أزمة ربع العمر ترافق جيل الألفية

الشباب يعيش صراعا داخليا بين مسؤولياتهم المتعددة وتلبية حاجاتهم الخاصة، وبين تحقيق توقعات المجتمع منهم.
الأحد 2020/05/17
مرحلة انتقالية بين المراهقة والنضج

أصبحت أزمة ربع العمر بارزة في السنوات الأخيرة بسبب الضغوط الكبيرة التي تواجهها الأجيال الشابة، وخاصة عند مقارنتها بالأجيال الأكبر سنا، ومع ما يشهده العالم حاليا من ظروف استثنائية زاد الارتباك والقلق لدى الشباب والشعور بعدم الأمان.

تقول عالمة النفس ميغ جاي، إن فترة العشرينات هي أحد أبسط الأشياء التي تمر بها، لكنها الأكثر تأثيراً بالنسبة إلى عملك وحياتك العاطفية وسعادتك، وحتى بالنسبة إلى العالم. هذا ليس رأيي. هذه الحقائق؛ فنحن نعلم أن 80 في المئة من اللحظات المصيرية في حياة الشخص تحدث قبل سن الـ35، هذا يعني أن 8 من أصل 10 قرارات وتجارب ولحظات حاسمة تحدد حياتك سوف تحدث بحلول منتصف الثلاثينات من عمرك.

استمدت جاي خبرتها من العمل لأكثر من عشر سنوات، مع المئات من الشباب والطلاب في العشرينات من عمرهم، وصاغت نظرياتها العلمية التي وثقتها في كتاب بعنوان “العقد الحاسم” بالاعتماد على قصص من وراء الأبواب المغلقة.

وسواء كانت هذه القصص من الشرق أو من الغرب إلا أن نتائجها واحدة على جيل العشرينات، مهما اختلفت التفاصيل، إذ يعيش الشباب في هذه المرحلة صراعا داخليا بين مسؤولياتهم المتعددة حتى لو لم تكن كبيرة مقارنة بالمراحل العمرية الأكبر، وبين تلبية حاجاتهم الخاصة، ومعرفة ماذا يريدون، وبين تحقيق توقعات المجتمع من الشباب في هذا العمر حيث ينتظر منهم أن يستقروا في مهنة ويؤسسوا منزلا وعائلة وينجبون الأطفال، في حين يشعرون بالعجز عن تحقيق كل هذه الأشياء.

ولم يعد مفاجئا اليوم سماع جملة “لدي اكتئاب” من جيل العشرينات والثلاثينات، أو حتى قراءتها بتفاصيل متعددة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت مشاكل هذه الفترة العمرية مرتبطة بمصطلح أُطلق عليه “أزمة ربع العمر” التي تنتشر لدى البعض من الشباب في الفئة العمرية ما بين 20-30 عاما.

وأول من استخدم هذا المصطلح عام 2001 كلٌّ من ألكسندرا روبينز وآبي ويلنر، وذلك لوصف حالات القلق التي تصيب الشباب.

ويبدو لافتا تزامن ظهور هذا المصطلح مع تطور عصر التكنولوجيا والإنترنت وكثرة الخيارات المتاحة، حيث نعيش عصرا متسارعا تتزايد فيه الضغوط النفسية على مستويات متعددة داخلية وخارجية، من قلة فرص العمل والمنافسة الشرسة على الوظائف، إلى جانب انتشار الحروب والصراعات السياسية وصولا إلى الأمراض.

المبالغة في المثالية

لم يعد مفاجئا سماع جملة "لدي اكتئاب" من جيل العشرينات والثلاثينات
لم يعد مفاجئا سماع جملة "لدي اكتئاب" من جيل العشرينات والثلاثينات

ويتحدث الشاب أحمد /28 عاما/ عن تجربته مع أزمة ربع العمر، في تدوينة على موقع فيسبوك “من المشاكل التي مررت بها شخصيا السعي نحو الكمال، وفي كل مرة أحاول بدء مشروع جديد، مهما كان صغيرا أو كبيرا.. من واجب جامعي، إلى مشروع بحثي، بغية الوصول إلى الحالة المثالية. ومشكلة الكمال هنا هي المبالغة في جعل الهدف النهائي مثاليا بطريقة غير واقعية”.

وأضاف “أعتقد أن الكثيرين يمرون بنفس المشكلة في أمور مختلفة في حياتهم مثل المشاريع التجارية، والأمور الوظيفية، والنادي، والنظام الغذائي الصحي، وتحسين العلاقة مع شخص آخر”.

 وخلص أحمد إلى أن “طريقة التفكير هذه تزيد الخطوة الأولى صعوبة، وتجعلك تستمر في التأجيل والتسويف، وهو أمر مستفز لك شخصياً، لأن وصولك إلى هذه الأهداف الرائعة والمثالية (التي في ذهنك) يتطلب ظروفا مثالية كذلك. والمشكلة أن الظروف لن تكون أبدا مثالية، وبالتالي بدلا من تقبل النقص والفشل ومحاولة التطوير مع مرور الوقت، تبقى عاجزا عن القيام بأي شيء، وتظل تفكر في حلم مثالي جديد لن يتحقق مطلقا”.

وبحسب دراسة أجرتها شبكة “لينكد إن” الاجتماعية تسبب مواقع التواصل الاجتماعي في رفع معدلات الضغط لدى الشباب نتيجة لهيمنتها على حياتهم؛ ما يسمح لهم بمقارنة حجم نجاحهم بالنجاح الذي يحققه الآخرون.

وقال الأخصائي الاجتماعي ديبي كاربيري لصحيفة “ذا نيو ديلي”، إن “مواقع التواصل الاجتماعي تتسبب في ضعف الشباب عاطفيًا”، مضيفًا “إنهم يتواصلون إلكترونيًا وليس عاطفيًا. ليس من الضروري أن يكون لديك ألف صديق على موقع فيسبوك، لكن يجب أن يكون لديك 3 أصدقاء يمكنك الاعتماد عليهم”.

وذلك بالتزامن مع ما يشهده العالم حاليا من وباء، ساهم في زيادة الارتباك والقلق لدى الشباب والشعور بعدم الأمان بسبب مرور الوقت دون تقدم، وأحيانا كثيرة دون خطط وأفكار محددة لما سيكون عليه الغد.

يعتبر البعض أن السبب الرئيسي لأزمة “ربع العمر” هو عدم استيعاب الشباب للمرحلة الانتقالية من فترة المراهقة إلى فترة النضج؛ فبعد سنوات من الاعتماد على الأهل ماديا ومعنويا، يجد الشاب نفسه فجأة مطالبا بالاستقلال. وقد لا تكون هذه المطالبة مباشرة من قبل الأهل والمجتمع، لكن ظروف المرحلة الجديدة تفرض نفسها وقد تحدث للبعض ما يشبه الهزة النفسية، حيث تعتبر سنوات ما بعد التخرج في الثقافة العامة هي أفضل سنوات العمر للعمل وتحقيق النجاح وتحديد ملامح المستقبل.

أزمة ربع العمر فترة من انعدام الأمن والشك وخيبة الأمل في حياة الشباب المهنية والعلاقات العاطفية والوضع المالي

ويرى العديد من الشباب أن الضغوطات هذه الأيام زادت مقارنة بالسابق، إذ كانت التوقعات من الشاب أن يتخرج من الجامعة مثلاً، لكن اليوم بات متوقعا منه التخرج بدرجة امتياز والحصول على خبرة عملية وإن أمكن امتلاك مشروع قائم، ومن الصعب الوصول إلى التوقعات المطلوبة منه.

وهناك عامل آخر مسبب للكآبة وهو الفارق بين كيف ترى نفسك اليوم وكيف ترى نفسك كما يجب أن تكون، وزيادة الفارق بين الاثنين تؤدي إلى الشعور بالإحباط والكآبة.

ويعرف الطبيب النفسي أليكس فوك، أزمة ربع العمر بأنها “فترة من انعدام الأمن والشك وخيبة الأمل حول حياتك المهنية والعلاقات والوضع المالي”.

ويفسر الأمر بأنه ينبع من فترة من الحياة بعد التغيرات الرئيسية في مرحلة المراهقة، عندما يبدأ الشخص بالتشكيك في حياته ويشرع في مواجهة الضغوط التي يواجهها الكبار.

ويبدو أن انتشار أزمات ربع العمر آخذ في الازدياد، حيث يكافح جيل الألفية اليوم ماليا أكثر مما يفعله آباؤهم الذين هم الجيل الأول في التاريخ الذي يكون أقل مادياً من الجيل اللاحق له، فيعتقد فوك أن أزمة ربع العمر أصبحت بارزة على نحو متزايد في السنوات الأخيرة بسبب الضغوط الكبيرة التي تواجهها الأجيال الشابة، وخاصة عند مقارنتها بالأجيال الأكبر سنا.

وأضاف “في الوقت الحاضر، يتعرض الشباب الذين يبلغون من العمر عشرين عاما لضغوط شديدة لتكوين أنفسهم في سوق العمل، والسكن، والتنقل، والنضال من أجل الحفاظ على العلاقات، وعادة ما يتعرضون لمفهوم مشوه للحياة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي”. ومن المفترض نظريا أن هذه الفترة من العمر هي مرحلة الفرص والمغامرات، قبيل اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالوظيفة والعائلة والزواج. ولكن هذه القرارات أصبحت تشكل هاجسا لجيل العشرينات خصوصا في المنطقة العربية التي يبدأ فيها أغلب الشباب من كلا الجنسين بالتفكير في تأسيس عائلة، والهروب من شبح البطالة والديون والعلاقات العاطفية الفاشلة.

ويرى الباحث أوليفر روبنسون من جامعة غرينتش في لندن أن “أزمة ربع العمر لا تحدث في ربع العمر حرفيا، ولكن في ربع طريق تحمل المسؤولية والنضج، في الفترة بين 25 و35 عاما، على الرغم من أنها تتبلور في الثلاثينات”.

وروبنسون، الذي قدم نتائج بحثه في المؤتمر السنوي لجمعية علم النفس البريطانية في جلاسكو، قدم وجهة النظر حول أزمة ربع العمر بناء على بيانات واستطلاعات رأي. واتضح من خلالها أن 86 في المئة من 1100 شاب وشابة يشعرون بأنهم تحت الضغط بسبب إحساسهم أن عليهم أن ينجحوا في علاقاتهم وأمورهم المالية ووظائفهم قبل سن الـ30.

خبرة إيجابية

ظروف العالم الاستثنائية زادت الارتباك والقلق لدى الأجيال الشابة
ظروف العالم الاستثنائية زادت الارتباك والقلق لدى الأجيال الشابة

لكن الدكتور روبنسون يرى أن أزمة ربع العمر التي تستمر في المتوسط لحوالي عامين، يمكن أن تترك خبرة إيجابية، فهذه الأزمات التي تأتي في وقت مبكر لها أربع مراحل.

المرحلة الأولى تعرف بالوحدة والحصار في علاقة مع أحد الأشخاص أو في إطار وظيفي أو حتى  في كليهما معا، “إنها شعور وهمي بالسجن، يمكنك تركه ولكن لا تستطيع”، وفق روبنسون.   وتتجسد المرحلة الثانية في الشعور المتزايد بأن التغيير ممكن، وأن الانفصال عن الالتزامات المفروضة التي تتسبب في جميع أنواع الاضطرابات العاطفية، ممكن أيضا، مما يسمح باكتشاف إمكانيات جديدة والشعور بالذات.

البحث عن الشغف

وأوضح روبنسون “حتى ذلك الحين قد تكون تقود عربة بسرعة على طريق لا تريد أن تكون فيه من الأساس. وصف القليل من المشاركين ذلك بأنه كالوقوع في حلقة، ولكن أغلبهم اعتبروه وقتا صعبا يمكن أن يكون محفزا على التغيير”.

والمرحلة الثالثة هي فترة إعادة بناء حياة جديدة. ثم المرحلة الرابعة التي تتضمن التزامات جديدة للشاب تعكس اهتمامات جديدة وتطلعات وقيما.

وينصح الخبراء من أجل تخطي هذه الأزمة دون خسائر بأن يحاول الشاب تذكر أن الحياة ليست سباقًا، ويجب عليه أن يحافظ على كل ما يجعله سعيدًا في حياته، ويتخلى عما سيحبطه ويبقيه في تلك الأزمة، حتى وإن كان وظيفة ما أو علاقة بصديق أو ما شابه، فلا يجب أن يبقي نفسه سجينًا لأيٍّ من تلك العوائق.

ويجب استجماع الشجاعة لإعادة بناء حياة جديدة، والحصول على شخصيته، ففي المراحل التعليمية المختلفة تتكون الشخصية نتيجة البيئة المحيطة أو تأثير الآخرين، لذلك فتلك الشخصية قد لا تكون الحقيقية، فعليه ألا يخشى مواجهة نفسه أو التغيير حتى يمكنه بناء حياة جديدة، والقضاء على التردد.

ومن المهم البحث عن الشغف، فالكثير من الشباب يقعون في “أزمة ربع العمر” لأنهم يتعاملون مع الوظيفة الأولى لهم بعد التخرج من الجامعة على أنها وظيفة العمر، والتي إن تركوها فلن يجدوا بديلًا ولكن هذا غالبًا ما يكون خاطئًا، والتجارب الجديدة تمنح خبرات أكبر وتمنح الشاب فرصة الوصول إلى الوظيفة التي يجد شغفه فيها.

وتقدم ميغ جاي نصيحة للشباب قائلة “الخبرة التي أملكها تؤهلني لأن أقول للأشخاص الذين هم في العشرينات: إن الـ30 ليست 20 جديدة، لذا عش مرحلة الرشد، احصل على بعض الرصيد الخاص بهويتك، استخدم صلاتك الضعيفة، اختر عائلتك. لا تكن محدوداً بما لم تكن تعلمه أو ما لم تفعله. إنك تقرر حياتك الآن”.

19