أزمة قادة ومصالح خارجية تضع العراق على مفترق طرق

السبت 2014/05/03
السلام والاستقرار أكبر رجاء للعراقيين في الائتلافات الانتخابية

بغداد- يترقّب العراقيون نتائج عمليات العد والفرز لأصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية التي جرت الأربعاء الماضي، علما أنه من المتوقع ألا تعلن قبل أسابيع النتائج النهائية لأول انتخابات تشريعية منذ الانسحاب الأميركي نهاية 2011، وثالث انتخابات منذ اجتياح 2003. وتبدو لائحة رئيس الوزراء نوري المالكي الأوفر حظا للفوز بأكبر عدد من المقاعد، رغم أن مراقبين يشككون في إمكانية أن تفوز لائحته بغالبية هذه المقاعد وعددها 328 مقعدا.

في غمرة الفوضى السياسية والأمنية، التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، وبعد 3 سنوات من هذا التاريخ سنحت لمعارض صدّام حسين نوري المالكي فرصة تاريخية، ما كانت لتتحقّق في ظروف مغايرة، وأصبح الشيعي الموالي لإيران، رئيسا للوزراء في العراق.

حصل المالكي على هذا المنصب بعد انسحاب إبراهيم الجعفري، رئيس حزب الدعوة الإسلامية، وتراجعه عن ترشيحه للمنصب بعد معارضة شديدة من الكتل السنية والكردية له. ليبدأ المالكي منذ سنة 2006، مشواره المليء بالأزمات والمشاكل والتجاذبات السياسية. وهو اليوم يخوض صراعا مع الأغلبية الشعبية ومع خصومه السياسيين ليبقى رئيسا لحكومة العراق للمرّة الثالثة على التوالي، في خطوة يرى خبراء وساسة عراقيون ودوليون أن عواقبها ستكون وخيمة على العراق.

يحتدم الجدل في العراق اليوم حول الولاية الثالثة لرئيس الوزراء نوري المالكي. فهنالك شبه إجماع وطني ظاهري بين القوى السياسية المعارضة على تغيير المالكي في الحكومة، في المقابل هنالك إصرار من ائتلاف دولة القانون الحاكم والقوى المناصرة له مذهبيا أو مصلحيا على إبقاء المالكي على رأس السلطة التنفيذية.

لم تقم الحكومة العراقية بأية محاولة واضحة للتغلب على هذه الانقسامات وبناء هوية وطنية مشتركة

ويزعم أنصار المالكي أن دولة القانون فازت بأغلبية أصوات الناخبين، فيما يقول خصومه العكس ويؤكّدون على أنه من المبكر تحديد الفائز لأن صناديق الاقتراع خارج العراق لم تصل بعد، كما أن عمليات فرز الأصوات في الداخل لم تعلن رسميا الأرقام الأخيرة، وهو ما أكّدت عليه المفوضية المستقلة للانتخابات، مشيرة إلى أنه لا توجد أرقام رسمية حتى الآن وما يتم تداوله مجرّد توقّعات ضمن برامج وخطط سياسية.

ويتطلب تشكيل الحكومة وتنصيب رئيس الوزراء بحصوله على ثلثين من أصوات البرلمان أي ما يفوق 165 نائبا. وكان “ائتلاف دولة القانون” حصل في الانتخابات النيابية الماضية على 89 مقعدا وتطلب الأمر التحالف مع عدد من الكتل السياسية الأخرى الشيعية، منها “كتلة المواطن” التي يتزعمها عمار الحكيم، و”التيار الصدري” الذي يتزعمه مقتدى الصدر و”حزب الفضيلة” الإسلامي و”كتلة بدر ” التي يتزعمها وزير النقل الحالي هادي العامري و”تيار الإصلاح” الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم الجعفري ليشكلوا تحالفا انتخابيا يحظى بالأغلبية التي تمنحه حق تشكيل الحكومة وتنصيب رئيس الوزراء.

على وقع التفجيرات وعمليات إرهابية ذهب ضحّيتها ما يقارب الألف عراقي، خلال شهر أبريل فقط، عاش العراقيون على وقع الحملات الانتخابية التي انتهت بتحدّيهم للوضع الأمني الخطير وتوجّههم الأربعاء الماضي إلى مراكز الاقتراع لاختيار 328 نائبا من بين أكثر من 9 آلاف مرشح في 107 قوائم تتضمن 37 ائتلافا من 71 اتجاها سياسيا.

ومنعت الأوضاع الأمنية المتدهورة في مدينة الفلوجة والكرمة بمحافظة الانبار (غرب) من افتتاح مراكز الاقتراع بعد أحكام سيطرة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الشهير بـ”داعش” والمرتبط بتنظيم القاعدة، عليها قبل نحو 4 أشهر. وتعد الانتخابات التي عقدت الأربعاء هي أول انتخابات برلمانية يشهدها العراق منذ انسحاب القوات الأميركية أواخر عام 2011. وأعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق أن ما يقرب من 60 بالمئة من العراقيين صوتوا في الانتخابات.

ويقول مراقبون إنه في حال فوز نوري المالكي فإن ذلك سيكون أقرب إلى ما حدث سنة 2010، حيث وقع التلاعب بالنتائج، مشيرين إلى أن فوزه سيكون بداية فعلية للحرب الأهلية في العراق، حيث أن نسبة كبيرة من الطيف السياسي والشعبي ترفض تجديد الولاية لرئيس الوزراء، وهو ما صوّت عليه نواب البرلمان في وقت سابق، بأغلبية بلغت حوالي 180 صوتا، رافضين أن يبقى أي رئيس للحكومة في منصبه لثلاث دورات متتالية.

يشعر أكراد العراق بالقلق من إمكانية خسارة منصب رئاسة الجمهورية في مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية، خصوصا وأن هذا المنصب يمثل بالنسبة إليهم رمزا مهما وحلقة وصل بين إقليم كردستان وبغداد

كما أن الفوز بعدد كبير من مقاعد البرلمان لا يعني آليا تشكيل الحكومة، فنوري المالكي يحتاج إلى عقد تحالفات ليصل النصاب المطلوب لتشكيل الحكومة الجديدة. والمشكلة التي يواجهها مع هذه الانتخابات هي أنه خسر حلفاءه وعلى رأسهم الكتلة الصدرية. فالتحالف الذي أبقى بالمالكي في منصبه في الانتخابات السابقة تفكّك اليوم ووصلت الخصومة بين حلفاء الأمس حدّ الخصومة السياسية العميقة، بل إن أحد المراجع الشيعية بشير النجفي، وهو من المراجع الأربعة الكبار في العراق، أفتى بحرمة التصويت لنوري المالكي. وبسبب تشظّي التحالف الوطني السابق يتوقّع محلّلون أن تطول فترة تشكيل الحكومة، وأن يمرّ العراق بفترة صعبة وحرجة، حتى يتمّ تشكيل تحالفات جديدة، قد تؤدّي إلى تغيير الأدوار وبروز فائزين جدد.

ويرجّح معظم المراقبين السياسيين في العراق فوز حزب المالكي بأكبر عدد من الأصوات، لكن ليس بالضرورة بالـ 165 مقعدا المطلوبين من جملة 328 مقعدا، مما سيدفع دولة القانون إلى البحث عن أطراف أخرى لتكوين ائتلاف الأغلبية الذي تحتاجه لتشكيل حكومة، دون مساعدة من المحكمة العليا، هذه المرّة، مع تجديد ولايته، واستنادا على الطريقة التي قاد بها الحكومة، خلال السنوات الأربع الماضية.

من المتوقّع كذلك أنّ يواصل المالكي تعزيز دور الحكومة المركزية، في تناقض صارخ مع طموحات كثير من العراقيين (على غرار كردستان العراق). وتثبت كل المؤشرات أنّ المالكي لم سيستمرّ في استخدام التهديدات والقوة لفرض سياسته وتجاهل مطالب المعارضة العراقية وكل المظاهرات التي خرجت تطالب بإسقاط “نظامه”. كما سيبادر حتما بتعزيز منصبه كرئيس للوزراء لضمان عدم الاطاحة به، في حال انهيار التحالفات في البرلمان.


هل سيعيد التاريخ نفسه


سيعتمد نجاح هذه الانتخابات أساسا على التغيرات الاجتماعية السياسية التي ستشملها. إذ لا يزال ملايين العراقيين، الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع، داخل العراق وخارجه، يتذكرون أحداث انتخابات 2010 ومخلفاتها، وهي انتخابات فرضها عليهم المسؤولون الأميركيون وقادة إيران.

يتخوف سياسيون من المؤامرات السياسية التي يدبرها الطامعون في السلطة، حيث يدعمون العناصر المخربة لاستمرار مسلسل التفجيرات الإرهابية التي يدفع ثمنها الشعب العراقي

عند إعلان النتائج النهائية للانتخابات، في 26 مارس 2010، تبيّن أنّ رئيس الكتلة العراقية، إيّاد علاوي قد فاز بأكبر عدد من المقاعد، متجاوزا منافسه نوري المالكي، المنتمي إلى كتلة دولة القانون، بمقعدين، وهو ما دفع رئيس الوزراء الحالي إلى عقد مؤتمر صحفي هاجم خلاله اللجنة الانتخابية المستقلة، ودعا إلى إعادة فرز الأصوات يدويا.

وتصاعدت وتيرة الاضطرابات بالعراق وحدّتها في ظلّ المراوغات السياسية التي عطّلت عملية تشكيل الحكومة لحوالي 10 أشهر، في ظلّ انعدام الأمن جراء الحرب والعنف الطائفي الذي سببته المليشيات المتطرفة. ويخشى مراقبون أن يتكرر نفس السيناريو مع انتخابات 2014، وأن يعيد التاريخ نفسه.


التدخلات الإقليمية


أكد مراقبون سياسيون أن شخصنة اللعبة السياسية بين الخصوم السياسيين تدفع العراق إلى الهاوية؛ نظرًا إلى أن دول الجوار “إيران وتركيا”، بالإضافة إلى أميركا، تحاول اللعب في الخفاء وكل جهة تريد أن يصعد رجالها إلى سدة الحكم، مما يعد مؤشرا لتزايد الفوضى والانهيار الداخلي في العراق، ويتخوف سياسيون من المؤامرات السياسية التي يدبرها الطامعون في السلطة، حيث يدعمون العناصر المخربة لاستمرار مسلسل التفجيرات الإرهابية التي يدفع ثمنها الشعب العراقي.

وتراهن هذه الأطراف الإقليمية على تغيّر المواقف في الساحة العراقية تبعا لظروف كل مكون من المكونات الثلاثة للمجتمع العراقي (السنة والشيعة والأكراد). وبكل تأكيد فإن التدخلات الإقليمية تستفيد من هذه التناقضات الداخلية بين المكونات العراقية وتلعب على حسابات الربح والخسارة من أجل مصالحها.

ولعبت طهران وواشنطن في انتخابات العام 2010 دورا رئيسيا في إعادة انتخاب نوري المالكي، السياسي الشيعي النافذ الذي يحكم البلاد منذ 2006، لولاية ثانية على رأس الحكومة الحالية في تحالف مصالح بدا اضطراريا بينهما. لكن الانسحاب العسكري الأميركي نهاية العام 2011 منح النفوذ السياسي الإيراني مساحة أكبر للتحرك ضمن العملية السياسية في العراق حتى جعل من طهران أكبر اللاعبين في بلاد خاضت معها حربا دامية بين 1980 و1988.


العراقيون يترقبون


طوى العراقيون صفحة اليوم الانتخابي الطويل الذي تحدوا فيه التهديدات الأمنية ليصوت أكثر من نصفهم في الانتخابات التشريعية، وباتوا ينتظرون نتائج يأملون أن تحقق لهم رغبتهم في التغيير.

لكن لا يتوقّع أغلبهم، وفق دراسة ميدانية أعدّها “مركز المرآة لمراقبة وتطوير الأداء الإعلامي” في العراق، أن تتمخض نتائج الانتخابات عن وضع أفضل للعراق بإحداث تغيير ملموس وتكوين برلمان جديد قادر على تحقيق وضع مستقر في بلد ممزق بالعنف والصراعات الحزبية والطائفية.

ويتصدّر الهاجس الأمني اهتمام العراقيين. ويعتبره المشاركون في الاستبيان أحد أهم التحديات التي تواجه العملية الانتخابية القادمة، والأمن هو مطلب أساسي وأولي يجب على المرشح أن يحققه حتى يطمئن الناخب. ولم تستطع حكومة المالكي السيطرة على الأوضاع الأمنية في البلاد، حيث لم تنجح الإجراءات الأمنية، التي اتخذتها الحكومة، في حماية البلاد من الانفجارات المفخخة، وحلّ معضلة الأنبار ومواجهة الجماعات الجهادية، وهو ما أصبح يمثل هاجسا كبيرا لدى العراقيين.

وتنشد اتجاهات الرأي العام في معظمها التغيير كسبب رئيسي في المشاركة الانتخابية، فضلا عن الدوافع الوطنية. وبينت الاستطلاعات أن أهم القضايا التي يريد الرأي العام من البرلمان الجديد الاهتمام بها هي مسألة الأمن ثم الفساد والبطالة، كذلك مسألة التعليم والصحة والديمقراطية وحقوق الإنسان.

تجارب كل الانتخابات السابقة التي تلت انهيار نظام البعث في العراق، رغم أهميتها، تضمنت نقاط ضعف خطيرة لم تحقق الأمن والسلام والازدهار وآمال العراقيين. فلم تعبد العمليات الانتخابية الطريق أمام ترسيخ الهوية الوطنية العراقية وإرساء ثقافة الحوار وزرع روح التآخي بين مكونات الشعب العراقي. وتتحمل النخب السياسية المتنفذة سواء في المحافظات العراقية أم في الإقليم وفي مجلس النواب العراقي والحكومة العراقية مسؤولية كبيرة في تأزيم هذه الأجواء الملتبسة والمحتقنة في البلاد، والتي تم استثمارها من قبل دوائر إقليمية لزرع الفوضى في العراق والتدخل الفظ في شؤونه.

أثبتت انتخابات 2010 –ونتائج سبر الآراء خلال الحملة انتخابات 2014- أن البلاد في مفترق طريق حاسم وأن الطائفية لا تزال تشكل تهديدا كبيرا. فمع فشل السياسيين في حل أية أزمة سياسية عبر التوزيع العادل للثروة والسلطة، يهيمن خطر الحرب الأهلية والانقسام على البلاد، وهي جميعها عوامل ساهمت في تخريب مؤسسات الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها وسيادتها.

والعراق اليوم هو نتاج خلافات متأصلة بالبلاد منذ 2003، عندما نصّ مجلس الحكم العراقي على تقسيم السلطة على أساس معايير طائفية ودينية وعرقية. ومن ثمّ، فإنّ نجاح الانتخابات نفسها لا يمكن أن يقاس بعدد الناخبين أو النتائج المئوية، بل بالإصلاحات الاجتماعية السياسية التي ستؤول إليها بعد أن خلّفت الحرب الأميركية في العراق ظروفا مروّعة من انعدام الأمن والعنف الدموي الذي يبلغ حاليا ذروته. والمحافظة على الوضع الراهن ستضمن فشل الحكومة في التعامل مع الحالة الأمنية الصعبة، وهو ما سيخلّف تصعيدا متواصلا للعنف، ومن ثمّ تفكك البلاد.


اقرأ أيضا


العراقيون يرفضون الإسلام السياسي حلا لمعضلة بلادهم

6