أزمة سدّ النهضة تفرض انقلابا في تاريخ الزراعة المصرية

القاهرة تحظر إنتاج محاصيل الأرز الأكثر استهلاكا للمياه، والتدابير الطارئة ستدفع الحكومة لزيادة الواردات لتغطية الطلب.
الثلاثاء 2018/05/08
لحماية قوت الشعب

القاهرة - تصاعدت مخاوف المزارعين المصريين من تداعيات أزمة سد النهضة، إثر موافقة البرلمان على تعديلات تشريعية، تفتح الباب أمام حظر زراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه في بعض المناطق.

وتمنح التعديلات لبعض أحكام قانون الزراعة، وزيري الزراعة والري، سلطة إصدار قرار بحظر زراعة محاصيل حسب استهلاكها للمياه.

كما يمنحهما، سلطة تحديد مناطق زراعة أصناف معينة، بل ويتضمن عقوبة للمخالفين لتلك القرارات، منها “الحبس بمدة لا تزيد على 6 أشهر وغرامة لا تقل عن 3 آلاف جنيه (170 دولارا)، والحكم بإزالة المخالفة على نفقة المُدان”.

ويتزامن ذلك، مع إصدار السلطات قرارا يسمح بزراعة 724 ألف فدان من الأرز، بدأ فعليا مطلع هذا الشهر ولمدة ثلاثة أشهر.

ووفق تقديرات تجار، تمثل المساحة أقل من نصف المساحة التي زُرعت في العام الماضي، والبالغة 1.8 مليون فدان، والتي زادت بدورها كثيرا عن المساحة المخصصة رسميا والبالغة 1.1 مليون فدان.

رجب شحاتة: قرارات الحكومة قد تزيد أسعار الأرز مع لجوء الدولة لزيادة الاستيراد
رجب شحاتة: قرارات الحكومة قد تزيد أسعار الأرز مع لجوء الدولة لزيادة الاستيراد

ووفقا لوزارة الزراعة، تنتج مصر من الأرز حوالي 4.5 مليون طن سنويا، تستهلك منها 3.5 مليون طن.

ولسنوات، تجاهل مزارعون مصريون في دلتا النيل قيودا على الزراعة تهدف إلى ادخار المياه، واستمروا في زراعة الأرز، لكن تغليظ العقوبة للحبس يوشك أن يغير هذا الوضع.

ويأتي ذلك في ظل قلق بالغ من تداعيات سدّ النهضة الإثيوبي، الذي لا يزال قيد الإنشاء، وأن تكون لسرعة ملء خزانه آثار مدمرة على المزارعين المصريين، خشية أن يقلل من حصة مصر من مياه النيل، مصدر المياه الرئيسي في البلاد.

ويقول هاني رسلان، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن القرارت تأتي ضمن توجه الدولة لترشيد استخدام المياه، جراء حالة الفقر المائي التي تمر بها مصر، وكذلك الانخفاض المتوقع في إيرادات المياه، بسبب بدء ملء سدّ النهضة.

وذكرت وزارة الموارد المائية والري في بيان منتصف الشهر الماضي، أنها “لاحظت في الآونة الأخيرة زيادة في المساحات المزروعة بالمحاصيل شرهة الاستهلاك للمياه، كالموز والأرز وقصب السكر”.

وقبيل إقرار تعديلات القانون الحكومي، قال رئيس مجلس النواب علي عبدالعال، إن “الأمر ليس بزراعة أرز أو قصب، نريد مياها.. مصر فيها فقر مياه”.

ولفت رسلان إلى أن تغليظ العقوبات جاء نتيجة عدم استجابة المزارعين في السنوات السابقة، “حيث شهدنا زيادات كبيرة في المساحات المزروعة، خلافا لما كانت تقرره وزارتا الري والزراعة”.

ومنذ الأزل، يعتمد المصريون على نهر النيل في زراعة المحاصيل المختلفة لسكان مصر، البالغ عددهم 96 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يصلوا إلى 128 مليونا بحلول 2030. وتبلغ حصة البلاد السنوية 55.5 مليار متر مكعب من نهر النيل.

وتقول إثيوبيا إن السد سيحقق لها فوائد، خاصة في إنتاج الطاقة الكهربائية، ولن يُضر بدولتي المصب السودان ومصر، فيما نفى وزير الري والموارد المائية محمد عبدالعاطي وجود علاقة بين أزمة سد النهضة وقرار الحكومة بشأن تقليل مساحات الأرز المزروعة.

ويرى محمد برغش، أحد قيادات المزارعين في مصر، أن تعديلات قانون الزراعة وإدخال عقوبة الحبس فيها، ستخفض النسب بشكل كبير، وأولها مساحة التخفيض المقدرة بنحو 250 ألف فدان، وثانيها مساحة الزراعة بالمخالفة المقدرة بحوالي مليون فدان.

محمد برغش: تقليص المساحات المزروعة سيلحق أضرارا بالمزارعين مع مرور الوقت
محمد برغش: تقليص المساحات المزروعة سيلحق أضرارا بالمزارعين مع مرور الوقت

وحذر من أن هذا الخفض سيُضر بالمزارعين، وكان الأولى قبل تعديل القانون إجراء حوار مع أهل القطاع، وهم أول الحريصين على تأمين غذاء المصريين، وكان يجب توفير محصول بديل تضمن الدولة تسويقه بسعر عادل للمزارعين قبل زراعته من الآن.

وشدد على أن المحافظات الساحلية لا غنى فيها عن زراعة الأرز لأسباب منها أن أراضيها بها مياه جوفية بنسب عالية، وزراعة الأرز لازمة لغسل هذه الأرض، لتحريرها من نسب الملوحة العالية، كي تكون صالحة لزراعة المحصول الشتوي.

وتستورد القاهرة 7 ملايين طن من محصول الذرة بالعملة الصعبة، وهو محصول ضروري لصناعة الزيوت والأعلاف، ومن الممكن زراعته بدلا من الأرز، بشرط إعلان سعره قبل الزراعة بشهرين، وفق برغش.

ويقول تجار مصريون إن التعديلات على قانون الزراعة تعني أن يصبح بلدهم على الأرجح مستوردا للأرز بحلول 2019، بعد أن ظلت مصر لعقود تتمتع باكتفاء ذاتي وأحيانا يوجد فائض.

وأكد رجب شحاتة رئيس شعبة الأرز في اتحاد الصناعات المصرية، أن بلاده لديها هذا العام مليون طن فائض من الأرز، ولن تكون هناك أزمة قريبة.

ولكنه أشار إلى أنه في حال تقليص المساحات فعليا، ستكون زيادة سعر الأرز حتمية، حيث ستلجأ الدولة إلى الاستيراد.

11