أزمة قطر تكشف مكامن الخلل في منظومة مجلس التعاون

قام مجلس التعاون لدول الخليج العربية على إرادة جماعية، إلّا أنه بحسب قراءة عدد من المشاركين في ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الرابع، لم يرق حتى الآن إلى الطموحات وبقيت العقيدة الأمنية والعسكرية لدول المجلس مُتفرِّقة، وحتى هذه اللحظة لم يَبْنِ المجلس قوة حقيقية رادعة، ولم تتفق دول الخليج بعد على مفهوم مشترك للأمن. وربما يحتاج “مجلس التعاون” إلى تغيير ميثاقه، وربما إعادة صياغته.
الخميس 2017/11/16
قمة ديسمبر القادمة ستحدد مستقبل مجلس التعاون

أبوظبي – حقق الخليجيون الكثير لكنهم تعرضوا لأخطار حقيقية ما فتئت تقض مضجع أهل المنطقة، سواء في الحرب الإيرانية العراقية أو حرب تحرير الكويت أو غزو العراق. وإذا ما تجاوز الخليجيون تلك الأخطار والمحن فإنهم، وهم الذين أنشأوا مجلسهم وتكتلوا في ما بينهم توقيا من خطر إيراني ولد مع ولادة الجمهورية الإسلامية في إيران، ما زالوا يواجهون نفس الخطر الذي ازداد وقاحة وشراسة.

حدد موعد قمة مجلس التعاون الخليجي السنوية في شهر ديسمبر المقبل. لكن في ظل تواصل مقاطعة السعودية والإمارات والبحرين، إلى جانب مصر، لقطر، ليس من الواضح ما إذا كانت القمة ستنعقد مثلما هو معتاد ومخطط لها، أو ما إذا كانت ستنعقد أصلا.

وسواء انعقدت القمة أم لم تنعقد، يؤكد خبراء وسياسيون شاركوا في جلسات “ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الرابع” على أن مجلس التعاون الخليجي في حاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لسياسته ومواثيقه، فالظروف المشتركة التي دفعت لإنشاء مجلس التعاون الخليجي سنة 1981 اختلفت، والتهديد لم يعد مصدره فقط الخارج، وبشكل رئيسي إيران، بل يأتي اليوم من دولة عضو في مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

ويفتخر عبدالله بشارة الأمين العام الأسبق لمجلس التعاون الخليجي (1993-1981)، وهو الدبلوماسي الكويتي العريق، بمجلس التعاون الخليجي لكنه يعترف بأن التجربة لم ترق إلى مستوى تشكيل قوة رادعة ضد إيران.

منطقة الخليج على أبواب تحول كبير وأزمة قطر وتصاعد التوتر مع إيران وتبدل المقاربة السعودية لمسائل الأمن الاستراتيجي ليست سوى أعراض ذلك التحول

وقال بشارة قناعة تشاركه فيها نخب الخليج مفادها أن “المجلس” لم يُنشأ في الأصل من أجل التنمية والاقتصاد، كان تشكيلا أمنيا دفاعيا لردّ التهديد الوارد من إيران.

ويقر الأكاديمي الإماراتي عبدالخالق عبدالله بتلك الحقيقة، لكنه يلفت إلى أن دول الخليج باتت أكثر ثقة بنفسها في العقدين الماضيين وأن المجلس وضع دفاعات رادعة ضد أخطار متعددة: إيران، الإرهاب، التشدد.

ورغم التراكم الذي حققه الخليجيون في ميادين شتى، لا سيما في التعليم والتنمية والاقتصاد والثقافة، ما زال الأمن هاجس الخليجيين.

ويلفت الباحث الكويتي عايد المنّاع إلى أن اقتصادات المنطقة ما زالت مالية وأن حربا مثل تلك التي ينخرط فيها الخليجيون في اليمن قد تغرف كثيرا من المخزون المالي لبلدان المنطقة.

ويشير المانع إلى أن الكويت ما زالت تشعر بنفس الأخطار من إيران ومن العراق، وأن الخليجيين بحاجة إلى دعم القوة العسكرية الخليجية لرد مخططات طهران، مذكرا بأن إيران تملك جيشا قوامه 800 ألف مقابل 400 ألف عسكري خليجي، ما يستدعي البحث بشكل عميق عن وسائل حماية المنطقة والدفاع عن مصالحها.

ولا يواري الباحث السعودي سالم اليامي مقاربة الإشكالية بحقيقتها وواقعها، إذ يقول “أمن الخليج كان دائما يأتي من الخارج”، لافتا إلى أن التطور الكبير هو أن بلدان الخليج باتت تعتمد على أجيال جديدة وهي تعول على دورها في تحديد المستقبل.

ملتقى أبوظبي الاستراتيجي: تحديث مجلس التعاون وإدخال إصلاحات بنيوية على تركيبته أمر ملح

لكن نقاش المستقبل لا يخفي محاكمة الماضي. لم يعد مجلس التعاون الخليجي يعمل بالشكل المطلوب وبات مطلوبا تحديثه وإدخال إصلاحات بنيوية على تركيبته.

ويرى عبدالله بشارة أن ميثاق المجلس “فضفاض ومرن”، ولم تسر الأمور الدبلوماسية والعسكرية بطريقة سوية. ويجزم بشارة، وهو الذي خبر المجلس عن كثب، أن المجلس غير موحد بسبب الحذر المتبادل و”الإفراط في السيادة”، وأن الصيغة السابقة صارت متقادمة، وهذا التقادم “منعنا من أن نكون قوة رادعة”، مضيفا “توقعنا أن يتطور درع الجزيرة إلى جيش واحد”، والمطلوب حسب رأيه الانتقال من “التعاون” إلى الوحدة.

ويدعو المانع إلى إعادة النظر بالبيان التأسيسي فـ”لا يجوز أن تحتاج كل المسائل إلى الإجماع”، ويلفت إلى أن بلدان المجلس لم تتجاوز خلافاتها، متسائلا “هل انتهت المشاكل الحدودية في ما بيننا”، مذكرا بأن “الصغار يخافون الكبار، لا بل إن بعض الصغار يحاولون تفكيك الكبار”.

يلتقط اليامي، وهو الذي شغل في السابق منصب مستشار في وزارة الخارجية السعودية، الملاحظة ليلفت إلى أن أحد جوانب الخلاف الحالي مع قطر هو أنه جزء من “خلافات كامنة”.

لكن الرجل لم يبد قلقا فـ”الأزمة قد تفتت مجلس التعاون لكنها قد تكون وراء خلق مجلس جديد من خلال المحور السعودي الإماراتي”. في المقابل يتساءل المانع “ماذا يعني المحور السعودي الإماراتي؟ هل يعني ذلك أنه باتت هناك محاور داخل المجلس؟”، ليكمل أسئلته حول السبب الذي منع قمم دول المجلس من نقاش “الحالة القطرية” منذ عام 1996 إلى أن انفجرت الأزمة القطرية هذه الأيام. وفيما يعتبر المانع أن أزمة قطر هي “ثغرة دفرسوار” في جسم مجلس التعاون، يرى بشارة أن الأزمة “ضربت المجلس وأثرت على مصداقيته”، ولا يرى أي حل إلا من خلال التمسك بالوساطة الكويتية.

لا يمكن للمراقب إلا أن يلحظ أن منطقة الخليج على أبواب تحوّل كبير، وأن أزمة قطر وتصاعد التوتر مع إيران وتبدل المقاربة السعودية لمسائل الأمن الاستراتيجي ليست سوى أعراض ذلك التحوّل. وفي النقاش ما يشي بأن مجلس التعاون آيل إلى مصير يتراوح بين الفناء والعدم أو الانبعاث من جديد وفق قواعد وشروط ستفرضها ميادين الأزمات.

يوسف الحسن: قطر خرجت عن روحية مجلس التعاون الخليجي وثوابته

دول المنطقة ترفض تسوية مبتورة أو متعجلة للأزمة مع الدوحة

☚ قبل حوالي الشهيرين فقط نظم مركز الإمارات للسياسات برئاسة ابتسام الكتبي ورشة عمل حضرتها نخبة من العاملين في حقول البحث الأكاديمي والسياسة والإعلام.

كان جل النقاش مركزا على قضية واحدة: الخلاف مع قطر. بعد أقل من شهرين نظم المركز ملتقى أبوظبي الاستراتيجي، وكان لافتا أن مسألة الخلاف مع قطر باتت تفصيلا عرضيا في النقاشات والجدل الحاصل.

في المقابل تركز النقاش كثيرا حول إيران، لكن أيضا حول الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، وحول راهن ومستقبل الإسلام السياسي. وداخل ذلك النقاش قلما ذكر الخلاف القطري إلا من باب التعريج على قضايا تتعلق بمستقبل مجلس التعاون الخليجي.

والجديد أن الآراء تقاطعت بين المتحدثين للإجماع على أن قضية قطر هي خطأ اقترفه مجلس التعاون الخليجي حين أهمل الظاهرة القطرية ولم يكترث للدور المشبوه الذي لعبته الدوحة منذ انقلاب الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على والده.

بمعنى آخر فإن “الورم” القطري ليس فقط نتاج مزاج أتى به الشيخ حمد وأورثه بالقناعة أو بالقهر لابنه أمير قطر الحالي الشيخ تميم، بل إن إشكالا بنيويا خليجيا صعد إلى السطح وتسلل حتى أصبح علّة انفجرت في الأشهر الأخيرة.

يبدو واضحا أن منطقة الخليج لم تعد تحتاج إلى تسوية مبتورة أو متعجلة، وتفضل المضي قدما بما بدأ في 5 يونيو 2017 حين قررت الرباعية العربية، السعودية ومصر والإمارات والبحرين، وضع حد لاستثناء قطري طال التساهل معه، وأن العلاجات التي تأخرت انتهجت الكيّ المؤلم راهنا من أجل مستقبل واعد وأمن لا يحتمل تعايشا مع الحضور القطري المفخخ.

وفي ما تداوله الضيوف المحاضرون من روسيا وتركيا والولايات المتحدة، كان واضحا حجم التهميش الذي تعامل به المتحدثون مع “الحالة القطرية” بحيث خلت مداخلاتهم من أي إثارة لتلك المسألة، كما لو أن العالم أيضا بات متموضعا وفق تلك المقاطعة بصفتها ثابتا قد يطول في مشهد المنطقة كما في المشهد الدولي العام.

عبدالله بشارة: ميثاق مجلس التعاون لدول الخليج العربية فضفاض ومرن

بيد أن المقاربة المتعلقة بالخلاف القطري صارت تأخذ بعدا ما فوق خليجي. لم يعد النقاش يطال الجوانب الثنائية المتعلقة بعلاقة الدوحة مع كل من الرياض والقاهرة وأبوظبي والمنامة، بل بات يندرج ضمن السياقات التي تناقش مستقبل صراع منطقة الخليج مع إيران، ذلك أن التقييمات الجديدة أصبحت تعتبر أن قطر صارت تمثل اختراقا إيرانيا لمجلس التعاون الخليجي. وبالتالي بات على الخليجيين التعامل مع الأمر بتلك الصفة، فإذا ما توفّرت استراتيجية لتقويض النفوذ الإيراني في الخارج، فإن أمر معالجة الحالة القطرية سيكون شبيها بالسياسات التي تعالج وستعالج علاقة طهران بميليشياتها في المنطقة.

غير أن بعض الباحثين يشككون في قدرة قطر على الالتحام بالمشروع الإيراني. هناك من يعتبر أن ما تمتعت به قطر من تميز وظيفي، ينهل قوته من كونها عضوا كاملا داخل مجلس التعاون الخليجي وأن فقدانها لهذه العضوية، إذا ما اختار الخليجيون بتر التمدد الإيراني داخل مجلسهم، يحرمها من الموقع الإقليمي المتمأسس الذي يمكّنها من الإطلالة على العالم.

ويضيف الباحثون أن التحاق قطر بالأجندة الإيرانية، أو حتى التركية، إذا ما فقدت وضعها الخليجي سيجعلها تفصيلا منعزلا تابعا لطهران و/أو أنقرة، بحيث تفقد فرادتها وتصبح تفصيلا ضمن العدة التركية أو الإيرانية.

لكن آراء أخرى لا تعتقد أن قطر ستذهب بعيدا في علاقاتها مع إيران، فعلاقة الدوحة مع واشنطن مصيرية حيوية لا يمكن المخاطرة بفقدانها من أجل “نزوة كيدية”، ناهيك عن أن الأميركيين الذين يفعّلون استراتيجية جديدة ضد إيران لم يجدوا بهذا التقارب القطري من إيران ما يقلق. ولو كان هناك قلق بهذا الشأن لأوقفوا هذا التقارب دون تردد أو لبس.

من داخل ضجيج “الملتقى” كان يمكن ملاحظة تشخيص جلي واضح حول “المسألة القطرية” تسرّب من مداخلة الباحث والدبلوماسي السابق الدكتور يوسف الحسن، الذي شغل مناصب عدة في وزارة الخارجية الإماراتية، وكان مديرا عاما للمعهد الدبلوماسي الإماراتي.

يقول الحسن إن الأزمة مع قطر “ليست خلافا في وجهات النظر”. ويعتبر أن لب المعضلة هو أن قطر “خرجت عن روحية مجلس التعاون الخليجي وثوابته”، وبالتالي فإن الأمر شكل وما زال يشكل “خللا في المنظومة الخليجية”. وأعاد الحسن الخلل إلى تاريخ انقلاب الشيخ حمد على والده.

ظهرت المعضلة وترعرت وكبرت ولم تتم معالجتها أو أن ظروفا حالت دون ذلك، وفق ما يفهم من الكثير من المراقبين. ويلفت الدبلوماسي الإماراتي السابق إلى أن”الأزمة ليست مفاجئة”، وأن قطر احتاجت إلى حماية وضمانات لا يمكن أن تؤمّنها لها القاعدة العسكرية الأميركية المتمركزة على أراضيها.

سالم اليامي: أزمة قطر هي "ثغرة دفرسوار" في جسم مجلس التعاون

ويقول الحسن إن “قطر أرادت الدمج بين الدور الوظيفي والقوة الناعمة”، وأن الدوحة استخدمت ورقة التغيير الديمقراطي في المنطقة وأرادت الاعتماد على جماعة الإخوان المسلمين.

ويؤكد الحسن أنه من عباءة الإخوان الذين رعتهم الدوحة خرجت مختلف حركات الإرهاب من تنظيم القاعدة إلى تنظيم داعش.

وفي ما يستشرفه الحسن ما يشي بأن الحسم بات نهائيا مع الحالة القطرية، سواء بصفتها علّة تصدر عن الدوحة أو امتدادا لأجندات تصدر عن طهران، يرى الدبلوماسي الإماراتي السابق أن الأزمة آيلة إلى سيناريوهات متعددة منها:

* استمرارها إلى أجل غير مسمى

* تغيير النظام في قطر (دون أن يوضح الكيفية والأسلوب).

* طرد قطر من مجلس التعاون الخليجي.

وأيا تكن السيناريوهات فإنه من الواضح أن المزاج الخليجي بات معتادا على واقع القطيعة مع قطر، وأصبح يعتبر أن مواجهة إقليمية دولية لمجابهة الاستثناء الإيراني ستعتبر آليا مواجهة للاستثناء القطري.

6