أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين الجزائر وواشنطن

دخلت العلاقات الجزائرية الأميركية أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، لم تسجل حتى خلال سنوات العشرية السوداء في تسعينات القرن الماضي، بسبب حرب البيانات والبيانات المضادة، التي غطت على خطاب التعاون الأمني بين البلدين والحوار الاستراتيجي المفتوح، وعلى رسالة الرئيس الأميركي باراك أوباما لنظيره الجزائري بمناسبة الذكرى الـ53 لعيد الاستقلال الوطني، لما عبر له عن “وقوف واشنطن بجانب الجزائر في معركة الحرب على الإرهاب”.
الجمعة 2015/07/10
الجزائر وواشنطن: قطيعة دبلوماسية محتملة بسبب تقرير حقوقي

الجزائر - لم تصدر الإدارة الأميركية أي تعليق أو موقف على استدعاء سفيرتها جوان بولاشيك، من قبل وزارة الخارجية لتبليغها احتجاج الجزائر، على مضمون التقرير الذي نشرته الخارجية الأميركية حول حقوق الإنسان في العالم خلال سنة 2014، وخص الجزائر بانتقادات أثارت حفيظة سلطاتها.

وشكل التصعيد الحاد في لهجة الطرفين، انزلاقا نوعيا نحو أتون أزمة دبلوماسية لا يستبعد أن تأخذ منعرجات أخرى، في ظل تمسك واشنطن بالتلويح بورقة حقوق الإنسان، وإدراج المسألة في أجندة إحدى هيئاتها الرسمية والسيادية (كتابة الدولة للشؤون الخارجية)، بينما ترى الجزائر أن الأمر يتعلق بأحكام نمطية جاهزة، تستعمل للضغط على الشعوب والحكومات.

وذكرت مصادر دبلوماسية، أن التحوير الوزاري الأخير في شهر مايو الماضي، أكد لواشنطن الهيمنة الفرنسية على مصادر القرار في البلاد، بتنصيب طاقم كامل في الحكومة من الموالين لها، في حين تم التخلص من الوجوه المعروفة بتوجهاتها الأميركية، ولم يحافظ على منصبه الوحيد إلا رمطان لعمامرة، الذي تم التضييق عليه وعلى صلاحياته بوضع زميله عبدالقادر مساهل في نفس الدائرة والتخصص في خطوة غير مسبوقة، قبل أن يتم استدراك الأمر من طرف بوتفليقة.

ويقول العارفون بالتوازنات داخل السلطة في الجزائر إن “لعمامرة المحسوب على واشنطن سيغادر مع أول تحوير، ليس الأمر يتعلق بالكفاءة والمراس، بل لأنه يمثل تيارا لم يعد مرغوبا فيه بإيعاز من فرنسا”، وأن الولايات المتحدة التي عرفت عصرا ذهبيا في غرس نفوذها منذ مجيء بوتفليقة، فقدت ركائزها والمحسوبين عليها برحيل وزير النفط السابق شكيب خليل، المتابع في قضايا فساد ورشوة، والمقيم على ترابها رغم الملاحقات القضائية الصادرة في حقه من طرف العدالة الإيطالية.

تضارب مصالح الولايات المتحدة وفرنسا في الجزائر يؤجج حالة الارتباك السائدة في البلاد

وظل شكيب خليل المتشبع بالفكر الليبيرالي الأميركي، يمثل مصالح واشنطن في الجزائر، إلى جانب وزراء آخرين كحميد تمار ويزيد زرهوني، كانوا يوصفون بـ”رجالات بوتفليقة”، وأدخل الرجل آليات جديدة على الاستثمار النفطي في الجزائر، كما فتح الأبواب أمام الشركات النفطية الأميركية العملاقة، وسعى لرفع الاحتكار الحكومي للقطاع، قبل أن يتراجع بوتفليقة عن القرار تحت ضغط الانتقادات الداخلية والمعارضة السياسية.

واعتبرت الخارجية الجزائرية الاثنين الماضي، أن التقرير الأميركي حول وضعية حقوق الإنسان في العالم لسنة 2014 الصادر في نهاية شهر يونيو الماضي جاء في شقه المتعلق بالجزائر “امتدادا لتوجه بيروقراطي يميل لاستنساخ آلي لصور نمطية” و” تقييمات مغرضة” و”استنتاجات مفرطة في التبسيط”.

وأضاف أن “المغالاة في إصدار الأحكام جرّدت التقرير المذكور نهائيا من أي مصداقية خاصة في محاولة إقامة معادلة مساواة بين العمل الشرعي لدولة وطنية وبين الإجرام الفظيع لجماعات إرهابية”، كما أنه “موجود في الإدعاء الشنيع المتمثل في تقديم النتائج الملحوظة لعمليات مكافحة الإرهاب الشجاعة التي ينفذها الجيش الوطني الشعبي بكل شفافية تحت العنوان المخادع: حرمان تعسفي وغير قانوني من الحق في الحياة”.

وأشار البيان إلى أنه “من البديهي أن قضية حقوق الإنسان، لا يمكن أن تخضع لممارسة ظرفية وإنما لعمل دؤوب يعزز المكاسب ويفتح باستمرار آفاقا جديدة، وذلك هو الطرح الذي تعمل الجزائر على تطويره في تفاعلاتها مع شركائها الدوليين، ومن ضمن ذلك الحوار الإستراتيجي الذي تقيمه مع الولايات المتحدة حول القيم المرجعية والمبادئ المتجذرة في ظل الاحترام المتبادل وتوازن المصالح”.

وكان تقرير كتابة الدولة للشؤون الخارجية الأميركية، قد تناول في الجزء المخصص للجزائر، ما أسماه بـ”عنف الشرطة وعدم معاقبة أفراد الأمن” بسبب تجاوزاتهم وانتهاكاتهم لحقوق المواطنين خلال المظاهرات والمسيرات، في إشارة إلى حالات تعنيف طالت بعضها خاصة في العاصمة.

وتحدث التقرير أيضا عما قيل “اعتقال وحجز تعسفي لناشطين واللجوء إلى التعذيب والتزوير في انتخابات الرئاسة التي جرت في أبريل 2014، وأفرزت عبدالعزيز بوتفليقة رئيسا لولاية رابعة”. وهي إشارة قد تمهد لانقلاب واشنطن عن دعم الرئيس الجزائري في ولايته الحالية.

2