أزمة عقل معطل

السبت 2015/04/18

الأزمة التي تمسك بخناقنا هي، في التّحليل الأخير، أزمة عقل عُطّل عن العمل قصدا، أو كُبّل، أو تمّت إقالته، أو هُجر فتكلّس وتحجّر وتصلّب، ففقد، في كلّ حال، القدرة على الاشتغال فانعدمت فاعليته وفرص تأثيره في تجديد الحياة وإثرائها بما يستجيب لأشواق النّاس، حيث تلاشت حيويته الواجبة لفهم كنه الكون على نحو شامل ومتسق، ولإدراك الحقيقة الخالصة في أبعد أغوارها.

ولعلنا في غير حاجة، هنا، إلى تقديم المزيد من البراهين الحضارية والأدلة العقلية التي ترسّخ حقيقة أنّ أيّ تجديد ثقافيّ يتوخّى إطلاق نهضة حضارية شاملة لا يبدأ إلا بإعادة النظر في منظومات المبادئ العقلية والمفاهيم القديمة والمعارف المتراكمة والأحكام الدنيوية المكتسبة، ونقدها جميعا؛ أي بإعادة النّظر في الثراث الثّقافي بأكمله، وذلك بإعمال مبادئ العقل الفطرية الجوهرية في جميع مكوناته وفق رؤية تكاملية عميقة ذات منهج عقليّ رصين يمكّن من إدراك الواقع القائم من جهة، ومن مقارنته بالواقع الممكن المراد الانتقال إليه من جهة ثانية، وذلك على نحو يتيح، في كلتا الحالتين، تعرّف الدّور الذي يمكن لهذا التراث أن يلعبه، كبحا للانتقال النّهضويّ وتكريسا للجمود والثّبات، أو تحفيزا على هذا الانتقال وتعزيزا للحيوية والتّحوّل عبر مواصلة الانخراط في صيرورة نهضوية مستدامة تستجيب لمقتضيات الحياة ومتطلباتها المتجدّدة، ولتنامي حرص النّاس على الذّهاب الدائم صوب مستقبل أفضل وأجمل يشبع حاجاتهم وتطلعاتهم وأشواقهم المفتوحة على جوهر الحياة وأسمى معانيها.

ثمّة علاقة ترابطية وثيقة لا يمكن فصمها بين مبادئ العقل الجوهرية وقانون السّببيّة الجوهريّ أيضا. وإن كان للأخيلة الموهومة والأفكار الضّاربة في الغيب والعقائد والأيديولوجيات المؤسّسة على السّحر والخرافة والكهانة والشّعوذة أن تستبعد العقل استبعادا حاسما فتلغي وجوده في الحيّز الذي توجد هي فيه، فإنها لا تملك القدرة على إنهاء علاقة هذا العقل، إن أراد إنسان عاقل أن يعمله، بقانون السّببية، لأنها تظلّ عاجزة، أصلا، عن إلغاء أيّ من طرفي هذه العلاقة، أي القانون الذي بات راسخا إلى حدّ البديهة، والعقل الذي يتوافر عليه كلّ إنسان كأصل جوهري أوّل من أصول كينونته، وهويّته كإنسان.

ومع ذلك، فإنها تستطيع، على غرار ما تفعل في هذا الزّمن الأسود الذي يسوّد عيش النّاس الآن، نقل هذه العلاقة من الوجود بالفعل إلى الوجود بالقوّة، أي تأجيل وجودها، ولا سيما إن هي تمكّنت، لسبب أو لآخر وتحت ضغط ظروف وأوضاع وشروط وحاجات وضرورات قاهرة، من أخذ هذا الإنسان أو ذاك إلى نقيضه عبر تجريده من جوهر إنسانيته، أي من عقله الذي يؤسّس إنسانيته.

ومن الحقّ أنّ الرّسالة المحمّدية قد افتتحت زمن استناد الدّين إلى العقل، فصفّته من السّحر والخرافة والشّعوذة، وخلّصته من الكهانة. ولأنها زوّدت الإنسان بتصوّر علميّ للطبيعة عوضا عن ذاك التّصور السّحري الذي حكم نظرته إليها على امتداد القرون السابقة على انبثاق أنوارها، كان لهذه الرّسالة أن تنقل الإنسان، في فهمه لنشأة الكون وإدراك القوانين التي تحكمه، من عالم السّحر التّشاكليّ المسكون بتحقّق موهوم للحاجات والأشواق، أو من عالم الأساطير التعويضية القائمة على الخيال الطليق، إلى عالم المعرفة القائمة على البحث العلمي الرّصين، والتأمل العقلي المصفّى، والجهد البشريّ الخلّاق.

فهل ثمة من حاجة، هنا، إلى إعادة التذكير بحقيقة أنّ تطوّر العلوم العملية المعروفة آنذاك، والشّروع في اكتشاف علوم عملية جديدة، ثمّ انبثاق علم الكلام والفلسفة العربية وتطوّرهما في سياق إعمال العقل والإعلاء من شأنه، وعبر البناء على الفلسفة اليونانية والفلسفات الشّرقية وفق محدّدات العقيدة الإسلامية الجديدة وتحفيزاتها، واستشعارا بمقتضيات صيرورة الزّمن وتنامي متطلبات الحياة وحاجات النّاس، إنما تمّ مع ظهور أنوار الرّسالة المحمدية عند نهاية العقد الأول من القرن السّادس الميلادي، وفي سياق تطوّرها وترسّخ وجودها عبر تنامي إقبال النّاس عليها واتساع مساحات انتشار أنوارها في أرجاء العالم؟! هل ثمّة من حاجة لتأكيد ما هو مؤكّد من جديد؟!

ناقد وديبلوماسي من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16