أزمة سقف الدين الأميركية تهدد مستقبل العالم

الاثنين 2013/10/21

مهما قلل المحللون من تبعات أزمة سقف الدين الأميركية على المدى القصير، فإن كرة الثلج التي تدحرجت، لن تكف عن النمو، ومن المرجح أنها لن تتوقف حتى تغير خارطة القطاع المالي العالمي.

العالم قبل تلك الأزمة لم يعد هو ذات العالم قبلها. فقد أيقظت العالم على رعب أن يكون رهينة للدولار والسندات الأميركية التي تختزن معظم الاحتياطات المالية العالمية. ومن شبه المستحيل أن يعود العالم الى المربع الذي كان فيه قبل تلك الأزمة.

فتخلف الولايات المتحدة عن سداد التزاماتها كان سيؤدي الى كارثة عالمية كبيرة، لا تقتصر على مصير 17 تريليون دولار من الأوراق المالية الأميركية التي تملكها الحكومات والمؤسسات والمستثمرون الأفراد في أنحاء العالم، والتي كانت واشنطن ستعجز عن تسديدها.

وتمديد سقف الدين الذي دفع الدين الأميركي الى مستويات قياسية جديدة، يعني استمرار الولايات المتحدة بالاقتراض وإغراق العالم بالسندات، التي سيحين موعد بلوغها الطريق المسدود بداية العام المقبل، ليجد العالم نفسه أمام ذات الأزمة.

وتبدو واشنطن اليوم وفي المدى القصير والمتوسط مجبرة على مواصلة الاقتراض ليس فقط لتمويل العجز الكبير في الموازنة، بل أيضا لتسديد ما يحين أجله من ذلك الكم الهائل من السندات. وبذلك يتزايد عبء عوائد السندات، مثل شخص تتراكم عليه الديون فلا يقوى على تسديد فوائدها، ليتمكن من الالتفات الى تسديد الديون.

هذا يعني أن العالم أمام خيارين أحلاهما مر، وهو لا يستطيع أن يهجر الدولار والسندات الأميركية، لأن ذلك سيعني انهيار قيمة ما لديه منها (17 تريليون دولار) وذلك يعني انهيارا ماليا عالميا لم يسبق له مثيل.

ماذا سيحدث لو طرحت واشنطن سندات جديدة لتغطية التزاماتها تجاه ديونها المتراكمة وتمويل العجز المستمر ولم يجد إقبالا على شرائها؟

السؤال له إجابة واحدة! هي أن ذلك سيؤدي الى انهيار الاقتصاد الأميركي في غضون ساعات معدودة، وانتشار السلب والنهب في أرجاء البلاد، وهو سيناريو مرعب لا مكان للحديث عن تفاصيله، وهو بحاجة لفيلم سينمائي مرعب.

وسيتبع ذلك توقف عجلة الاقتصاد في جميع أنحاء العالم، من المصانع الصينية الى المؤسسات المالية في جميع أنحاء العالم الى توقف حركة التجارة العالمية وإنتاج النفط، وصولا الى انهيار معظم العملات العالمية.

وكلما كان البلد متطورا أكثر كانت الأضرار التي تلحق به أكبر. وتنخفض الآثار نسبيا في البقاع البدائية التي لا تزال تنتج ما تستهلك ولا تعتمد كثيرا على عجلة الاقتصاد العالمي.

ويبدو العالم في الأجل القصير والمتوسط، مجبرا على الهروب الى الأمام ومفاقمة الأزمة بالاستمرار في الإقبال على السندات الأميركية، خاصة الصين التي سينهار اقتصادها وستصحو على مئات ملايين العاطلين لو فكرت بالتوقف عن تمويل الدين الأميركي، لأن أكثر من ثلث صادراتها تذهب للولايات المتحدة.

الأزمة الأميركية كبيرة وهي ليست وليدة البارحة، فهي بدأت منذ تُوج الدولار عملة رئيسية للاحتياطات العالمية بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يخطر ببالها في ذلك الحين أن شهيتها الكبيرة للاقتراض ستريد اليها ذات يوم، وسيحين موعد سداد جميع تلك الديون المتراكمة.

العلاج الوحيد هو حل جراحي، تقلص بموجبه الولايات المتحدة انفاقها لدرجة تشطب فيه عجز الموازنة وتبدأ بتسديد جانب من التزاماتها المتراكمة، وهو أمر لا يبدو قريب المنال.

بعض دول العالم وخاصة الصين وهي أكبر ممول للديون الأميركية بدأت باتفاقات مالية مباشرة مع دوال العالم ومبادلة العملات مباشرة معها دون المرور بالدولار، لتخفيف النمو المتسارع للدين الأميركي والفقاعة الخطيرة التي سيدمر انفجارها الاقتصاد العالمي. لكن ذلك لن يكفي في الأجل القريب لحل تلك الأزمة. وكانت الصين قد طرحت اقتراحا في بداية الأزمة العمالية العالمية عام 2008، يمكن أن يغير اتجاه عقارب ساعة القنبلة الموقوتة، وهو طرح عملة احتياطات عالمية مرتبطة بصندوق النقد والبنك الدوليين، بعد إصلاح النظام الداخلي للمؤسستين وتقليل هيمنة الولايات المتحدة عليهما.

لكن تطبيق ذلك الاقتراح، بدا أنه يمكن أن يهز أسواق المال العالمية وفقاعاتها الكثيرة المهددة بالانفجار. فهل سيتزايد الاهتمام العالمي بذلك الاقتراح في الفترة المقبلة، حين لا يصبح أمام العالم مفر منه؟

ويتوقع المحللون أن تتسع مكانة اليورو كعملة احتياطات عالمية منضبطة وتتسم بالمسؤولية، ولا تميل لإقتراض من تراكمه من احتياطات عالمية، خاصة بعد اقتراب الوحدة المصرفية، وتزايد الحديث عن إصدار سندات أوروبية موحدة، وأن ذلك سيخفف قليلا من الاعتماد على الدولار والسندات الأميركية كوعاء للاحتياطات العالمية.

لكن ذلك لن يمثل حلا قريبا.

ويقى أهون الشرور هو أن تنكفئ الولايات المتحدة لمعالجة جروحها العميقة بالقضاء على عجز الموازنة أولا، امتثالا للقول: "إذا كنت في حفرة عميقة فعليك أولا التوقف عن الحفر، قبل التفكير بالخروج من الحفرة".

الأمر يتعلق بمدى استعداد الولايات للدخول بإرادتها في أزمة مالية خانقة لمعالجة ما يمكن أن يهدد مستقبلها ومستقبل العالم.

11