أزمة قيادات أم عجز عن الاختيار

جاءت حركة المحافظين المحدودة، التي أجرتها الحكومة المصرية (الأربعاء) لتكشف عن أزمة حقيقية في اختيار القيادات للمناصب التنفيذية الكبرى، تتمثل في عدم وجود أسس واضحة تطبق في مسألة الاختيار، وهي مشكلة لا تعاني منها مصر وحدها، بل أيضا عدد من الدول العربية التي تتعامل بتعال مع شبابها.
السبت 2016/09/10
أصوات قادرة على كسب التحدي

القاهرة - استقرت الحكومة المصرية، بعد ستة أشهر من الجدل والبحث، على إجراء تعديل في ست محافظات فقط من أصل 27 محافظة مصرية، بالإضافة إلى تغيير وزاري وحيد، كان من نصيب وزارة التموين.

وأعلنت الرئاسة المصرية عن حركة المحافظين الجديدة، التي شملت تغيير خمسة محافظين، بالإضافة إلى تعيين محافظ جديد للعاصمة القاهرة، بعد أن ظل المنصب شاغرا لمدة ستة أشهر، عقب تعيين محافظها السابق جلال السعيد وزيرا للنقل.

ما أدهش المراقبين أن العديد من المحافظات المصرية تعاني مشكلات متفاقمة، وإدارات تنفيذية ضعيفة، مع ذلك أتى التغيير محدودا، وارتكز فقط على المحافظات التي شهدت البعض من المشاكل، (السويس والمنيا والإسكندرية والفيوم والقليوبية).

وجاء التغيير بالأساس بسبب أوضاع العاصمة القاهرة، التي كانت بلا محافظ، ما تسبب في أزمات عديدة، كما شهدت محافظة المنيا أحداثا طائفية مؤلمة خلال الأشهر الماضية، وأدى فشل المحافظ في التعامل معها إلى تزايد حالات العنف بها.

وقال متابعون لـ”العرب” إن عملية التغيير المحدودة جاءت اضطراريا، فلم يعد أمام الحكومة مفرا منها، استباقا لتطبيق عدد من الإجراءات الاقتصادية التي وصفها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بـ”الصعبة”، والتي تتزامن مع انتظار حصول الحكومة على موافقة نهائية بشأن قرض من صندوق النقد الدولي، قيمته 12 مليار دولار. غير بعيد عن ذلك، كما يقول حسن سلامة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، تبحث الحكومة عن آليات جديدة لتطبيق سياساتها خلال الفترة المقبلة، وأهمها وجود أشخاص أكفاء في مناصبهم. وأوضح لـ”العرب” أن التغيير قام على أساس استبعاد الشخصيات التي فشلت في التعامل مع الأزمات مؤخرا، دون أن يكون ذلك مرتبطا بوجود البديل الأمثل.

لم تكن أزمة اختيار القيادات على المستوى التنفيذي فقط، بل على المستوى السياسي أيضا، حيث تفتقر الأحزاب الحالية إلى “الكاريزما” والقدرة على التأثير

وكشفت مصادر حكومية لـ”العرب” أن التغييرات الأخيرة حددتها مجموعة من المعايير، على رأسها القدرة على الالتزام بتنفيذ البرامج والمشروعات المتفق عليها، والعمل وفقا لتعليمات وتكليفات شريف إسماعيل رئيس الوزراء، لذلك فإن أغلبها تضمن تعيين قيادات عسكرية سابقة، من القوات المسلحة والشرطة وأكاديميين بالجامعات.

وبرهنت هذه التعيينات، وفق المراقبين، على أن الحكومة تبحث عمن ينفّذ سياساتها، وليس من يبتكر حلولا غير تقليدية، ما يعني فقدان الثقة في وجود قيادات قادرة على صنع الفارق. ودلّت أيضا على أن القيادة السياسية المصرية غير مستعدة في الوقت الحالي للمغامرة بتجربة الشباب في المناصب القيادية، بحجة أن الفترة المقبلة لا تحتمل التجارب.

لكن، تضعف قيمة هذه الحجة عند النظر إلى تاريخ علاقة الدولة بالشباب، وهي العلاقة التي اتسمت دائما بالتباعد، وتغييب الشباب عن المراكز القيادية والتعامل بالعقلية نفسها مع مختلف الأوضاع والمستجدّات.

ولم تكن أزمة اختيار القيادات على المستوى التنفيذي فقط، بل على المستوى السياسي أيضا، حيث تفتقر الأحزاب الحالية إلى “الكاريزما” والقدرة على التأثير، ليس هذا فحسب، إنما امتدت آثار الأزمة لتصل إلى البرلمان نفسه، فقد بدا أن أغلب نوابه يتعاملون مع المشكلات بالأسلوب نفسه الذي تتعامل به الحكومة مع هذه المشكلات، دون أن يرى المواطن حلولا جذرية لها.

ويتفق البعض من المراقبين على أن مصر لا تعاني أزمة في القيادات بقدر ما تواجه مشكلة حقيقية في آلية اختيارها، فلا توجد أسس واضحة تتعامل بها الدولة في ترشيح القيادات للمناصب التنفيذية أو السياسية.

ولدى مصر العديد من المعاهد والهيئات التي من المفترض أن تتكفل بمهمة تخريج أجيال قادرة على القيادة، كمعهد سقارة للتنمية المحلية ومعهد إعداد القادة وأكاديمية ناصر العسكرية، لكن تلك الهيئات لم تقم بدورها، وبات الانضمام إليها لمجرد الحصول على شهادة لا تستفيد منها الدولة ولا الشخص.

وقال صلاح هاشم، أستاذ التنمية والتخطيط بجامعة الفيوم (جنوب القاهرة) لـ”العرب”، إن اختيار القيادات المصرية يخضع لثلاثة معايير خاطئة تسببت في الأزمات الحالية، أولها المعيار الأمني، ويقصد به مدى ولاء المرشح للنظام القائم بصرف النظر عن انتماءاته الوطنية وكفاءاته. والمعيار الثاني هو الاعتماد على تقارير الجهات الرقابية، ممثلة في هيئة الرقابة الإدارية، وهذه الجهات تبحث دائما عن المرشحين الذين لم يتورطوا في فساد مالي أو إداري، حتى لو وقع الاختيار على شخص ليس لديه أي خبرات سابقة.

مراقبون: مصر لا تعاني أزمة في القيادات بقدر ما تواجه مشكلة حقيقية في آلية اختيارها، فلا توجد أسس واضحة تتعامل بها الدولة في ترشيح القيادات للمناصب التنفيذية أو السياسية

وأوضح أن الكفاءة تأتي في المرتبة الثالثة، وهذا المعيار بدوره يفتح أبوابا واسعة للفساد، لأن الكفاءة مسألة نسبية، يحددها الشخص المسؤول عن عملية الاختيار.

وتنطلق أزمة توافر القيادات السياسية من مسببات أزمة الكوادر الإدارية نفسها، التي تتعلق بمخاطبة الرأي العام، وابتكار الحلول، والقدرة على التعامل مع الأزمات، وهي وظيفة رئيسية للأحزاب السياسية، لكن المؤكد أن معظمها لم يؤد هذا الدور.

ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، منها ما يتعلق بالأوضاع الداخلية في هذه الأحزاب، فالغالبية العظمى أقرب إلى حلقات من الأصدقاء والمعارف ولا تجمعهم رؤية سياسية محددة، ولا تتعدى حدود نشاط الحزب -ربما- ومقره الرئيسي أو الوحيد بأحد شوارع العاصمة.

لكن السبب الأهم أن القيادات السياسية تتبلور مهاراتها من خلال التواصل مع المواطنين، والحصول على تأييدهم من خلال انتخابات حرة نزيهة ومفتوحة لكل القوى السياسية، الأمر الذي تفتقده مصر منذ عقود طويلة.

ولفتت نورهان الشيخ، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إلى جانب آخر من الأزمة، يتعلق بحملات التشويه للقيادات الإدارية والسياسية داخل الدولة، ما يجعل الأشخاص القادرين على الإمساك بزمام الأمور لا يتقدمون إلى الصفوف الأولى، لأنهم يعرفون جيدا أن ذلك له تكلفته الباهظة.

وأوضحت، في تصريحات لـ”العرب”، أن المستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية (المؤقت) السابق خير دليل على ذلك، فلم يكن معروفا سياسيا قبل أن يأتي على رأس الدولة المصرية، لكن أداءه كان جيدا للغاية، واستطاع قيادة البلاد في ظل مرحلة بالغة الصعوبة، وهناك الآلاف غيره، غير أن البيئة السياسية المصرية تقف عائقا أمام ظهورهم.

7