أزمة "فتح" مع مصر

الاثنين 2016/10/24

المراقب لتطورات العلاقة بين مصر وحركة فتح، سيجد أن هناك أزمة مكتومة على وشك الانفجار، ظهرت بوادرها منذ حوالي عامين، لكن كل طرف حاول التعايش معها، حتى لا تخرج إلى العلن، واضطر كلاهما لعدم الدخول في مواجهة، ليس هذا أوانها.

أزمة مفادها أن القاهرة غير راضية عن الطريقة التي يدير بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) السلطة الوطنية، ولا حركة فتح، ولا منظمة التحرير، ولا توجهاته الإقليمية.

فهذه الطريقة تضر بالقضية الفلسطينية، وتفتح البـاب للمزيد من تضخم حركة حماس، وتؤدي إلى إنقاذ إسرائيل من الشرنقة السياسية، التي تريد مصر وضعها بداخلها، عبر ما يسمى بـ“حصار التسوية”، وتفقد القضية جانبا من التعاطف العربي والدولي، وسط زحام الملفات والقضايا الساخنة في المنطقة، وتفتح الباب لدخول أطراف لديها تقديرات سلبية للقضية الفلسطينية.

كما أن استمرار التفسخ داخل فتح، يمنح حماس المناوئة لها مساحة أكبر للحركة والمناورة لفرملة المحاولات الجادة للمصالحة الفلسطينية، التي تتحفظ عليها أصلا، وتقدم لها مبررات لعدم التجاوب معها، بذريعة وجود أكثر من صوت يمثل فتح، ناهيك عن الحفاظ على حماس كرقم فلسطيني كبير، وسط خلافات تنخر بقوة في جسد الكثير من الفصائل الفلسطينية، ما يمكن أن يغطي على المأزق الحرج الذي تعاني منه حماس، في ظل التراجعات التي تواجهها، بموجب الانتكاسات السياسية التي قابلتها، عقب تدهور حال جماعة الإخوان في الكثير من الدول العربية.

مصر، لم تخف عدم رضاها عمّا يدور داخل فتح، ولم تقتنع بجدوى المنهج الذي يتبناه الرئيس أبومازن حيال معارضيه، لأنه سوف يوصله إلى طريق مسدود، ويضعه في مربع حافل بالتناقضات، فإذا كان يرفض الحوار مع هؤلاء في حركته، كيف يجلس على طاولة واحدة مع معارضيه خارجها، من حماس وغيرها؟ وإذا كان غير قادر على القبول بوجهات نظر مختلفة معه، كيف يتسنى له الحوار والتفاوض مع إسرائيل الماكرة؟

الواقع أن جميع الأنظمة المصرية، كانت تعتبر فتح، محركا رئيسيا للقضية الفلسطينية، وفي أحلك أيام الخلاف معها، في أزمنة سابقة، لم يغير ذلك شيئا في الرؤية المصرية، التي تتعامل دوما مع القضية باعتبارها ذات حيوية استراتيجية للأمن القومي، بصرف النظر عن الطريقة التي تدار بها منظمة التحرير، وفي القلب منها فتح.

عندما ظهرت حماس، مع نهاية الثمانينات من القرن الماضي، لم يتغيّر الموقف، وحتى بعد أن انكشفت ميول الحركة الإخوانية، حافظت القاهرة على علاقة جيدة معها، وسعت مؤخرا إلى تجاوز الكثير من المرارات التي خلفتها تحركات حماس، ومحاولات العبث بالأمن القومي، دون أن تختل المعادلة التي تضع فتح في بؤرة اهتمام النظام الحاكم في مصر.

مع أن القاهرة، حافظت على ضبط النفس في التعامل مع كل ما رشح من تصريحات وتلميحات سلبية، سواء من أبومازن نفسه أو أي قيادة فتحاوية تابعة له، غير أنها تلقت مؤخرا طعنات سياسية، منها ما يتهمها بأنها تؤيد معسكر القيادي محمد دحلان المنافس القوي للرئيس أبومازن (82 عاما)، ومنها ما وصل إلى درجة ترديد كلمات بشأن “تخلي مصر عن ثوابتها حيال القضية الفلسطينية”.

المشكلة أن الموقف وصل إلى حدّ التمادي والمبالغة في الاتهامات، إما للتغطية على الإخفاقات التي تعتمل داخل فتح، وعجزها عن عقد مؤتمرها العام، وإمّا لسبغ الأزمة بأبعاد شخصية، توحي بأن الرئيس الفلسطيني أصبح مستهدفا بحدّ ذاته، وأن هناك محاولات عربية، تقودها القاهرة لعزله، وتصعيد دحلان بدلا منه.

هذه النتيجة يخلص إليها المتابع لحفلة التراشقات التي نصبها عدد من القيادات المحسوبة على جناح أبومازن، ردّا على انعقاد مؤتمر علمي عقد في مدينة العين السخنة (على البحر الأحمر شرق القاهرة) الأسبوع الماضي، حضرته نخبة من الخبراء والأكاديميين والسياسيين، من مصر وفلسطين، تحت عنوان “مصر والقضية الفلسطينية والمتغيرات الإقليمية”.

لائحة الاتهام بدأت من الترويج لوقوف محمد دحلان خلف المؤتمر، وحتى القول بأن مصر عقدته للتحضير لمرحلة ما بعد أبومازن، علاوة على تلاسن ربما كان نادرا في أوقات سـابقة، من نوعية “رفـض الوصاية المصرية” و“فتح لم تخوّل أحدا للحديث نيـابة عنها”، وما إلى ذلك من عبارات يصبّ جميعها في خانة الرغبة في تصعيد الأزمة مع القاهرة، بدلا من محاولات إطفائها.

اللافت أن المؤتمر بدا “علميا”، يناقش القضية من زواياها المختلفة، ولم يحضره مسؤول رسمي مصري، وليست مهمته الهجوم على أبومازن، ولا الدفاع عن أحقية دحـلان، لكن مهمته البحث عن مخارج عملية للوضع الفلسطيني، الذي ينتقل من تدهور سياسي لآخر أشدّ وطأة، ما يجعل من الصعوبة أن تعود القضية إلى مركزيتها التاريخية، وسط تراجع مثير تشهده، في عقل وقلب الفلسطينيين قبل غيرهم.

ربّ ضارة نافعة، كما يقولون، فقد جاء هذا المؤتمر ليكشف إلى أيّ مدى وصل الحال الفلسطيني، وإلى أين سوف تذهب القضية، التي زاد فيها شبح التخوين والعمالة، وعادا ليسيطرا على مفردات الخطاب الذي يتبناه عدد من قادتها؟

ففي الوقت الـذي تنهمر السهـام عليهـا من الداخل والخارج، وتسعى قوى إقليمية إلى المتاجرة بها، تتفرغ قيادة السلطة للانخراط في حروب هامشية، وترفض الخوض في تفاصيل أصل الداء، وتخسر من الحلفاء والأصدقاء من يمثلون سندا لها، لأهداف تبدو ضيقة، أو بسبب حسابات خاطئة، ولم يجتهـد هؤلاء للبحث عن حلول عملية، تحافظ على الحركة الأم، وتوحد صفوفها، لتتمكن من مواجهة التحديات الصعبة.

وحدة الصف الفلسطيني، والفتحاوي بشكـل خاص، من أهم الخطوات التي تقف حائلا دون استمـرار ضيـاع القضيـة، وهـو ما تطالب بـه مصر منـذ سنـوات طويلة، وقبـل مؤتمر العين السخنة، الذي فجّر جانبا من الجراح السياسية، فحالة التشرذم والتفكك والتحلل، التي دخلتها فصائل فلسطينيـة كثيـرة، هي المـدخل الذي يحقق منه أعداء القضيـة والمتربصين بها أغراضهم.

كاتب مصري

9