أزمة قطر تعمق تناقضات أردوغان تجاه السعودية والإمارات

لم تترك المواقف الحازمة للسعودية والإمارات والبحرين ومصر تجاه قطر فرصة المناورة أمام حلفاء الدوحة الذين كانوا إلى وقت قصير قبل الأزمة يسعون إلى التقرّب من الرياض. جاء قرار المقاطعة والتصعيد المتواصل للأزمة ليضع هؤلاء الحلفاء المزدوجين، وعلى رأسهم تركيا، أمام تحديد موقف واضح. اختار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قطر. خاطر أردوغان بالعلاقة مع السعودية واصطف بكل قوته إلى جانب الدوحة في محاولة للتقليل من المقاطعة وخشية نجاحها لأن الأمر لن يطول حتى يحين دور تركيا.
الخميس 2017/06/15
يخشى من أن يكون اللاحق

لندن – منذ توليه الحكم عام 1995، كانت رؤية الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تقوم على “كيف يمكن لقطر إزعاج السعودية؟”، وعلى ما يبدو حصل الشيخ حمد أخيرا على ما يريد، عبر جر منافس قوي لها من خارج منطقة الخليج إلى بؤرة نفوذ السعودية.

لم يكن هذا المنافس سوى تركيا، التي لطالما سعت في السابق إلى تعزيز علاقتها مع القوتين الكبيرتين في منطقة الخليج، السعودية والإمارات، لكنها اليوم تبدو على استعداد لقلب استراتيجيتها الإقليمية رأسا على عقب. وعملت تركيا في السابق على مد جسر استراتيجية يربطها بدول الخليج.

بين القوتين تقف قطر، التي تتشارك مع تركيا في جسر أيديولوجي، إذ دعمت الدولتان تنظيم الإخوان المسلمين، وفتحت تركيا حدودها مع سوريا على مصراعيها أمام مقاتلين أجانب انضموا إلى صفوف تنظيمات متشددة تقاتل ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، بالتنسيق مع قطر.

لكن مع تصاعد الألم في قطر إزاء حملة المقاطعة، التي تقودها السعودية والإمارات والبحرين ومصر، نسف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الجسر الاستراتيجي لصالح الإبقاء على الجسر الأيديولوجي.

وأرسلت تركيا قوات خاصة لحماية مؤسسات سيادية في قطر، كما قال أردوغان إن حملة المقاطعة هي بمثابة “حكم بالإعدام على قطر”. لكن تحركات أردوغان وخطبه لم تجد آذانا صاغية في الخليج.

الوجوه المؤيدة لعلاقات أوثق مع السعودية استبعدت ضمن حركة الاستئصال التي قام بها أردوغان بعد انقلاب يوليو الفاشل

استثمار تركي في الأزمة القطرية

لم تكن السعودية والإمارات على وفاق دائم مع تركيا، التي عملت مع الوقت على تحويل الإخوان وجماعات متشددة في سوريا وليبيا خصوصا إلى ما يشبه “الجنود غير الرسميين” في الجيش التركي. كما لم تثق دول الخليج يوما في نوايا أردوغان، الذي يبدو محاصرا من قبل أوروبا في الغرب، وروسيا في الشمال، والصراعات المحتمدة في سوريا والعراق على الحدود الجنوبية.

ولم تحقق سياسة تركيا أي نجاح يذكر على كل هذه الجبهات. لكنها وجدت على ما يبدو مخرجا في الأزمة القطرية.

وعلى مدار الأعوام الماضية عملت تركيا على تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الخليج، إذ ارتفع حجم التبادل التجاري بين تركيا والسعودية إلى 8 مليار دولار سنويا، كما بلغ حجم أعمال الشركات السعودية في تركيا، والعكس، 17 مليار دولار. كما تجاوز حجم الإستثمارات المتبادلة بين تركيا والإمارات 12 مليار دولار.

وكان متوقعا أن تغذي هذه العلاقات النزعة البرغماتية في العلاقات الخارجية التي عُرف بها أردوغان. وفي عام 2015 أسقطت تركيا طائرة روسية من طراز سوخوي على حدودها مع سوريا. وأدت هذه الأزمة إلى تغيير جذري في مقاربة أردوغان للصراع الروسي، سعيا إلى رفع عقوبات اقتصادية قاسية فرضتها روسيا على تركيا بعد الحادث.

وأثبتت هذه الأزمة قدرة أردوغان على تبني نهج برغماتي فجأة، إذا شعر بضغط لن يكون قادرا على تحمله لفترة طويلة.

وتقول لورا بيتل، الكاتبة في صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية إن “مبدأ ‘صفر مشاكل’ الذي كانت الحكومة التركية تتبناه دائما منذ صعود أردوغان للحكم عام 2003، انتهى مع اندلاع بالربيع العربي عام 2011”.

منذ ذلك الحين راهن أردوغان على وصول جماعات الإسلام السياسي للحكم في منطقة الشرق الأوسط، كما تحوّلت الروابط بين تركيا وقطر إلى تحالف استراتيجي يعمل كقوة محركة خلف كل تنظيمات الإسلام السياسي السني، مهما بلغت درجة تشددها.

ودفعت هذه المقاربة السعودية والإمارات خصوصا إلى النظر إلى تحركات تركيا في المنطقة بريبة كبيرة. واعتبرت الدولتان أن سقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر عام 2013 هو انتصار كبير على الاستراتيجية التركية – القطرية في المنطقة. وتقول مصادر تركية إن سياسيين كبارا في حزب العدالة والتنمية الحاكم، بالإضافة إلى ضباط في الجيش ودبلوماسيين عملوا، بعد صعود العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى الحكم في مارس 2015، على دعم التقارب بين تركيا من جهة، والسعودية والإمارات من جهة أخرى.

هناك إجماع بين الأوساط الدبلوماسية على استمرار دعم أردوغان لقطر ما لم توضع تركيا بدورها تحت ضغط مماثل

ودعمت تركيا، على سبيل المثال، فرض السعودية هيمنة كاملة على الائتلاف السوري المعارض، الذي شكل لجنة عليا للتفاوض تتخذ من الرياض قاعدة لها. كما استقبلت تركيا طائرات سعودية مقاتلة في قواعدها العسكرية، ورفعت مستوى التدريب والتنسيق بين الجانبين ضمن خطط محاربة تنظيم داعش على الأراضي السورية.

تحالف فاشل

كانت السعودية تأمل في استغلال الطبيعة السنية الشاملة التي تحكم نظرة أردوغان لموقع تركيا في المنطقة، ضمن تحالف إسلامي أوسع في مواجهة الإسلام السياسي وإيران. لكن السياسة الخارجية “الغاضبة” التي تبناها أردوغان بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة على حكمه في يوليو 2016 تسببت في انـهيار أي تـقـارب اسـتراتـيجي بين الجانبين.

وتقول المصادر التركية إن الوجوه المؤيدة لعلاقات أوثق مع السعودية والإمارات داخل مؤسسات الحكم استبعدت ضمن حركة الاستئصال الواسعة التي قام بها أردوغان، وشملت اعتقال أكثر من 50 ألف شخص، وطرد قرابة 130 ألفا من وظائفهم.

وأدت هذه الحركة إلى تعزيز مكانة الحليف القطري كخيار أوحد في السياسة الخارجية التركية إزاء منطقة الخليج على حساب باقي دول المنطقة. ورغم أن الموقف التركي من الأزمة القطرية يبدو حاسما، يقول دبلوماسيون غربيون إن “في قلب هذا الحسم يكمن التردد”.

وهناك إجماع بين الأوساط الدبلوماسية على استمرار دعم أردوغان لقطر “ما لم توضع تركيا بدورها تحت ضغط مماثل”. ويدرك أردوغان ذلك جيدا، إذ لجأ إلى تحويل قطر كخط دفاع أمامي خشية من توجيه مد محاربة الإرهاب نحو تركيا، أكبر داعميه.

وقال دبلوماسيون إن خطاب أردوغان، بالإضافة إلى إرسال جنود أتراك إلى قطر “لن يساهم في تعديل موازين القوى في الخليج” لصالح قطر، إذ سيتحول الجنود الأتراك إلى “نقطة محاطة ببحر من الجيوش التي تحيط بشبه جزيرة صغيرة (قطر) يقفون على أراضيها المعزولة”.

وقال أردوغان قبل يومين مخاطبا الملك سلمان بن عبدالعزيز “أدعوكم إلى رفع الحصار عن قطر قبل انتهاء شهر رمضان المبارك”، لكن على ما يبدو لن يجد أردوغان هذه المرة أيضا آذانا صاغية.

7