أزمة تونس تشريعية قبل أن تكون قيادية

الأزمة التشريعية حاضرة مهما حاول الكثيرون التنصل منها، لكن هذا لا يعفي الطبقة السياسية من مسؤولية الارتباك الحاصل ولا يرفع عنها صك البراءة في ما ستؤول إليه الأوضاع في قادم الأيام.
الجمعة 2021/02/05
السير في اتجاه والمواقف في اتجاه آخر

لا يختلف اثنان على أن الأزمة التي ترزح تحتها تونس مركبة ولا يمكن فصل إحداها عن الأخرى. اختلط فيها السياسي مع القانوني مع الأيديولوجي لتتكشّف جميعها عن حالة من المرض العضال الذي يصعب الشفاء منه بسهولة، لكنها بدرجة أولى تشريعية قبل أن تكون قيادية. تشريعية لجهة نظام الحكم الهجين (برلماني معدل) الذي أثبت عدم جدواه منذ فترة طويلة وبدّد أي أمل في النهوض بواقع تونس السياسي.

هنا يتساءل البعض عن الغاية من وضع هذا النظام في البداية: هل كان خيارا مقصودا من الذين أخذوا على عاتقهم مشروع صياغة الدستور التونسي الجديد في 2011، وأولهم حركة النهضة، أبرز حزب مستفيد من حالة الفراغ القانوني التي تعيشها البلاد اليوم؟ فيما يرى بعض المحللين أنه لم يكن هناك مسعى جادّ من البداية لتركيز مؤسسات دستورية بإمكانها أن تلجم جميع الأطراف السياسية عند الحياد عن الطريق السليم. وهو ما ظهر في أكثر من مرة تجد فيها الأطراف السياسية الفاعلة نفسها أمام أزمة قانونية يتباين فيها السجال حول تأويل فصول الدستور. هذا الجانب أيضا يرى مراقبون أنه مدروس بعناية من كل الذين أسسوا لدستور 2014، وأولهم حزب النهضة باعتباره يشكل أكبر الكتل البرلمانية منذ 2011 وإلى غاية اليوم.

لا شيء يعكس حقيقة هذا الوضع سوى ما يطفو على سطح الأحداث في تونس هذه الأيام من سجال عن الأزمة القانونية بين رؤوس السلطات الثلاث، والتي بلغت مداها بعد مرور التعديل الوزاري لرئيس الحكومة هشام المشيشي ولا تزال أطوارها تتفاعل منذرة بارتدادات عميقة على المشهد السياسي، زادها رئيس الجمهورية تأصيلا ومناكفة بتمسكه بموقفه الرافض لأداء الوزراء الجدد لليمين الدستورية.

هذا السجال بدا في منطلقه قانونيا قبل أن يفضي إلى حالة من “الاحتراب” الداخلي، بدليل أنه في غياب هيئة رقابية ممثلة في المحكمة الدستورية، التي أريد لها ألا ترى النور من أطراف بعينها أولها حركة النهضة المتهمة بعرقلتها، بات رئيس الجمهورية هو المؤهل دستوريا لتأويل الدستور بما خلفه ذلك من قراءات عكسية لخصومه، على كثرتهم، بدءا ببعض الكتل المتوافقة مع حركة النهضة (ائتلاف الكرامة وقلب تونس) التي لوحت بفرضية عزل الرئيس أثناء جلسة منح الثقة، مرورا بالسجال الذي خلفه زعيم الحركة راشد الغنوشي الذي اعتبر دور الرئيس “رمزيا”، وليس انتهاء بالمتصيّدين من وراء الكواليس لأي هفوة للرئيس سعيد للنفخ في شقوق الأزمة لمزيد تعميقها، وتتالت قراءاتهم هم كذلك بعد مرور التعديل الوزاري.

وبعيدا عن النظريات التي تعلّق الأزمة على هذا الطرف أو ذاك، فإن مراقبا حصيفا لا يمكنه أن ينكر حقيقة أن نظام الحكم هو ما يقف وراء وضعية الترذيل السياسي التي بلغتها تونس، وإلا بماذا يفسّر البعض سياسة الذهاب إلى الحواف التي باتت تتعامل بها رؤوس الحكم في تونس؟ متى يعود الرشد إلى هذه الطبقة المراهقة لوضع حد لمشاكلها السياسية والانكباب على اقتراح حلول للوضع الاجتماعي القابل للانفجار في أي لحظة؟ ألم يقرأ هؤلاء الرسالة الأخيرة للحراك الشبابي المنتفض قبل أسبوعين دفاعا عن حقه في التشغيل والتنمية؟

تعيد حالة “الشدّ السياسي”، إن جاز التعبير أن نسمّيها، إلى الواجهة سيناريو الخصومة بين يوسف الشاهد والرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، لكن هذه المرة بثلاثة رؤوس عوضا عن اثنين. الطرف الثالث الذي حرّك اللعبة بين الشاهد والرئيس الراحل قائد السبسي يدخل اليوم على الخط باعتباره ممثلا لسلطة ثالثة هي البرلمان. حافظ الرئيس السابق لمجلس النواب محمد الناصر على حياديته وكان رجل مرحلة بامتياز لجهة الطبيعة الهادئة التي ميّزته ومحاولته تقريب وجهات النظر بين الأطراف السياسية الحاكمة التي دبّت الخلافات بينها في كل مرة يطرح فيها تعديل وزاري، لكن لم تصل إلى مرحلة انسداد سياسي كالتي تعيشها تونس اليوم.

بدت الأزمة السياسية مكرّرة ولم تبارح مربع الخصومة والتدافع على المكاسب، لكن هذه المرة بوجوه ولاعبين جدد هم حصيلة إفرازات انتخابات لكنهم أيضا نتيجة لقانون انتخابي يعاني من ثغرات كبيرة، ما أنتج شتاتا برلمانيا عمّق الأزمة أكثر. ودائما تبدو الأزمة التشريعية حاضرة مهما حاول الكثيرون التنصل منها، لكن هذا لا يعفي الطبقة السياسية من مسؤولية الارتباك الحاصل ولا يرفع عنها صك البراءة في ما ستؤول إليه الأوضاع في قادم الأيام.

ليس هكذا تُبنى الديمقراطيات في عالم ينظر إلى تجربة استثنائية حاد بها سياسيوها عن هذا النهج وبات همّهم الوحيد تعميق الأزمة إلى ما لا نهاية. ماذا ينتظر التونسيون بعد كل هذه الخصومات التي لا تنفك تنتهي إحداها إلا وتتفجّر أخرى تزيد الوضع تعقيدا ولا يتربّح منها سوى دعاة الفوضى والفراغ ولوبيات الفساد الناشطة في كل مكان؟

الدور موكول الآن إلى العقلاء الذين تحدّثت دوائر مطلعة خلال الأيام الماضية عن كونهم يسرّعون من تحركاتهم لتطييب الخواطر وتهدئة الأجواء المشحونة ومحاولة ترميم الشرخ الحاصل بين الرئاسات الثلاث في حال عاد إلى هؤلاء رشدهم واتفقوا على أن يضعوا مصلحة تونس أولا. وإن اتفقوا، فالرجاء كل الرجاء أن يتفقوا أولا وأخيرا على البتّ في مسألة بعث المحكمة الدستورية المفتاح لحل كل الأزمات التي مرت بها تونس منذ عشر سنوات، والتي لا يبدو أنه لا محيد عنها في ظل نظام حكم برلماني معدل أثبت فشله ليس فقط في تونس.

7