أزمة تيار المستقبل: جمود سياسي وضائقة مالية وتقوقع على زمن رفيق الحريري

يمر تيار المستقبل بانتكاسة وصفها مراقبون بأنها الأكبر منذ رحيل مؤسسه رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وهي نتيجة لعدّة أسباب، منها ما يتعلّق بالحزب في حد ذاته، وكانت نتاجا لأزمته المالية والسياسية والشعبية، ومنها ما يتعلّق بالوضعين اللبناني والإقليمي. وكل هذه الأسباب تستوجب، وفق مراقبين، وقفة حازمة من التيار لمراجعة سياسته والسعي إلى تجاوز مرحلة الرئيس رفيق الحريري لبناء مرحلة جديدة تكون مكمّلة لمختلف إنجازاته.
الأربعاء 2015/11/11
شرخ كبير بين التيار والشارع

بيروت- تيار المستقبل في أزمة، حقيقة لا تحتمل النقاش، لكن ما يحتاجه النقاش فعليا هو تحديد طبيعة هذه الأزمة وأسبابها، وهل هي جوهرية أو عابرة، وهل يسيطر عليها ويفسرها العنوان المالي وحسب، أم أنها تنطوي على أبعاد سياسية تتعلق بالاختلالات الحادة في تحديد الهوية والانتماء والدور؟ يضاف إلى ذلك تساؤل حول وجود تناقض بين الشكل الذي يقدم فيه تيار المستقبل نفسه وبين المزاج السني العام، وهل يمثل تيار المستقبل مجرد حالة لا تتجاوز حدودها وتأثيراتها الساحة اللبنانية، وهل لا يزال عنوان الاعتدال قادرا على تقديم مشروع سياسي واجتماعي صالح للعيش في زمن التطرفات العامة؟

بدأت أزمة تيار المستقبل الفعلية منذ لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حيث بدا التيار، على خلفية تداعيات ذلك، وكأنه لم يكن سوى ظل رفيق الحريري. ولم تقتصر مشكلة التيار على عدم القدرة على صناعة شخصية توازي القائد الراحل، بل تجلّت أيضا في عدم القدرة على استثمار ما كان يمثله الحريري من ثقل محلي وإقليمي ودولي في صناعة مشروع سياسي واجتماعي قابل للحياة.

وبدا تجمع الرابع عشر من آذار، الذي كان تيار المستقبل يمثل عصبه وروحه وكأنه منقسم دوما إلى مشهدين غير متوازيين؛ فمن ناحية هناك وجوه سياسية مترهلة باحثة عن إعادة إنتاج لنفسها، ومن ناحية أخرى هناك الزخم الشعبي العارم الذي تميز، كما اعترف النائب وليد جنبلاط مرارا، بقدرته على تجاوز السياسيين. لكن، ذلك الزخم الشعبي راح يذوي شيئا فشيئا تحت تأثير موجات متتالية من الإحباطات الناتجة من عنف الهجمة الأمنية والاغتيالات التي طالت عددا من أبرز قيادات تيار المستقبل وقوى الرابع عشر من آذار، وكذلك بسبب تناقض طموحات اللبنانيين مع واقع الأداء السياسي للتيار.

غياب التواصل يجعل الممارسة السياسية لتيار المستقبل لا تنطق بطموح جمهوره ولا بآماله في الكثير من المرات

وتشهد بذلك مجموعة من السياسيين والخبراء المعنيين بأزمة تيار المستقبل، الذين تحدّثت معهم “العرب”، على غرار عضو المكتب السياسي والنائب السابق مصطفى علوش، الذي يرجع تاريخ الأزمة إلى سنة 2009 مع ذهاب الرئيس الحريري إلى سوريا وظهور التفاهم السعودي السوري، والذي أطلق عليه آنذاك تسمية “السين سين”. بعد ذلك انطلقت الثورة السورية التي تسبّبت بإحباطات كبرى، كما أن تحالف الرابع عشر من آذار لم يعد كما كان، يضاف إلى ذلك غياب الرئيس الحريري عن لبنان، وسبب أقل أهمية وهو الأزمة المالية.

يضيف علوش، في تصريحات لـ”العرب”، قائلا إنه بعد ظهور الإسلام المتطرف ساد شعور عند البعض بأن تيار المستقبل غير قادر على المواجهة، في حين أن الطرف الآخر مسلح ويقاتل. والمشكلة أن هذا التيار هو تيار تسويات، وبما أن تيار المستقبل الذي ينمو في وسط سني، يبني ممارسة سياسية تقوم على أولوية القضايا، فإن ذلك قد تسبب بنشوء شعور بأنه لا ينطق باسم السنة ولا يمثّلهم.

ويعترف أن علاقة التيار بحلفائه هي جزء من الأزمة، مشيرا إلى أن تيار المستقبل أساء التعامل مع حلفائه في مرات عديدة وتركهم وراءه. وقد فعل ذلك حين اتخذ تيار المستقبل قرار “السين سين” وحده دون التشاور مع وليد جنبلاط ولا مع غيره من مكونات حلف الرابع عشر من آذار. وقال إن تيار المستقبل بات في مشكلة فعلية مع حلفائه المسيحيين، ويجب عليه الاعتراف بها حتى يشرع في إصلاحها.

والسبب، وفق مصطفى علوش، يعود إلى عدم التواصل أكثر من أي شيء آخر. ووصلت القوى المسيحية مع اندلاع الثورة السورية إلى إحساس عام بأن المنطقة ذاهبة إلى تقسيمات طائفية، وبعد ظهور داعش سادت رؤية عند القوى المسيحية وغيرها، مفادها أن العودة إلى المبادئ التي قام عليها تحالف الرابع عشر من آذار إبان لحظة انطلاقه عام 2005 باتت صعبة بعض الشيء.

القوى المسيحية وصلت مع اندلاع الثورة السورية إلى إحساس عام بأن المنطقة ذاهبة إلى تقسيمات طائفية

ويرسم النائب السابق عن تيار المستقبل رؤية للخروج من الأزمة، معتبرا أنه لا حل سوى الركون إلى التحررية والليبرالية ضمن رؤية إسلامية وسنية، تخالف الإسلام المتحجّر وتؤمّن شروط العيش في مجتمع متحرر.

ويقول، في هذا السياق، إن “خيارنا، منذ أيام رفيق الحريري، أنه إذا كان تيار المستقبل سيكون مجرد تيار سني، فالأفضل ألا يكون. لا أعتقد أن مصلحة السنة في التقوقع وحصر أنفسهم في تيار، لأن ذلك سيكون مقتلا لهم وللمنطقة”. ويرى علوش أنه على تيار المستقبل الإعلان عن خلفيته الفلسفية السياسية التي كانت ملتبسة في كل المراحل، وألا يخجل من منطق الليبرالية لأن هذا هو الأمر الوحيد الذي يمكنه أن يشكّل خيارا للبنان والمنطقة. والأنظمة التي تجمّد نفسها في إطار يحدد مرجعية الدولة في ناموس واحد أو دين واحد، ستصل إلى أزمة مفتوحة في وقت من الأوقات.

الأزمة مالية وليست سياسية

على عكس مصطفى علوش، ترى دموع شرقاوي، العضوة في قطاع الشباب، أن أزمة تيار المستقبل مالية وليست سياسية، وسببها يعود إلى تمويل السعودية لحربين في سوريا واليمن، ما تسبّب بعدم دفعها للمستحقات المالية العائدة للشركات الكبرى مثل سعودي أوجيه و”بن لادن”، حيث ترتبط رواتب موظفي تيار المستقبل بهذه الشركات. ولكن لا يبدو أن هذه الأزمة ستطول كثيرا، حيث صرّحت شرقاوي لـ”العرب” قائلة “لقد علمنا من مصادر سعودية أن هذه الأزمة ستنتهي قريبا”.

وتؤكد شرقاوي على أن الأزمة المالية لم تنعكس سلبا على حضور التيار السياسي بشكل كبير. وتعتبر أن التيار يعاني حالة من الخمول، بسبب فقدانه للرئيس سعد الحريري ولكن ليس هناك أي تراجع على مستوى الأداء السياسي للتيار. ويمكن رصد علامات صحة التيار السياسية من خلال جملة من الوقائع التي من أبرزها أنه لم تسجل أي استقالة في صفوف الجهاز اﻹداري والمستوى التنظيمي في أي منطقة أو أي قطاع مركزي؛ ولم تتوقف النشاطات الداخلية، كما أن العديد من القطاعات تنفذ أنشطتها بقدرات مالية بسيطة، أو مجانية أو يقوم اﻷعضاء بتغطيتها ذاتيا أو من خلال برامج تمويل من منظمات دولية وإقليمية في إطار اتفاقيات التعاون والشراكة التي تجمعها بتيار المستقبل.

مصطفى علوش: إذا اختار تيار المستقبل أن يكون مجرد تيار سني فالأفضل ألا يكون

وتختم شرقاوي تصريحها مؤكّدة عدم وجود أزمة خيارات سياسية بين تيار المستقبل وجمهوره، لكن مي المصري، وهي بدورها عضوة في قطاع الشباب، لا تشاطر الشرقاوي الرأي وتؤكّد وجود أزمة فعلية لدى تيار المستقبل. وجوهر هذه الأزمة هي الشرخ الكبير بين الشارع وتيار المستقبل، وقد ساهمت أزمة النفايات في كشف هذا الشرخ.

المصري تقول في تصريحات لـ”العرب”، إنه وبغض النظر عن جميع الأزمات السابقة، بات واضحا أن تيار المستقبل لم يعد قادرا على تحريك الشارع، بل لم يعد قادرا على التحاور معه. وبدأ هذا الشرخ يقلق البعض حول موقع التيار ومكانته أمام جمهوره، خصوصا أن لبنان يعيش زمن المزايدات السياسية، فيما يستغلّ المتشددون السنة المعارضون لسياسة الاعتدال أزمة تيار المستقبل.

وترى كذلك أن جزءا من أزمة التيار يكمن في الاتكاء المطلق على أمجاد الرئيس رفيق الحريري. وتعتبر أنه يجب على التيار الكف عن الاعتماد التام على إنجازاته والكف عن ادعاء وراثة أمجاده، بل يجب عليه العمل الجاد لتفعيل هذه الإنجازات وتجديد الأمجاد وصبها في إطار استكمال مشروع رفيق الحريري. وواجب التيار أن يعمل على إعادة تفعيل تراث الحريري في إطار متجدد، وما لم يفعل ذلك، فإن الأزمة ستكبر وتتضخم أكثر فأكثر.

خطورة غياب التواصل

الخلاصة التي يمكن التوصل إليها تقول إن غياب التواصل يشكل العامل الأكبر المؤسس لأزمة التيار، حيث لا تقتصر آثاره وتداعياته السلبية على التنظيم الداخلي للتيار، بل تتعدى ذلك لتتسبّب بخلل في تحالفاته، وخصوصا مع حلفائه المسيحيين. وهذا الأمر برز جليا مع مواقف سمير جعجع التي صدرت مؤخّرا، والتي تنطوي على عتاب كبير موجه للتيار، وتعبر عن إحساس مسيحي بتجاهل تيار المستقبل لمطالبهم وحقوقهم، وعدم السعي إلى طمأنتهم على مصيرهم في ظل صعود موجات التطرف السني المنادية بتكفيرهم وذبحهم وتهجيرهم.

وجعل غياب التواصل، الممارسة السياسية للتيار لا تنطق بطموح جمهوره ولا بآماله في الكثير من المرات. وساهمت لحظة صعود التطرف في إبراز خطورة غياب التواصل بين التيار وجمهوره الذي كان قد عانى من صدمات قاسية ومتواصلة وبات يرى نفسه عاجزا في ظل تغوّل حزب الله، وراح جزء منه يطالب بالركون إلى الفعل المسلح، أو يرى على الأقل أن الرد المسلح حاجة وضرورة.

تيار المستقبل إذا ما فقد حضوره في الساحة المسيحية فسوف يتقلص إلى مجرد مكون طائفي لا ينطق بلسان طائفة بكاملها

وفشل تيار المستقبل كذلك في تقديم رؤية واضحة لمفهوم الاعتدال الذي ينادي به، والذي لم يتبلور في إطار سياسي واجتماعي واضح، بل بقي مجرّد يوتوبيا لا يمكنها التحقق في عالم الممكن. ووجد الجمهور نفسه مع حوار تيار المستقبل وحزب الله والذي لم ينتج عنه أي شيء، في وضع يستعيد فيه ذكرى رحلة سعد الحريري إلى سوريا التي استتبعت بإسقاط حكومته وتغييبه عن لبنان تحت طائلة الاغتيال.

ويمكن الاستدلال على ذلك بعدم تصويت أنصار القوات اللبنانية لمرشح تيار المستقبل في انتخابات نقابة المحامين الفرعية في الشمال، وهو ما أدى إلى فوز مرشح قوى الثامن من آذار. وليس هذا المؤشر عابرا بل يحمل دلالة خطيرة، لأن تيار المستقبل إذا ما فقد حضوره في الساحة المسيحية فسوف يتقلص إلى مجرد مكون طائفي لا ينطق بلسان طائفة بكاملها، بل سيتحول إلى فصيل سني يمكن بسهولة إلغاء دوره وحضوره.

ويجدر هنا التأكيد على وجاهة ما نادى به مصطفى علوش في مقاربته لأزمة التيار لناحية ضرورة التأكيد على ليبراليته والإعلان الواضح على أنه ليس تيارا سنيا. فهل يمكن لتيار المستقبل الخروج من سنيته، وهل يمكنه جر سنة لبنان إلى ليبراليته في ظل الصعود الحاد للهويات الطائفية الذي تشهده المنطقة؛ الإجابة على هذا السؤال تبقى معلقة في انتظار ما ستسفر عنه اللحظة المأزومة والآيلة على الدوام للمزيد من الاشتعال.

7