أزمة حادة تمهّد لصدام بين النقابات والحكومة التونسية

بدائل محدودة أمام حكومة الشاهد وضغوط نقابية تفاقم الأوضاع السيئة.
الجمعة 2019/01/18
مقفل على المجهول

تونس - حذر خبراء ومحللون من أن التسليم باستمرار التصعيد بين اتحاد الشغل والحكومة التونسية قد يقود إلى صدام غير محسوب ويزيد من حدة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها تونس منذ ثورة 2011 واستلام طبقة سياسية بلا خبرة إدارة شؤون البلاد.

وكشف الإضراب العام الذي اختار الاتحاد العام التونسي للشغل، شعارا له “السيادة قبل الزيادة”، مساحات التباين بين القوى السياسية والاجتماعية، والائتلاف الحاكم، الذي تحميه حركة النهضة الإسلامية، التي ما زالت تُناور بمصير السلم الاجتماعي في سياق حساباتها المُرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية القادمة.

ونتيجة لتلك المناورات، التي لم تنته فصولها بعد، وجد الائتلاف الحاكم برئاسة يوسف الشاهد نفسه وسط دوامة، سيكون البقاء فيها أصعب بكثير من الخروج منها من دون خسائر سياسية على الصعيدين المرحلي والاستراتيجي، ولن يكون بمقدوره تحمل تبعاتها، وما قد يترتب عليها من تصعيد جديد.

واعتبر عبيد البريكي، المُنسق العام لحركة تونس إلى الأمام، في اتصال هاتفي مع “العرب”، أن مآلات هذا الإضراب تبقى رهينة بتفاعل الحكومة، فإذا واصلت تعنتها، فإن الوضع سيكون خطيرا عليها وعلى البلاد، وإذا ما أدركت تلك المخاطر واستجابت لمطالب اتحاد الشغل، فإنها ستبقى لتواصل مهامها طيلة العام 2019.

منجي الحرباوي: الإضراب يضع نقطة النهاية لسيطرة حركة النهضة على الحكومة
منجي الحرباوي: الإضراب يضع نقطة النهاية لسيطرة حركة النهضة على الحكومة

ويرى الباحث المتخصص في الاقتصاد عزالدين سعيدان أن سبب تفاقم الوضع ووصول الأزمة إلى الإضراب العام سببه “غياب رؤية شاملة” و”إصلاحات هيكلية للاقتصاد”.

وأشار إلى أنه “كان من الأجدى الانطلاق في المفاوضات الاجتماعية قبل تقديم ميزانية 2019 والتي لا تتضمن أي بند للزيادات في الأجور”، منبها في نفس الوقت إلى أن الزيادات “يمكن أن تؤدي إلى التضخم وبالتالي وجب برنامج إصلاحات هيكلية للاقتصاد والتي يمكنها خلق مواطن شغل وتحقيق النمو”.   

وعكست كلمة ألقاها رئيس الحكومة التونسية الليلة قبل الماضية الوضع الحرج الذي تعيشه وعجزها عن تقديم التنازلات التي يمكن أن ترضي اتحاد الشغل وقطاعا واسعا من موظفي القطاع العام.

وقال الشاهد في كلمة مقتضبة بثها التلفزيون الرسمي “سيكون الإضراب الوطني مكلفا للغاية، ولكن لا يمكننا تقديم زيادات لا تتلاءم مع قدرة البلاد”.

وأضاف أن الزيادة التي طرحها الاتحاد العام التونسي للشغل ستزيد التضخم وتؤدي إلى المزيد من الاقتراض أو زيادة الضرائب، وهو ما لا يجب أن يكون.

وتتعرض تونس لضغوط قوية من صندوق النقد الدولي لتجميد الأجور في القطاع العام للمساعدة في الحدّ من عجز الميزانية. كما أن الرهان السياسي للشاهد واعتزامه تشكيل حزب لخوض الانتخابات المقبلة ساهما في تعقيد الأزمة التي صارت لها أوجه عدة.

ويعتقد على نطاق واسع أن الشاهد يدفع ضريبة خلافه مع الحزب الأم نداء تونس وتحالفه مع حركة النهضة الإسلامية، وأن تضخيم الملف السياسي غلب على الخطط الاقتصادية والاجتماعية كما أعاق أي توافق حول رؤية شاملة لإخراج الاقتصاد التونسي من أزمته.

وقال منجي الحرباوي، النائب عن حركة نداء تونس، إن “تونس ستكون بعد هذا الإضراب أمام مرحلة جديدة، باعتبار أن إضرابا بهذا الحجم عادة ما تكون له تبعات سياسية على البلاد”.

وأضاف الحرباوي في تصريح لـ”العرب” أن الإضراب يتزامن مع أزمات مُتعددة ومُركبة ساهم تعنت حركة النهضة الإخوانية في تعميقها منذ أن أجهضت التوقيع على وثيقة قرطاج 2 بعنوان مُخادع هو “الاستقرار الذي رأينا إلى أين أوصل البلاد”.

واعتبر أن هذا الإضراب سيضع نقطة النهاية لمشروع حركة النهضة وتغولها في تونس.

ونفذ الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد)، الخميس، إضرابا عاما، ليوم واحد، بسبب فشل مفاوضاته مع الحكومة لإقرار زيادات في رواتب موظفي وعمال الوظيفة العمومية، والقطاع العام الذين يُقدر عددهم بنحو 650 ألف شخص.

وشبه محمد الحامدي، القيادي بالتيار الديمقراطي المعارض، الإضراب “بأبغض الحلال”. وأشار في تصريح لـ”العرب” إلى أن مطالب الاتحاد مشروعة في الوقت الذي لم يقدم فيه الائتلاف الحاكم مقترحات تعديل المقدرة الشرائية للتونسيين.

احتجاج اللاحل
احتجاج اللاحل

وشمل الإضراب مؤسسات ومنشآت القطاع العام، منها المدارس والكليات والجامعات، والوزارات والإدارات الحكومية، ومختلف القطاعات الخدماتية العامة مثل النقل البري والبحري والجوي والبريد، والكهرباء وتوزيع المياه، وقطاع الصحة، ووسائل الإعلام الرسمية وغيرها من الخدمات الأخرى.

وشل حركة النقل الجوي في مطار تونس قرطاج الدولي، حيث لم تُغادر أي رحلة جوية المطار بعد إلغاء كافة الرحلات الجوية، إلى جانب حركة النقل البري، حيث توقفت القطارات في “محطة برشلونة” أكبر محطة سكك حديدية بتونس العاصمة، بالإضافة إلى توقف حركة المترو، والحافلات وسط العاصمة تونس.

وتوقفت الدروس في المدارس الابتدائية والمعاهد والكليات والجامعات، بالإضافة إلى توقف العمل في المستشفيات ومكاتب البريد، وبقية الخدمات الإدارية الأخرى.

وأكد الاتحاد العام التونسي للشغل، نجاح هذا الإضراب، ولم يتردد أمينه العام نورالدين الطبوبي، في اتهام الحكومة، والائتلاف الحاكم بـ“تجويع الشعب”.

وألمح إلى أن الاتحاد “سيتخذ خطوات تصعيدية أخرى”، في الوقت الذي نظم فيه أنصار الاتحاد مسيرة حاشدة وسط شارع الحبيب بورقيبة، تخللتها شعارات سياسية منها “الاستقالة الاستقالة يا حكومة العمالة”، و”الشعب يريد إسقاط النظام”.

وهاجم الطبوبي حكومة الشاهد قائلا “سنتصدى للخيارات الليبرالية الفاشلة للحكام الجدد” و”سنقلم أظافركم قبل أن تقلموا أظافرنا”.

وتعيد الشعارات السياسية التي رفعت خلال التظاهرة الكبرى إلى الأذهان الشعارات التي رافقت الإضرابات العامة التي نفذها الاتحاد العام التونسي للشغل خلال فترة حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية، والتي ساهمت إلى حدّ كبير في تعديل المشهد السياسي ودخول مرحلة الحوار الوطني.

ولا يستبعد أن يفضي التحرك الواسع للاتحاد، مجددا، إلى تصحيح المُعادلات السياسية الراهنة وإيجاد توازنات جديدة من شأنها أن تقطع مع الانقسامات التي استفادت منها حركة النهضة للسيطرة على الحكومة وتمرير مخططاتها.

1