أزمة ثقة مزمنة تحكم علاقة المجتمعات العربية بالحكومات

الثقة بالحكومة تعتبر القوة المحركة للتنمية في البلاد، لأنها تزيد من استجابة الشعوب للقرارات وامتثالها للنظام.
السبت 2020/08/22
في انتظار التعليمات الحكومية

ليس سرا أن العالم العربي يعاني من أزمة حوكمة مزمنة ومستمرة. وشكل وباء فايروس كورونا تحديا جديدا ونوعيا للحكومات العربية، وتفاوت أداء هذه الحكومات في التصدي له. وقد كشفت الأزمة أن المجتمعات العربية وصلت إلى مرحلة عالية من عدم الثقة بأنظمتها، وتعتقد أن الدعوات التي توجهها إليها بضرورة المكوث بالبيت أو اتباع الإرشادات الصحية، هي مجرد دعوات كاذبة.

لندن - تأثرت معظم شعوب العالم بفايروس كورونا، حيث ضرب المجتمعات وأفرغ شوارع مدن العالم الكبرى من سكانها، لكن مواطنين عرب يواجهون الأزمة باللامبالاة تارة وبالسخرية والنكات تارة أخرى.

وإن كان حال معظم شعوب العالم هو إدراك خطورة الوضع والدخول في حجر صحي طوعي بالمنازل، فإن دول العالم العربي شهدت حالات عدم التزام بتدابير الحكومات وتعليمات منظمة الصحة العالمية.

ولعل أبرز تلك التعليمات هو التزام المنازل، ما استوجب فرض حظر تجوال في دول عديدة، ومنع التجمعات العامة وإغلاق المساجد والكنائس والمقاهي، وارتداء القفازات والكمامات، والحفاظ على مسافة مناسبة عند التعامل مع الآخرين وجها لوجه.

ورغم التعليمات الصادرة عن جهات رسمية ومراجع طبية دولية بارزة، إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي حفلت بمشاهد صادمة تخالف تلك التعليمات، مما طرح تساؤلات عن الدوافع، إن كانت حالة هروب من الواقع أم فقدان للثقة بالأنظمة.

اللامبالاة

السخرية من جائحة كورونا كشفت الاستسلام الطوعي للشعوب
السخرية من جائحة كورونا كشفت الاستسلام الطوعي للشعوب

تواصلت في العراق التجمعات، خاصة في المدن الموجودة بها أماكن مقدسة، حيث أقيمت صلوات، وتم توزيع أطعمة، من دون الاعتبار للتعليمات وحظر التجوال. وفي سوريا، اصطف مواطنون في طوابير أمام مخابز بانتظار شراء الخبز، أو أمام مصارف لاستلام الرواتب، دون مراعاة للمسافة المطلوبة بينهم وعدم الاحتكاك بالآخرين. وفي مصر، تجمع أناس داخل مكان ما وهم يدخنون النرجيلة ويتسامرون وكأنهم في مقهى، في خرق لمنع التجمعات.

وتوجد أمثلة عديدة لهذه الحالات في دول عربية أخرى، في ظل أخبار متكررة عن هروب مصابين من الحجر الصحي، من دون مراعاة للتعليمات، معرضين المجتمع لمخاطر كبيرة. ويقول نظير الكندوري، كاتب وباحث عراقي، عن هذه الظاهرة “من الغريب أن التزام الشعوب العربية بالحجر الطوعي أو الإجباري لا يرتقي إلى مستوى الكارثة التي يشكلها انتشار الفايروس في العالم والبلدان العربية”.

وأضاف “تجدهم يتعاملون مع هذا الوباء بلامبالاة وعدم اهتمام كبير، فتلك الشعوب وصلت إلى مرحلة عالية من عدم الثقة بأنظمتها، وتعتقد أن الدعوات التي توجهها إليها بضرورة المكوث بالبيت أو اتباع الإرشادات الصحية، هي مجرد دعوات كاذبة”.

وتابع “هم يعتقدون أن السلطة تبتغي من دعواتها زيادة سيطرتها على تلك الشعوب، وحال تلك الشعوب في تعاملها مع أنظمتها يشابه القصة الشعبية، وهي قصة الراعي الكاذب، حينما ينادي كذبا بهجوم الذئاب على غنمه، لكنه حينما يكون صادقا بإنذاره من هجوم الذئاب، لا يصدقه الناس؛ لأنهم لا يثقون به”.

وأردف أن “الفساد جعل الأنظمة الصحية بأسوء حال لها، حتى فقدت قدرتها على التعامل مع أزمة صحية كبرى بحجم هذا الفايروس، ما جعل هناك حالة استسلام لدى الشعب العراقي والشعوب العربية عامة لمفهوم القدرية وأن كل شيء يحصل لهم هو قدر من الله، فما هو الداعي لاتخاذ الإجراءات الصحية”. وزاد بأن هذا “يعبر عن حالة اليأس والاستسلام أمام الكوارث، وهي ناتجة عن عدم قناعتهم (المواطنون) بقدرة النظام الموجود على التعامل مع هذه الكارثة”.

أما ياسر عبدالعزيز، كاتب مصري، فذهب إلى أنه “بعد اجتياح فايروس كورونا البلاد العربية، سارعت الحكومات والمنظومات الصحية إلى توجيه شعوبها إلى بعض النصائح التي عليها الالتزام بها للحد من انتشار الوباء، ومع ذلك لم تجد تلك النصائح آذانا صاغية من الشعوب”.

وأردف عبدالعزيز “في المقابل، الناشطون وجهوا النصائح والتعليمات عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلال مدوناتهم أو بتسجيل مقاطع مصورة، وهو ما حظي بردود أفعال إيجابية لدى الشعوب، وتداولوها عبر هواتفهم أو حساباتهم الشخصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي”.

وبرر ذلك بأن “هذه الشعوب أُفقرت منذ استقلالها على يد من حكموها، ولم تعد تستطيع تحمل البقاء في البيت من دون عمل، فمعظم شعوب المنطقة، إن لم تكن كلها، تواجه الكثير من الظروف الداخلية الصعبة، وتعاني الأمرّين في البحث عن لقمة العيش”.

وتابع “حدثت عمليات تجهيل وتهميش ممنهجة من جانب تلك الحكومات، ما خلف حالة من اللامبالاة لدى تلك الشعوب، فمثلا في مصر، استخف النظام بالفايروس في بادئ الأمر وأطلق جوقته من الفنانين والإعلاميين ليسخروا من الوباء، حتى قال أحدهم (كورونا لو جالنا – جاءنا- مصر أحنا اللي هانجبله – سنصيبه- كورونا)”.

وربط الكاتب المصري حالة التجاهل هذه بـ”التجهيل والإفقار وافتقاد الثقة بين الشعوب وحكامها، سواء في مصر أو في بقية الدول العربية، حيث جعلت الشعوب لا تلتزم بالتعليمات الصحية التي توجهها الأنظمة الصحية والسياسية للشعب، فالشعوب تنتحر في هذه الأنظمة، وتقاومه بالطرفة”.

ويقول مراقبون إن غياب المعلومة الحقيقية يقود الناس إلى “الاعتقاد بوجود مؤامرة داخلية أو خارجية.. نقل صور واقعية ممكن أن يؤثر، وفي سوريا الشعب فقد ثقته بكل شيء يصدر من النظام في دمشق، وأصبح لا يبالي لأن الموت أتى كثيرا بنسب عالية خلال السنوات السابقة، فالناس لا تبالي باقتراب الموت من كورونا”.

تدابير لم تتغير

لقمة العيش الأهم
لقمة العيش الأهم

تعتبر الثقة بالحكومة هي القوة المحركة للتنمية الاقتصادية للبلاد؛ لأنها تزيد من استجابة الشعوب للقرارات الحكومية وامتثاله للوائح والنظام الضريبي.

ويقاس مستوى الثقة بحكومة البلاد بقدرتها على حماية مواطنيها من المخاطر، وما إذا كانت قادرة على تقديم الخدمات العامة بشكل فعال أم لا.

وعلى مدى عقود، كان علماء السياسة يقيسون ثقة الجمهور بالحكومة باستخدام تدابير لم تتغير إلى حدٍّ كبير منذ الستينيات، دون أخذ التغيرات الهائلة التي شهدها العالم طوال تلك الفترة بعين الاعتبار.

واعتمد علماء السياسة على ثلاثة مفاهيم لقياس مدى الثقة بالحكومة، وهي قدرة الحكومات على أداء عملها، ونزعتها للخير في رعاية الشعب، وتحلِّيها بالنزاهة لتحقيق ما يصب في مصلحة الجماهير، هي ثلاثة تقييمات قد تساعد تلك الحكومات على اكتساب ثقة المواطن.

وفي حين تتدنى نسب الثقة في الحكومات في العالم العربي، تبقى تلك النسب أعلى من غيرها من المؤسسات السياسية التي من المفترض أن تكون أكثر تمثيلا للشعوب (مثل البرلمانات والأحزاب السياسية). كما تتفاوت نسب الثقة في الحكومة من بلد عربي لآخر، فوفقا لبيانات الدورة الخامسة من الباروميتر العربي، تتراوح النسب بصورة كبيرة، من 66 في المئة في مصر إلى 57 في المئة في اليمن، و47 في المئة في الكويت، و38 في المئة في الأردن، و33 في المئة في كل من فلسطين والسودان، و29 في المئة في المغرب، و20 في المئة في تونس، و19 في المئة في كل من لبنان والعراق، وأخيرا 10 في المئة فقط في ليبيا.

وتتضارب الدراسات بشأن الثقة في أداء الحكومات حول العالم بعد تفشي فايروس كورونا. وكشفت نتائج دراسة حديثة أن أزمة تفشي الفايروس ساهمت في تعزيز الثقة في أداء الحكومات حول العالم، حيث أصبحت الشعوب أكثر إيمانا بأن حكوماتها ستفعل الصواب في سبيل مكافحة الجائحة وتحجيم أضرارها.

ورصدت دراسة “مؤشر إيدلمان للثقة” التي أعدتها شركة “إيدلمان “ للاتصالات والاستشارات الدولية، واستطلعت آراء أكثر من 13 ألف شخص في 11 دولة، ارتفاعا قياسيا في مؤشر ثقة الشعوب بحكوماتها خلال أزمة تفشي كورونا وقال المدير التنفيذي للشركة ريتشارد إيدلمان، في بيان أوردته شبكة “سي.إن.بي.سي” الأميركية إنه “في مواجهة واحدة من أكبر الأزمات الصحية والمالية في التاريخ، يلجأ الناس إلى حكوماتهم من أجل القيادة والتزود بالأمل”.

ويذكر أن شركة إيدلمان تصدر تقريرها حول مؤشر الثقة خلال فترة انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي بداية العام، إلا أنها قامت بإعداد تقرير إضافي في محاولة لفهم مدى تأثير الفايروس على مؤشر ثقة الشعوب.

وتناقض دراسة “مؤشر إيدلمان للثقة” دراسة أخرى نشرتها شركة “كيكست-سي.إن.سي”، أفادت أن تأييد الحكومات في إدارة استجابتها لأزمة كورونا، يتضاءل في العديد من البلدان، كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة واليابان.

وأظهرت الدراسة، التي أجريت شهر  يوليو  في ست دول هي فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا واليابان والولايات المتحدة والسويد، هذا الانخفاض، مقارنة بشهر يونيو.

إلا الجيش

التزام نادر
التزام نادر

هل يميل الناس في المنطقة العربية إلى إبداء الثقة بالمؤسسات الشفافة والخالية من الفساد أكثر من غيرها؟ هذا ما قد يتوقعه الخبراء، ولكن يبدو أن العكس هو واقع الحال.

وطبقا لاستطلاع الباروميتر العربي، فإن 49.4 في المئة من الناس في الجزائر والعراق وفلسطين والأردن وتونس والمغرب والكويت والسودان ولبنان ومصر واليمن يُبْدُون قدرا كبيرا من الثقة في قوات بلادهم المسلحة، بينما يُبْدِي 26 في المئة قدرا معقولا من الثقة في قواتهم المسلحة.

وفي نفس الاستطلاع، قال 47.3 في المئة من المستطلعة آراؤهم، ممن كانت لديهم مستويات عالية من الثقة في القوات المسلحة، إن نسب الفساد على المستوى الوطني كبيرة في بلدانهم، بينما اعتبر 52.2 في المئة منهم أن نسب الفساد متوسطة.

وفي مصر، على سبيل المثال، قال 57 في المئة من المصريين المستطلعة آراؤهم عام 2018 إنهم يُولُون الجيش قدرا كبيرا من الثقة، بينما أولى 27.3 في المئة قدرا معقولا من الثقة. المثير للدهشة أن 48 في المئة ممن قالوا إنهم يولون الجيش ثقة كبيرة، كانوا قد أشاروا إلى أن معدلات الفساد في البلاد كبيرة للغاية.

ومن جهة أخرى، اعتبرت غالبية المستطلعة آراؤهم أن هنالك قدرا كبيرا من الفساد على المستوى الوطني (في المؤسسات الرسمية). هذه النسبة كانت 74 في المئة في العراق، 59 في المئة في لبنان، 77 في المئة في ليبيا، 42 في المئة في المغرب، 46 في المئة في السودان، 74 في المئة في تونس و33 في المئة في اليمن.

وبناء على بيانات مؤشر نزاهة قطاع الدفاع الحكومي (GDI)، والذي يقيس خمسة عوامل لخطر الفساد: السياسي والشخصي والعملياتي والمالي والشرائي، فإن الغالبية العظمى من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لديها خطر فساد كبير. يقسّم مؤشر النزاهة خطر الفساد إلى فئات: من A إلى F، بحيث تمثل “F” أعلى درجات الخطر، فيما تمثل “A” أقل درجات الخطر. معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في فئة خطر الفساد الكبير للغاية أو الكبير.

وتصنف الجزائر والأردن ومصر وعمان وقطر والسعودية مصنفة ضمن أعلى فئات خطر الفساد في قطاعها الدفاعي (خطر فساد كبير للغاية)، بينما تصنف الكويت ولبنان وفلسطين في فئة أقل منها بدرجة (خطر فساد كبير).

وبمقارنة هذه البيانات مع بيانات الباروميتر العربي، يجد الخبراء أن الدول ذات خطر الفساد الكبير للغاية أظهرت نسب ثقة عالية في الجيش.

الدول ذات خطر الفساد الكبير للغاية أظهرت نسب ثقة عالية في الجيش
الدول ذات خطر الفساد الكبير للغاية أظهرت نسب ثقة عالية في الجيش

وفي تونس، مثلا،  التي تصُنف في الفئة “D” على مؤشر نزاهة قطاع الدفاع الحكومي، فإن 69 في المئة يثقون بالقوات المسلحة التونسية، بالرغم من أن 74 في المئة من هؤلاء يعتقدون أن الفساد شائع في البلاد، لكن مستوى خطر الفساد في تونس يبدو وكأنه يظهر تحسنا في القطاع الدفاعي.

يعلم كثيرون عن الفساد في الجيش، ولكنهم لا يتكلمون عنه خوفا من العقاب الشديد. كما أن قضايا الفساد لا تتم تغطيتها إعلاميا، وهذا يعني أن أغلب المواطنين يبقون جاهلين بتلك القضايا.

هذه البيانات توضح أن الاعتقاد بوجود فساد على المستوى الوطني في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يمتد إلى قطاع الدفاع والقوات المسلحة.

وتعكس مستويات الثقة العالية تجاه القوات المسلحة مقارنة بالمؤسسات السياسية والقضائية تناقضا في إدراك الفساد.

ويبدو أن المواطنين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يستثنون الجيش من المؤسسات التي يرونها فاسدة، وينظرون له ككيان مستقل عن الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية.

ويقول مراقبون إن هذا الإدراك للقوات المسلحة كمؤسسة فريدة من نوعها يعني فجوة في الثقة بين المؤسسات المدنية والعسكرية في المنطقة.

20