أزمة طاحنة تهدد بإلغاء مهرجان القاهرة للمسرح المعاصر والتجريبي

كان مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي من أبرز المهرجانات المسرحية في العالم العربي، إلى جانب مهرجاني دمشق وقرطاج. وقد انطلقت دورته الأولى عام 1988، واستمر في موعده السنوي (مفتتح شهر سبتمبر)، بدعم مباشر من وزير الثقافة المصري الأسبق الفنان فاروق حسني، وإدارة ناجحة لفوزي فهمي، وقد احتل المهرجان مكانة عالمية كبيرة طوال 22 عاما، مستقطبا عروضا تجريبية لمخرجين وفرق مسرحية من كل القارات، حفّز العديدُ منها المخرجين العرب على تعميق رؤاهم ومقارباتهم، وإطلاق العنان لمخيلاتهم ومغامراتهم الإبداعية. فما الذي أصاب المهرجان اليوم وجعله مهددا بالتأجيل مرة بعد أخرى، وربما بالإلغاء نهائيا؟
الجمعة 2015/11/13
الأزمات المتلاحقة تنذر بألا تقوم للمهرجان قائمة بعد اليوم

نشر مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي منذ إنشائه في عام 1988 الثقافة المسرحية من خلال ترجمات لعشرات الكتب العالمية حول نظريات المسرح وتقنياته وتجاربه، واستضاف كبار المسرحيين من الغرب والشرق في لجانه التحكيمية وعقد ندوات متخصصة، ومناقشات للعروض المشاركة، وورشا تدريبية، وقراءات مسرحية، وغيرها من الأنشطة الأخرى ذات الصلة.

ومع ذلك توقف المهرجان للأسف، عام 2011 مع الاحتجاجات الشعبية الحاشدة التي شهدتها مصر، وأدت إلى إنهاء حكم الرئيس حسني مبارك ومعه الوزير فاروق حسني.

وفي العام الماضي طرح المسرحيون المصريون على وزير الثقافة السابق جابر عصفور فكرة إعادة تنظيمه، فاستجاب على الفور، وأعلنت وزارة الثقافة، بعد وقت قصير، أنها ستعيد تنظيم المهرجان تحت مسمى جديد هو “مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي”، على أساس أن الثورات تغيّر عناوين الماضي.

بيان"فيسبوكي"

شُكل للمهرجان هيكل إداري برئاسة الكاتب المسرحي والمخرج سامح مهران، الرئيس السابق لأكاديمية الفنون، وإدارة الأكاديمي والناقد المسرحي حازم عزمي.

ومن بين الإجراءات التي اتخذتها الإدارة إلغاء المسابقة الرسمية التي كانت تمنح جوائز عديدة للعروض المشاركة، على غرار ما فعلته إدارة مهرجان قرطاج، وإدراج عشرة عروض مصرية في المهرجان، من ضمنها العرضان الفائزان في المهرجان القومي للمسرح المصري، تتولى اختيارها كلها لجنة مشاهدة متخصصة، وذلك استجابة لرغبة العديد من الأصوات الممثلة للتيارات المختلفة داخل الجماعة المسرحية المصرية.

إهدار الوقت يعد ترفا لا تحتمله طبيعة العمل في الفعاليات الدولية التي تستدعي التخطيط المسبق قبل الحدث بعام كامل

بعد ذلك شُكّلت لجنة مشاهدة العروض العربية والدولية من هدى وصفى، والمخرج عصام السيد، والكاتبة رشا عبدالمنعم، والممثلة معتزة عبدالصبور، وإيمان عزالدين، وسيد خطاب.

وشاهدت هذه اللجنة ما يقرب من 20 عرضا مسرحيا، استعدادا لتقييمها كي تشارك ضمن فعاليات المهرجان، لكن اللجنة وإدارة المهرجان اصطدمتا بعد طول انتظار وتحديد موعده (21 نوفمبر 2015) بعدم اعتماد ميزانية للمهرجان حتى اليوم، مما قد يحرج وضعه، ومعه مصر الدولة، أمام الدول والفرق الأجنبية والعربية التي خاطبت الإدارة معلنة رغبتها في المشاركة، أو في حضور فعالياته.

وما كان من مدير المهرجان حازم عزمي إلاّ أن أصدر بيانا على صفحته الشخصية في الفيسبوك، أوضح فيه الأزمة الكبيرة التي يمرّ بها المهرجان وتهدّد بتأجيله إلى أجل غير مسمى، بل إنها تنذر بألاّ تقوم له قائمة في المستقبل المنظور.

وأكد البيان أنه رغم وعود المسؤولين على مدار تشكيلات وزارية متعاقبة بتوفير الميزانية للمهرجان، وصدور عدة قرارات رسمية في هذا الشأن، لا تزال كلها حبرا على ورق حتى بات بعض المسرحيين يشبهها، من باب التندر، بقافلة “علي جناح التبريزي” في مسرحية ألفريد فرج الشهيرة. ووصف البيان هذا الموقف الرسمي بالغريب والمريب على مدار أشهر طويلة، وبيّن أن إهدار الوقت لا تحتمله طبيعة العمل في الفعاليات الدولية التي تستدعي التخطيط المسبق قبل الحدث بعام كامل على الأقل.

ومع ذلك آثر فريق العمل داخل المهرجان أن يستمر في محاولة دفع العجلة بالإمكانيات الذاتية والتطوعية، أملا في أن تحدث الانفراجة المرجوة قبل فوات الأوان تماما، وكي يخرج المهرجان بالشكل اللائق في موعده المقرر. وكشف البيان أن طلبات المشاركة في المهرجان بلغت أكثر من 60 فرقة أجنبية وعربية، ناهيك عن طلبات المشاركة المصرية التي ما زالت تنهمر على الإدارة، والعديد من ضيوف المهرجان البارزين والمكرمين الدوليين ممـن أبدوا موافقتهم على الحضور والمشاركة.

وأبدى البيان أسفه لوصول الأمر إلى نقطة حرجة جدا لا يمكن عندها الاستمرار في معاندة الواقع بكل قسوته، فموقع المهرجان وجميع أنشطته مهددان بالتوقف في أي لحظة لعدم وجود ميزانية لدفع الفواتير، بينما الفرق الأجنبية المتقدمة للمشاركة تصرخ وتشكو في البريد الإلكتروني للمهرجان مطالبة بإعلان نتائج اختيارات المشاهدة في أسرع وقت، حتى تستطيع من جانبها البحث عن تمويل خارجي يمكّنها من الحضور إلى المهرجان.

مدير المهرجان لا يملك من الأدلة القاطعة ما يؤيد الحديث المرسل عن وجود قوى يمينية محافظة تؤثر على مراكز صنع القرار وتدفع إلى عدم إقامة المهرجان

تلكؤ ومماطلة

قال مدير المهرجان حازم عزمي في بيانه “الفيسبوكي” إنه لا يملك من الأدلة القاطعة ما يؤيد الحديث المرسل عن وجود قوى يمينية محافظة تؤثر على مراكز صنع القرار، وتدفع إلى عدم إقامة المهرجان، وأيضا عن وجود رغبة لدى “جهات عليا” في ألاّ يحمل اسم المهرجان كلمة “التجريبي”، وهي كلمة يرى أنها تثير حساسية ما لدى بعضهم، فهي تذكرهم بعهد فاروق حسني، وبعروض أثارت لغطا كبيرا عند عرضها في دورات المهرجان السابقة.

وكل هذا، حسب رأيه، إن صح، يمثّل خلطا واضحا بين المهرجان القديم والمهرجان بصيغته المعدلة والمطورة، والتي تحاول تجاوز سلبيات المهرجان التجريبي، وأوجه القصور فيه دون أن يعني ذلك بالضرورة إلقاء جميع حسنات الماضي في سلة المهملات.

ودفعت أزمة المهرجان الطاحنة أطيافا مختلفة داخل الوسط المسرحي والثقافي في مصر، إضافة إلى مجموعة الأعضاء المؤسسين للمركز المصري للمعهد الدولي للمسرح (هم: حازم عزمي، إبراهبم الحسيني، محمد فهيم، حازم شبل، عمرو أسامة سعد، محمد الغاوي، محمود اللوزي، ومنة الليثي) لتوجيه بيان عاجل إلى وزير الثقافة الحالي حلمي النمنم، وقد أشاروا فيه إلى تلكؤ ومماطلة وزارة الثقافة في عهد سلفه عبدالواحد النبوي في إصدار ميزانية المهرجان وإقرار لائحته.

وأوضحوا أن هذا التلكؤ والمماطلة غير المبررين وضعا المهرجان في أزمة شديدة تنذر بتأجيله أو إلغائه أصلا، وكلاهما من الأمور التي تهدد بفقدان المهرجان ووزارة الثقافة المصرية لمصداقيتهما على الصعيد الدولي.

وأكدوا في البيان أن المهرجان ليس منحة من الدولة، وليس ملكا خاصا لوزارة الثقافة المصرية تتصرف فيه كيفما تشاء، بل إنه ملك أصيل لكل المسرحيين المصريين، ولكل دافعي الضرائب على وجه العموم ممن يحق لهم الحصول على الخدمة الثقافية الاستثنائية التي يعد المهرجان بتقديمها. ولما كان توفير تلك الخدمة من صميم عمل وزارة الثقافة، فإنهم يطالبون الوزير وقيادات الوزارة بتحمل كامل مسؤولياتهم تجاه المهرجان، وإقرار ميزانيته ولائحته فورا ودون أدنى إبطاء.

ويبقى السؤال الأهم الآن: هل سيتجاوز وزير الثقافة الحالي حلمي النمنم العراقيل البيروقراطية ويتخذ قرارا ثوريا كي يقام المهرجان في موعده المقرر، وبالشكل الذي يليق باسم مصر وتاريخها الثقافي؟

17