أزمة دول الجوار الليبي

السبت 2017/06/10

اجتماعات دول الجوار الليبي، البالغة 11 اجتماعا منذ سقوط نظام القذافي، تحولت إلى لقاءات روتينية لا تحمل جديدا، مع أن ممثلي الدول المشاركة يحاولون، عبر تصريحاتهم، تقديم وعود تَشِي كل مرة بالوصول إلى حل عملي للأزمة الليبية، وآخرها ذلك الذي وقع في الجزائر، وشارك فيه كل من وزراء الخارجية الجزائري عبدالقادر مساهل والتونسي خميس الجهيناوي والمصري سامح شكري، وانتهى إلى بيان ختامي أقرب إلى الاتفاق بين الأطراف الثلاثة على حل للأزمة الليبية، باعتبارهم جزءاً من الحل وهم في الحقيقة عكس ذلك.

وقبل أن نعلّق على ما جاء في البيان الختامي للتدليل على الفكرة السابقة من الضروري الإشارة إلى أن اجتماع الجزائر غابت أو غُيّبت عنه دول جوار أخرى هامة متضررة بشكل أو بآخر من الأزمة الليبية، ومَعنية بالأحداث الجارية هناك، وأقصد هنا السودان وتشاد ومالي، ما يعني أن الدول الثلاث، الجزائر وتونس ومصر، ترى أنها هي المعنية مقارنة بالدول السابقة الذكر، دون مراعاة لما ترتب عن أزمة ليبيا من مشكلات لدول الجوار الأخرى، خاصة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر والمخدرات.

وبالعودة إلى بيان الاجتماع، نجده يكرر نفس الصيغ المطروحة في جولات الاجتماعات السابقة، من ذلك “الامتناع عن استعمال العنف أو التحريض عليه، أو اتخاذ أي إجراءات من شأنها أن تؤدي إلى تصعيد يحول دون مواصلة مسار التسوية السياسية في البلاد ويؤثر على استمرار معاناة الشعب الليبي خاصة على المستويين الاقتصادي والإنساني”. ويرفض أي “تدخل خارجي في الأزمة الليبية”، وعلى ضرورة مرافقة الفرقاء الليبيين على طريق مسار التسوية السياسية ودعم الحل السياسي كسبيل لمعالجة الأزمة من خلال الحوار الشامل ورفض التدخل الخارجي والخيار العسكري، وحماية الوحدة الترابية، إلخ.

لكن هذا التصور لا يقدم حلولا عملية للأزمة الليبية، بل يتفادى الحديث عن الأطراف الخارجية المشاركة فيها، مثل قطر وتركيا وحلف الناتو، كما لا يوضح سبل تحقيق الحل السياسي، وواضح أن ما جاء في البيان لا يتعدى الخروج من الاجتماع بنص تم الاتفاق عليه من الدول الثلاث المشاركة في غياب الطرف الليبي، وهو الأساس، وفي ظل تجاوز لاتفاق الصخيرات، الذي يعد مرجعية لحل الأزمة الليبية مع أن اجتماع الجزائر أعاد التذكير به.

ورغم ذلك، فإن عبدالقادر مساهل يذهب إلى القول إن “إعلان الجزائر يعطي نظرة حول مواقف البلدان الثلاثة بشأن مقاربتنا لحل الأزمة الليبية الذي ينبغي أن يكون سياسيا وسلميا، ودون أي تدخل أجنبي في الشأن الليبي”، وهذه مقاربة بنت عليها الدبلوماسية الجزائرية مواقفها بشأن مختلف بؤر النزاع في العالم، والأهم من هذا هو تأكيد البيان على رفض الخيار العسكري، ما يعني أن مخرجات الاجتماع غلّبت الحلول السلمية على الحل العسكري، وهذا يحقق الموقفين الجزائري والتونسي، ولكنه يختلف سياسيا وميدانيا مع الموقف المصري.

هنا يأتي السؤال التالي كيف يتم التسليم بهذا الطرح، ومصر مثلا مع ضرورة دعم الجيش الليبي، بل إنها تدخلت عسكريا للمرة الثانية بعد الاعتداءات الإرهابية التي تعرضت لها، وفي المرة الأخيرة عبرت الجزائر عن رفضها لتلك الغارات ودعت القاهرة إلى وقفها تفادياً لتأزيم الوضع في الجارة الشرقية، ولا سيما أن تلك الغارات استهدفت فصيلا سياسيا معروفا بمناهضته للحليف المصري، الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، الأمر الذي اعتبر دعما لطرف على حساب آخر في هذه الأزمة؟ ثم إن مصر دعت في الفترة الأخيرة إلى رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي، وهو ما ترفضه الجزائر وتونس.

لم يُوضِّح المجتمعون إن كان المقصود بالتدخل الخارجي، الدول الداعمة للمليشيات وللفرقاء الليبيين فقط، أم أنه يشمل مصر أيضا؟ الإجابة ستتضح في اجتماع دول الجوار المقبل الذي ستحتضنه العاصمة المصرية القاهرة وسيحدد تاريخه لاحقا، وإلى أن يتم ذلك ستظل نتائج اجتماعات دول الجوار ترفع شعار “مساعدة الأشقاء الليبيين لتجاوز خلافاتهم والتوجه نحو الحوار والحل السلمي لإيجاد حل للأزمة الليبية”، كما أوضح وزير الخارجية التونسي.

مهما يكن فإن، دول الجوار الليبي -العربية خاصة- تُبْدي مخاوفها من تأزم الأوضاع في الدولة الجارة، وترى أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه سيؤثر -كما قال البيان- “على المنطقة برمتها ويصب في صالح الجماعات الإرهابية وذلك من خلال منحها مجالا لتوسيع أنشطتها الإجرامية”، غير أنها وهي تعلن ذلك لا تقدم حلولا عمليَّة لجهة إحداث تقارب بين الليبيين، لأن قرارات تلك الدول تُعبر عن مصالحها قبل المصلحة الليبية، وأن اجتماعاتها يطغى عليها موقف الدولة المضيفة، ولذلك يُرحَّج حدوث تغيير في اجتماع دول الجوار المُقْبل في القاهرة.

والاختلاف بين تلك الدول أسهم في تعميق المأساة الليبية وطول أمدها، بل إنه جعل دول الجوار تعاني أزمة لجهة التقارب نحو حل جامع لتلك الدول وللأطراف الليبية المتصارعة، كما تواجه أزمة خوف من تسرب الجماعات الإرهابية من ليبيا، وهو ما بدا جليا في مصر وتونس والجزائر، ولذلك تنظر دول الجوار الليبي إلى حل الأزمة الليبية من منظورها الخاص، وهذا حملها أعباء، وجعلها شريكا في الأزمة لا في الحل.

كاتب وصحفي جزائري

9