أزمة كتالونيا.. العاصفة انتهت، لكن إعادة الإعمار لم تبدأ بعد

شهدت إسبانيا أزمة دستورية عاصفة منذ إجراء كتالونيا استفتاء للانفصال، نظمته حكومة كارليس بودجيمونت المؤيدة للانفصال، وذلك في تحد لقرار المحكمة الدستورية التي قضت بعدم قانونية الاستفتاء. والتجأت مدريد إلى القانون وللمادة 155 من الدستور الإسباني لإقالة الزعيم الكاتالوني، لتنجح بذلك حكومة مدريد في لي ذراع بودجيمونت وإجهاض مشروع الانفصال، وتضعه أمام خيار خوض انتخابات جديدة، وهو الفخ الذي نصبه رئيس الحكومة الإسبانية ماريانو راخوي وينتظر أن يسقط بودجيمونت فيه. فخوض بودجيمونت للانتخابات وخسارتها يعني وأد مشروع الاستقلال لعقود قادمة.
الاثنين 2017/10/30
تظاهرات الأحد أجهضت مشروع الاستقلال من قبل أن يولد

برشلونة (إسبانيا)- عندما شاهدت روح الإصرار في عيون هؤلاء الذين تظاهروا الأحد دعما لبقاء كتالونيا جزءا من إسبانيا، أدركت أن مشروع الاستقلال أجهض من قبل أن يولد. المئات من الآلاف يلفون أعلام إسبانيا حول رقابهم وأكتافهم، وآخرون يلوحون بها في كل اتجاه، جعلوا شارع “باسييغ دي غراسيا” ينطق بهوية إسبانيا كادت أن تضيع وسط صخب كارليس بودجيمونت وأنصاره.

تظاهرات الأحد كانت استفتاء آخر على الانفصال. أبناء الطبقة الوسطى والأغنياء، الذين يدعمون الاستقلال في أغلبهم، تفاجؤوا بخروج “الأغلبية الصامتة” من الفقراء إلى الشوارع. هذا مشروع استقلال عمره شهر واحد فقط. الأغنياء منحوا مشروع الانفصال شرعية في استفتاء الأول من أكتوبر الجاري، والفقراء سحبوها منه في تظاهرات التاسع والعشرين من أكتوبر.

هذه المعادلة تجعل الانتخابات المبكرة، المقررة في 21 ديسمبر، هي المرجع بحكم الأمر الواقع. خطاب بودجيمونت السبت كان واقعيا، وأظهر رغبة في المناورة ومسك العصا من المنتصف. هذا رئيس إقليم قد أطيح به للتو وفقا لإجراءات تطبيق المادة 155 من الدستور الإسباني ضد استفتاء 1 أكتوبر. رغم ذلك كانت المرجعية التي أشار إليها واستند عليها في الخطاب هي الدستور وليست الاستفتاء.

مقاومة نزعة انفصال الأقليات عن الحكومات المركزية في أوروبا، ضرورية كي لا يتوقف الاتحاد عن الاستمرار في أن يكون اتحادا

سلوك بودجيمونت وحزبه يعني شيئا واحدا فقط، أن الحزب قرر خوض الانتخابات المبكرة. فلسفة بودجيمونت تكمن في أن تحقيق الأغلبية مرة أخرى في هذه الانتخابات يعني إعادة بعث مشروع الاستقلال وفرضه كأمر واقع. لكن خوض الانتخابات، التي فرضتها مدريد بالقوة، يعني أيضا اعترافا من قبل الانفصاليين الكتالان بشرعية إجراءات مدريد، وبقائهم كجزء من إسبانيا، وانتهاء الاستقلال، على الأقل الآن.

في مدريد، هذا يبدو عبثا. كتالونيا اليوم ليست هي نفسها قبل بداية هذا الشهر. لا يمكن لمجموعة من الناس أن تسرق قطعة من الأرض بمن عليها، وعندما تفشل تعود لتختبئ بين صفوف الجماهير، وكأن شيئا لم يكن.

نعم، خوض بودجيمونت الانتخابات مرة أخرى يعني أن عملية لي ذراع مدريد قد نجحت، لكن لي الذراع أفضل من التضحية بالجسد كله.

الانتخابات هي الفخ الذي نصبه راخوي وينتظر أن يسقط بودجيمونت فيه. خوض بودجيمونت للانتخابات وخسارتها يعني وأد مشروع الاستقلال لعقود قادمة. طمأنة راخوي بالأمس لرئيس كتالونيا المقال هي نزع لفتيل التوتر الذي أصاب المؤسسات المحلية، وجعلها تبدي استعدادا لمقاومة مدريد.

في كل الأحوال، لا أحد يمكنه تأكيد ما سيحدث في هذه الانتخابات. كل الخيارات تبقى مفتوحة. لكن ما صار مؤكدا هو أن بودجيمونت لم يعد له مستقبل في المشهد السياسي الكتالوني. الفرق الوحيد يكمن في ما إذا كان سيخرج من المشهد إلى البيت أم إلى السجن.

أوروبا غاضبة

لكي تتمكن من تأسيس دولة جديدة عليك أن تضمن عاملين أساسيين: الاعتراف الدولي، والقدرة على السيطرة على الحدود. عامل مشترك واحد جعل كتالونيا لا تملك أيا من الخيارين. هذا العامل المشترك هو أوروبا.

مواقف ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ومؤسسات الاتحاد الأوروبي واضحة منذ يوم الإعلان عن الاستقلال. رسالة أوروبا لبودجيمونت تتلخص في أنك “تستطيع أن تسرق كتالونيا، لكن لا تستطيع أن تركض بها بعيدا”. هذا الموقف المتشدد نابع من أن كل هذه الدول لديها “أزمة كاتالونية” خاصة بها. مقاومة نزعة انفصال الأقليات العرقية عن الحكومات المركزية في أوروبا، ضرورية كي لا يتوقف الاتحاد عن الاستمرار في أن يكون اتحادا.

في النهاية الاتحاد الأوروبي هو “ناد” لدول أعضاء تحمي مصالحها. ليس هذا غريبا أو غير متوقع. نفس الموقف كان معمما أيضا عند استقلال أستونيا ولاتفيا ولتوانيا عن الاتحاد السوفييتي. لم يكن أحد يعلم حينها أن هذه الدول ستنتقل من اتحاد إلى آخر، في حركة تشبه حركة تنقلات اللاعبين بين فرق كرة القدم.

ما يحدث في كتالونيا هو العكس. استقلال الجمهوريات السوفييتية السابقة تسبب في تعزيز صفوف الاتحاد الأوروبي. استقلال كتالونيا قد يقود إلى انهيار كل الصفوف.

ليس غريبا إذن رفض أوروبا للوساطة التي طالب بها بودجيمونت. رئيس كتالونيا كان يتطلع إلى “هنري كسنجر أوروبي”، يستطيع أن يستقل الطائرة إلى مدريد، ولا يعود إلا بعد أن تكون المشكلة قد انتهت.

ثمة عدم نضج كاتالوني هنا في فهم العقلية الأوروبية. انفصال أحد أغنى أقاليم الاتحاد الأوروبي في القرن الحادي والعشرين، كفيل بإعادته إلى خمسينات القرن العشرين دون أدنى مقدمات. بودجيمونت لم يستوعب حقيقة أنه حتى لو كان كيسنجر نفسه مسؤولا أوروبيا، كان سيتركه يذبح دون أن يهتم، ببساطة لأن أي وساطة أوروبية تعني شرعية دولية بأن كتالونيا قد أصبحت دولة.

في 1934 أعلنت "دولة كتالونيا" التي لم تدم طويلا
مدريد- في السادس من أكتوبر عام 1934، أعلن رئيس حكومة كتالونيا المتمتعة بحكم ذاتي يويس كومبانيس “دولة كتالونيا في إطار جمهورية إسبانيا الاتحادية” غير القائمة، وبعد عشر ساعات وسقوط العشرات من القتلى استسلم.

وما إن أعلن ذلك حتى بدأت الأحزاب اليسارية “إضرابا عاما ثوريا” احتجاجا على دخول ثلاثة وزراء من تحالف لأحزاب اليمين يحمل اسم “الكنفيدرالية الإسبانية لحقوق الحكم الذاتي”، إلى الحكومة.

وقال كومبانيس من على شرفة مقر الحكومة الكاتالونية “أيها الكتالونيين، في هذه الساعة وباسم الشعب والبرلمان، تتولى الحكومة التي أرأسها كل السلطات في كتالونيا، وتعلن دولة كتالونيا في الجمهورية الفيدرالية الإسبانية.

وتدعو قادة الاحتجاج العام على الفاشية من أجل إقامة العلاقات معهم وتعزيزها، إلى تشكيل حكومة مؤقتة للجمهورية في كتالونيا”. ولم يشاور كومبانيس على ما يبدو قادة الإضراب العام ولم تكن الجمهورية الإسبانية الثانية اتحادية.

ولم يتأخر رد الحكومة بعد إعلان كومبانيس. فقد رفض القائد العسكري لكتالونيا الجنرال دومينغو باتيت الامتثال لأوامر حكومة الإقليم وأعلن حالة الحرب بعد التشاور مع حكومة مدريد.

وقتل جندي من المشاة برصاص مسلح ورد الجيش بقصف مدفعي. وأسفرت المواجهات ليلا عن سقوط بين 46 وثمانين قتيلا، حسب المؤرخين.

وقد أوقف مع حكومته وعدد من النواب. وتناقلت وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم صورتهم في السجن.

وفي 14 من ديسمبر صدر مرسوم ينص على تعليق الحكم الذاتي لكتالونيا نهائيا.

هذا له أسباب وجيهة، منها أن المسؤولين الأوروبيين لا يرون في انقسام إسبانيا حلا، كما كان الحال في يوغوسلافيا أو تشيكوسلوفاكيا أواخر القرن الماضي.

حائط سد

ما هو الحل إذن؟ الأمر تخطى حدود الانقسام الوطني، ووصل إلى تشرذم الإقليم نفسه. نافذة الفندق الذي أقيم فيه في شارع لارامبلا، قلب برشلونة، الذي شهد حادث الدهس المروع في أغسطس الماضي، كانت كريمة معي للغاية.

من هذه النافذة أستطيع أن أستمع بسهولة لهتافات الانفصاليين القادمة من ميدان “بلاسا دي سان ياوميه” حيث مقر الحكومة “خينيراليتات دي كتالونيا”، تختلط مع نداءات المناهضين للاستقلال في شارع “باسييغ دي غراسيا”.

هذه النداءات تذكرني بانقسام الأكراد. جماعة البارزاني تكيل الاتهامات للطالبانيين بالخيانة، وجماعة الطالباني يتهمون البارزانيين بالانفراد بالسلطة وإجراء الاستفتاء على الاستقلال دون تشاور أو تنسيق.

لكن، مثلهم مثل الأكراد، لم يطلب أحد من الكتالان أن يضحوا بحكمهم الذاتي، ولم يقل أحد لهم يوما إنهم ليسوا أمة أو أقلية عرقية وثقافية فريدة، ولم يطلب منهم أحد مثلا التخلي عن لغتهم الأصلية.

نزعة الاستقلال لدى الكتالان صعدت مرة أخرى عندما قالت حكومة راخوي بشكل واضح إنه من غير المسموح لحكومة الإقليم جمع الضرائب من شركات عابرة للقارات، واستثمارات كبيرة 80 بالمئة منها جاء من أوروبا، والاحتفاظ بها في برشلونة.

مقاربة مدريد تشعر الكتالان بالظلم الذي يصل إلى حد الاضطهاد.

المشكلة الأخرى أن النظام الانتخابي الإسباني يجعل مزاج التصويت يميل بشكل تلقائي باتجاه الأحزاب اليمينية. اليمين بطبيعته يعارض أصلا أي توسيع لصلاحيات الأقاليم، ناهيك عن الحديث عن استقلال أي منها.

كل هذا يجعل الأزمة مزدوجة ومتشعبة ومتصلة بجوهر فلسفة الحكم في إسبانيا. منح كتالونيا سلطات أوسع للتحكم في ماليتها العامة يعني تعديل الدستور بحيث تصبح إسبانيا دولة فيدرالية، وإصلاح النظام المالي الإسباني برمته، وتغيير النظام الانتخابي في الدولة.

ليس ثمة حزب سياسي في مدريد يدعم هذه الإجراءات. ابتداء من حزب راخوي “بارتيدو بوبيولار” والحزب الاشتراكي، وانتهاء بالحزب الليبرالي الكاتالوني “ثيودادانوس″، الذي يحشد طوال الوقت في مجلس الشيوخ الإسباني وفي البرلمان الأوروبي من أجل إجهاض الاستقلال.

النتيجة النهائية هي أنه لم يعد أمام إسبانيا سوى 3 خيارات فقط: فرض مدريد المزيد من الحكم المركزي، أو المزيد من اللامركزية، أو إجراء استفتاء شرعي.

كل الخيارات السابقة تستدعي تعديل الدستور وإجراء تغييرات جذرية على التوافق العام بين قوى المجتمع حول الطريقة التي يدار بها الحكم. بمعنى أدق تعديل العقد الاجتماعي للإسبان.

صحيح أن الخيارات الثلاثة مختلفة تماما عن بعضها البعض، لكن المسارات التي ستأخذ البلد باتجاهها تصب عند مقصد واحد: الحوار. ما تعيشه إسبانيا اليوم ليس هدوءا يسبق العاصفة. مدريد ومعها بروكسل تمكنتا بالفعل من تخطي المنعطف الأصعب في أزمة كانت على وشك أن تفكك سلطاتهما. هذا هو الهدوء الذي يتبع مرور عاصفة مدمرة، والحوار هو عملية إعادة الإعمار.

كاتب مصري

7