أزمة صناعة الحديد تسدل الستار على إرث مهد الثورة الصناعية

دقت خطط شركة تاتا ستيل الهندية بإغلاق مصانع الحديد التي تملكها في بريطانيا، آخر إسفين في نعش الإرث الطويل للثورة الصناعية التي انطلقت من بريطانيا في القرن التاسع عشر. وقد اتهم خبراء الصناعة وعدد من السياسيين حكومة ديفيد كاميرون ببيع مصالح بريطانيا للصين من خلال السماح لصادراتها من الحديد الرخيص بإغراق السوق.
الاثنين 2016/04/04
في وداع الثورة الصناعية

لندن - كشف تقرير إخباري أمس أن شركة الصلب الهندية “تاتا ستيل” قد تغلق مصانعها في بريطانيا في غضون 6 أسابيع إذا لم تجد من يشتريها قريبا، رغم أنها تجري محادثات مع نظيرتها الألمانية “تايسنكروب” لإنشاء شركة لصناعة الصلب في أوروبا.

وكانت الشركة قد أعلنت الأسبوع الماضي أنها تعتزم بيع جميع مصانعها في المملكة المتحدة بسبب “أدائها المالي المتدهور”. ورجح محللون احتمال دخول تاتا ستيل إلى السوق الألمانية بعد الخروج من السوق البريطانية.

وارتبطت صورة بريطانيا منذ القرن الثامن عشر بأنها مهد الثورة الصناعية، التي انطلقت فيها مع اختراع الماكنات البخارية، لكن أفول صناعة الحديد، يمكن أن يؤدي إلى غياب أبرز مظاهر تلك الثورة.

وسرعان ما تحول إعلان تاتا ستيل عن أزمة سياسية تواجه فيها الحكومة المحافظة اتهامات بأنها ضحت بهذا القطاع من أجل صداقات صينية.

وبعد يومين من قرار المجموعة عرض نشاطاتها في بريطانيا للبيع، يشعر العاملون في المجموعة البالغ عددهم 15 ألفا بقلق متزايد وبالمرارة وحتى الغضب على حكومة حزب المحافظين التي يتهمونها بالازدواجية.

وبررت “تاتا ستيل” قرارها بالمنافسة الكبيرة التي يشكلها استيراد الفولاذ الصيني رخيص الثمن، لتفسير نقص مردودية عملها في بريطانيا، بينما تؤكد لندن أنها بذلت جهودا شاقة من أجلها بما في ذلك في الدوائر الأوروبية لفرض رسوم جمركية على دخول الحديد إلى الاتحاد الأوروبي.

لكن تأكيدات الحكومة واجهت تشكيكا من قبل مجموعة الضغط الأوروبية للفولاذ (يوروفير) التي قالت، إن المسؤولين البريطانيين يعارضون أي إجراءات جديدة للدفاع عن الفولاذ الأوروبي.

وقال تشارلز دو لوزينيان الناطق باسم يوروفير “إنهم يتحدثون عن حماية مستخدمي الفولاذ، وأن صناعة السيارات والبناء والآلات تستفيد من الأسعار الزهيدة. لكن في الوقت نفسه تتم التضحية بصناعتنا من أجل قطاع آخر”.

وتشير يوروفير إلى أن الولايات المتحدة تفرض رسوما جمركية مؤقتة تتجاوز نسبتها 265 بالمئة على بعض أنواع الفولاذ الصيني الذي يتدفق بإفراط على الأسواق العالمية، مقابل ما بين 13 و16 بالمئة يفرضها الاتحاد الأوروبي.

وأكد لوزينيان لوكالة الصحافة الفرنسية أن بريطانيا سعت في الأشهر الأخيرة إلى إرضاء الصين واستقبلت بحفاوة بالغة الرئيس الصيني شي جين بينغ الذي قام بزيارة إلى لندن في أكتوبر لاستمالته من أجل القدرات الاستثمارية الهائلة لبلده.

265 بالمئة الرسوم الأميركية على واردات الحديد الصينية مقابل 16 بالمئة في الاتحاد الأوروبي

وقالت يوروفير إن البريطانيين “يعتقدون أنهم إذا عرقلوا تغيير وتحديث أدوات الدفاع عن التجـارة، فسيتمكنـون مـن إرضـاء الصين”.

ونقلت بعض وسائل الاعلام تلك الاتهامات التي أثارت عاصفة في بريطانيا، حيث تحتل صناعة التعدين والمناجم مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية منذ الثورة الصناعية التي أرست ازدهار البلاد.

لذلك، يواجه ديفيد كاميرون ووزير المالية جورج أوزبورن انتقادات حادة بدءا من تلك التي أطلقها الحليف السابق نيك كليغ الليبرالي الديموقراطي الوسطي ونائب رئيس الحكومة كاميرون من 2010 الى 2015.

وقال كليغ إن “جورج أوزبورن وضع علاقته الخاصة مع الصين فوق مصالح المملكة المتحدة”. وأخذ على الحكومة “تقصيرها في عدد من المناسبات في مساعدة صناعة المعادن، مثلا عبر منع الفولاذ الصيني ذي السعر الزهيد من إغراق السوق البريطانية”.

أما زميله وزير المؤسسات ساجد جاويد، فيفترض أن يتوجه إلى بورت تالبوت قلب صناعة التعدين البريطانية، حيث توظف “تاتا ستيل” 4 آلاف شخص، مختصرا زيارة إلى أستراليا لدعم قطاع مريض.

ويفترض أن يحاول الحد من الخسائر بتأكيده على أنه لولا تدخل الحكومة لدى “تاتا ستيل” لأغلقت المجموعة العملاقة مصنع الفولاذ فورا بدلا من عرضه للبيع.

ودعت نقابة “يونايت” جاويد إلى “النظر في عيون العمال وقطع وعود عملية”، معبرة عن أملها في ألا تكون هذه الزيارة “مجرد حملة علاقات عامة”.

وحذر الأمين العام للنقابة في ويلز آندي ريتشاردز من أن “عمال الصلب في بورت تالبوت وتاتا ستيل بأكملها يريدون أن يعرفوا بدقة ما ينوي ساجد جاويد فعله لإنقاذ صناعتهم ومصدر عيشهم”.

وطغت قضية تاتا ستيل على زيادة الحد الأدنى للأجور التي بدأ تطبيقها نهاية الأسبوع الماضي.

ويبلغ الحد الأدنى الحيوي للأجور، الذي تريده حكومة ديفيد كاميرون 7.2 جنيه إسترليني في الساعة (10.2 دولار) أي زيادة بنسبـة 7.5 بالمئـة علـى “الحـد الأدنى الوطني”.

وقال أوزبورن إن تلك الزيادة سوف تشمل 1.3 مليون عامل. وأكد في مقال نشرته صحيفة ذي صن الشعبية، أن هذا الإصلاح “قد يكون الأهم الذي يعتز به” منذ توليه حقيبة الخزانة قبل 6 سنوات.

10