في التنمية والتشغيل والأمن والعدالة الاجتماعية والعدالة الجبائية.

من أشدّ علامات الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التونسية وضوحا ما أعلن عنه محافظ البنك المركزي الأسبوع الماضي من دخول الاقتصاد التونسي رسميا مرحلة الانكماش. وقال إن ذلك يستدعي ضخ ما لا يقل عن 5 آلاف مليون دولار على الأقل بعنوان مساعدات وهبات في الخزينة التونسية لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار وإنقاذ الدولة من الإفلاس. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن تونس تجد صعوبة بالغة في الاقتراض بسبب النزول المستمر لتصنيفها الائتماني، فكيف بالهبات والمساعدات لاسيما إذا كانت بهذه الضخامة؟

في السياق ذاته، كانت التقديرات الرسمية للنمو الاقتصادي التي توقعتها الحكومة التونسية الجديدة وأعلن عنها رئيسها الحبيب الصيد في فبراير الماضي في حدود 1.8 بالمئة. غير أن المجلس الأعلى للتحاليل الاقتصادية قدّم تقريرا يفيد بأن هذه النسبة نزلت إلى مستوى 0.5 بالمئة اليوم ويمكن أن تنغلق سنة 2015 بمستوى نمو يصل إلى صفر بالمئة. بينما بلغت نسبة التضخم حسب نفس المصدر 4.2 بالمئة وهو ما يعني تدحرج المقدرة الشرائية للمواطن التونسي بنسبة 3.7 بالمئة عمّا كانت عليه.

في ظلّ هذا الوضع الصعب الذي يعيشه الاقتصاد التونسي، تنتظم منذ أسبوعين المفاوضات العامة بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل للزيادة في أجور موظفي الدولة والوظيفة العمومية فيما اصطلح على تسميته بمفاوضات 4 زائد 4. ولقد رشحت عن هذه المفاوضات خلافات كبيرة لاسيما في تقدير قيمة الزيادة وتاريخ صرفها. فالحكومة ترغب في المحافظة على نفس زيادة 2014 ليكون صرفها ابتداء من يناير 2016. بينما الاتحاد العام التونسي للشغل يطالب بالترفيع في الزيادة لمواجهة ارتفاع التضخّم وغلاء الأسعار ليكون صرف الزيادة منذ مطلع أكتوبر 2015.

في هذا المناخ تمّ عرض قانون المصالحة الاقتصادية المتعلق بالعفو عن رجال أعمال ورجال دولة ارتكبوا الفساد المالي والإداري في تونس. وهو القانون الذي يجد صدّا من قبل المعارضة التونسية ومنظمات المجتمع المدني. ويطالب الاتحاد العام التونسي للشغل بسحبه من لجنة التشريع العام في مجلس نواب الشعب.

وقد بدأت قوى المعارضة والمجتمع المدني في تنظيم مظاهرات شعبية بمختلف المناطق التونسية رفضا لهذا القانون. ومما زاد المناخ الاجتماعي توترا ما لقيته هذه المظاهرات السلمية من قمع وعنف من قبل قوات الأمن بدعوى مفعول قانون الطوارئ الذي يمنع التظاهر.

وما لم يجد له التونسيون تفسيرا هو أن السلطات التونسية التي توشك على إعلان الإفلاس لا تحفل بالحلول الجوهرية وتلتجئ إلى حلول إشكالية خالية من أدنى درجات الوفاق مثل قانون المصالحة الاقتصادية والمالية المتسرع.

من الحلول التي يمكن أن توفر سيولة دائمة للدولة الإجراءات والقوانين الكفيلة بتحقيق العدالة الجبائية. فمن مفارقات الجباية التونسية أن أصحاب مهن ضعيفة مثل عمال النظافة يدفعون ضرائب أكبر مما يدفعه أصحاب مهن ذات دخل مرتفع مثل الأطباء والمحامين والمهندسين. ويبقى الأجراء وموظفو الدولة هم الذين يحملون الحمل الضريبي في تونس بنسبة 92 بالمئة من جملة مداخيل الدولة الضريبية.

بينما يبلغ التهرّب الضريبي حدّا كبيرا في ما يتعلق بالشركات. فأكثر من 40 بالمئة من الشركات في تونس لا تدفع الضرائب وأكثر من 60 بالمئة من الشركات الموجهة للتصدير الكلي معفاة من الضرائب بفعل اتفاقات وقوانين قديمة ومشبوهة. كما أن 616 ألف شركة تونسية نتائج 20 بالمئة منها سلبية و1 بالمئة فقط من الشركات توفر 80 بالمئة من المداخيل الجبائية للشركات في تونس.

هذا الواقع المأزوم الذي تعيشه المالية التونسية لم تتجرأ الحكومة على مواجهته بالإجراءات المناسبة له والمتمثلة في وضع القوانين والإستراتيجيات اللازمة لاستخلاص حق الدولة الضريبي الذي يجب أن يوظف على المهن المترفة وعلى الشركات التونسية والأجنبية المنتصبة في تونس والتي تتمتع بتسهيلات ديوانية وإدارية وبنكية خرافية، مقابل خدمات تشغيلية هشة لا تلتزم في الغالب بضمان الحد الأدنى من حقوق العمال.

هذا العجز الذي أبدته السلطات التونسية في استخلاص الجباية المهدورة عند أصحاب رأس المال والأثرياء يضاف إليه عجز كبير آخر أبدته السلطات التونسية تمثل في الفشل في مقاومة التهريب الذي يدير أكثر من 50 بالمئة من الاقتصاد التونسي خارج مراقبة الدولة ودون أي مدخول ضريبي لها. هذا إضافة إلى ما يمثّله التهريب من خطر كبير على تونس، إذ هو صنو الإرهاب الذي يؤذي تونس.

هذا الوهن الذي بدت عليه الحكومة التونسية في التعامل مع المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الكبرى هو الذي يحرّك الشارع التونسي وينمي حالة الترقب والارتياب.

كاتب وباحث سياسي تونسي

9