أزمة حزب نداء تونس إلى أين

الثلاثاء 2015/11/03

تزداد أزمة حزب النداء في تونس استفحالا، إذ تجاوزت خلافاته الداخلية جدرانه المغلقة وبلغت حدّا وصل إلى درجة تبادل التهم والشتائم والتخوين وممارسة العنف ومنع انعقاد اجتماعات حزبية بالقوة. فلقد تم يوم الأحد الأول من نوفمبر منع المكتب التنفيذي للحزب من الاجتماع في أحد نزل الحمامات من قبل ميليشيات قيل أنها مدعومة من قبل مدير الهياكل ونائب رئيس الحزب ونجل رئيس الجمهورية حافظ قائد السبسي ومدير الديوان الرئاسي رضا بلحاج.

ونشر المكتب التنفيذي لنداء تونس رسالة أرسلها نوّاب الحزب من شقّ الأمين العام محسن مرزوق إلى رئيس الجمهورية استغربوا فيها صمته على ما يحدث، وطالبوه بالإفصاح عن موقفه والتدخل لإنقاذ الحزب الذي أسسه. ولكن الرئاسة ردت معربة عن استنكارها لمحاولة حشرها في صراع حزبي.

كيف تعمل هياكل الدولة وفي جلها أفراد من الشقين المتنازعين، فمدير الديوان الرئاسي ينتمي إلى شق ابن الرئيس، والممثل الشخصي لرئيس الجمهورية منضم إلى شق الأمين العام. والوزراء منقسمون بين الشقين، وهو ما يشلّ عمل الحكومة ورئاسة الجمهورية. ولكنّ الأخطر هو ما أعلنت عنه القيادية بالحزب بشرى بلحاج حميدة من أن 30 نائبا للحزب في البرلمان يرغبون في مغادرة كتلتهم. وهو ما يعني دخول تونس في أزمة سياسية حادة بسبب إمكانية انقسام الكتلة البرلمانية لحزب النداء صاحب الأغلبية إلى كتلتين أو أكثر، وهذا معناه فقدان الأغلبية البرلمانية الداعمة للحكومة. وذلك قد يستدعي سحب الثقة من الحكومة التي تعاني من فضيحتين الأولى رهن الملعب الأولمبي برادس ضمانا لإصدار الصكوك الإسلامية، وتورّط وزير التنمية ياسين إبراهيم في صفقة مشبوهة مع بنك فرنسي أميركي خاص لإعداد مخطط التنمية 2016- 2020.

سحب الثقة من حكومة الصيد، لو تمّ، يعني بالضرورة تكليف الحزب صاحب الأغلبية بتعيين رئيس حكومة جديد. وإذا لم يمِل نواب نداء تونس المنشقون عن كتلتهم لترجيح إحدى الكتل البرلمانية المعارضة، فستكون كتلة حركة النهضة صاحبة الأغلبية التي من حقها تشكيل الحكومة. وإذا فشلت أو عجزت حكومتها عن الحصول على الأغلبية الكافية لنيل الثقة البرلمانية، فإن من حق رئيس الجمهورية تشكيل شخصية متحزبة أو مستقلة يراها مناسبة لتشكيل الحكومة. وإذا فشلت الشخصية المكلفة فإن رئيس الجمهورية يمكن أن يدعو إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها.

يبقى التوجس الأكبر هو ذاك المتعلق بالشعب التونسي وبمدى استعداده لتجربة انتخابية سابقة لأوانها، وهو الذي علق كل آماله على الانتخابات الفارطة لتخرجه من عنق الزجاجة وتنقذه من خطر الإرهاب وتحقق له أهداف ثورته. ولكن الواقع مخيب للتونسيين، إذ أن الأزمة الاقتصادية تتمدد حيث بلغت نسبة الفقر 30 بالمئة تقريبا وحافظت البطالة على نسبة 17 بالمئة.

الملاحظ في السياق نفسه صمت حركة النهضة عما يحدث في حليفها نداء تونس. والحركة تحصن نفسها من التهافت ومن إظهار الشماتة والتشفي في خصمها السابق وحليفها الحالي. ولكن لابد من الإشارة إلى أن أزمة نداء تونس بدأت يوم قرر رئيس الحزب المؤسس ورئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي إشراك حركة النهضة في الحكم والتخلي عن حلفائه القدامى في جبهة الإنقاذ.

لاشك في أن حركة النهضة تعد نفسها لكل السيناريوهات، ولكنها حتما لا ترجو أن تكون البديل في المدى القريب. وهي تعتبر أن موقعها الحالي هو الأفضل لها، فهي من أكبر المستفيدين من فشل الحكومة ومن انشطار نداء تونس باعتبارها موجودة داخل الحكم بقوة ولكن الأزمة لا تشملها بشكل مباشر.

الأكيد أنّ أزمة حزب نداء تونس إن لم تقض عليه فإنّها ستضعفه وتعيده إلى أحجام الأحزاب الصغيرة. والأكيد أيضا أن حركة النهضة تبقى الحزب الأكبر في تونس لاسيما بعد انتصار حليفها التركي حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية التركية. والأكيد كذلك أن المعارضة التونسية لم تنجح إلى حد الآن في بناء جبهة واسعة تقوم على أساس البرامج والبدائل. والأكيد أن رهان الشعب التونسي على البديل الدستوري قد خاب.

كاتب وباحث سياسي تونسي

9