أزمة حمص

الحمص طبق الفقراء بالطبع نتيجة لكلفته الزهيدة. لكنه أصبح خيار الأغنياء أيضا لأنه يذكر الجميع بخطورة المبالغة بأكل الوجبات القائمة على اللحوم والبروتينات الحيوانية.
الأربعاء 2019/11/06
اختفت علب الحمص وجاع النباتيون

سيدخل اسم شركة “زوربا للمنتجات الغذائية” البريطانية التاريخ. هذه الشركة حرمت البريطانيين لأيام طويلة من واحدة من أكثر الأكلات تفضيلا لديهم: الحمص بطحينة.

اكتشفت الشركة آثارا لبكتيريا السالمونيلا في علب الحمص بطحينة التي تزوّد بها المتاجر البريطانية. هذه البكتيريا خطرة جدا وتسبب الحمى والإسهال والآلام المعوية. في أواخر الثمانينات، تسببت في إنهاء المستقبل السياسي لوزيرة الصحة البريطانية أدوينا كاري بسبب انتشارها في البيض. البريطانيون لا يتهاونون مع الأمور التي تمسّ صحتهم.

ما أهمية الحمص بطحينة؟ إنها أهمية استثنائية. البريطانيون تعرفوا على الحمص (كما يسمّونه) مؤخرا. لا أزال أذكر نهاية الثمانينات وبداية التسعينات عندما بدأ الحمص يظهر على أرفف المتاجر الكبرى. قبلها كان وجبة في مطعم لبناني أو سوري وحسب، أو علبة من معلبات مستوردة في المحال العربية.

ترافق انتشار الحمص مع تغيّرات في العادات الغذائية للأوروبيين في العموم والبريطانيين على وجه الخصوص. لندن صارت تسمّى العاصمة الأوروبية للحمص. الحمص موجود، بحسب إحصائيات أجريت عام 2013، في 41 بالمئة من ثلاجات البيوت البريطانية. عشق بريطاني حقيقي لأكلة تحظى بالتقدير في منطقة الشرق الأوسط. اللبنانيون كانوا يريدون مقاضاة الإسرائيليين لأنهم اعتبروا أن الإسرائيليين قد سرقوا رمزا وطنيا.

الحمص طبق الفقراء بالطبع نتيجة لكلفته الزهيدة. لكنه أصبح خيار الأغنياء أيضا لأنه يذكر الجميع بخطورة المبالغة بأكل الوجبات القائمة على اللحوم والبروتينات الحيوانية. في حين يبدو الحمص مسالما، يعطي الكثير من البروتين النباتي ويملأ المعدة ولا تمل طعمه. الأغنياء يريدون أن يظهروا بمظهر الناس الصحيين.

شخصيا أستطيع أن آكل الحمص كل يوم. في زيارة لبيروت مؤخرا، كنت آكله ظهرا ومساء. لديّ عشق قديم للحمص المسلوق (اللبلبي) منذ أول يوم شاهدت عربة بيع الحمص أمام المدرسة الابتدائية. ثم اكتشفت انه طبق لا غنى عنه في المطبخ السوري/اللبناني.

هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها بريطانيا “أزمة حمص”. قبل سنتين رصد البعض طعما معدنيا في العلب التي تنتشر في المتاجر. لم يمرّ وقت طويل حتى امتلأت الشبكات الاجتماعية ببوستات وتغريدات عن “رعب الحمص”. اختفت العلب والمعلبات وجاع النباتيون. خلال أيام تسابق الطباخون على الحديث عن طرق إعداد الحمص وكم من الوقت عليك أن تنقع حباته في الماء قبل سلقه ووسائل الحصول على الطحينة المناسبة، وكمية الثوم (أوف من الرائحة) التي من الواجب إضافتها للحصول على التركيبة الصحيحة. (أرجو إزالة فقرة الثوم عند الإعداد لأن لديّ حساسية منه – ولكني لست الحكم في هذا).

الحمص حبة بقول مباركة أشبعت الشعوب لقرون. يقول المثل العراقي: حمص.. في كل جدر ينبص (في كل قدر يتصدر).

24