أزمة كورونا تعمق الخلافات بين قطبي السلطة في السودان

إقالة وزير الصحة من منصبه بسبب أدائه في التعاطي مع انتشار وباء كورونا تسبّب أزمة بين مجلس السيادة والحكومة في السودان.
الجمعة 2020/05/15
إقالة علي التوم تفجر صراع صلاحيات

الخرطوم - أجرت قوى سياسية سودانية مختلفة، الخميس، اجتماعات مكثفة لتطويق أزمة إقالة وزير الصحة، أكرم علي التوم، من منصبه، والتي نشبت بين مجلس السيادة والحكومة بسبب أدائه في التعاطي مع انتشار وباء كورونا في السودان.

وانخرط أعضاء في مجلسي السيادة والوزراء، وقيادات في تحالف الحرية والتغيير، وشخصيات وطنية مستقلة، في جولة ممتدة من الحوارات للحد من مضاعفات الأزمة والتفاهم حول آليات نزع فتيلها قبل تفاقمها، في ظل أجواء تخيم عليها علامات شد بين قطبي السلطة الانتقالية.

وأصدر مجلس السيادة تعميما صحافيا، الأربعاء، أشار فيه إلى وجود إجماع على إعفاء وزير الصحة من منصبه، ثم عاد وسحب الخبر من حساباته على منصات التواصل الاجتماعي، بعد نفي مجلس الوزراء قرار الإقالة، فأعاد الأخير نشر التعميم على مواقعه من جديد.

وتؤكد معلومات حصلت عليها “العرب”، أن مطلب إقالة وزير الصحة لم تأت من مجلس السيادة مباشرة، لكنها جاءت نتيجة مطالب المهنيين في القطاع الصحي، ووسط خلافات بين الوزارة الاتحادية المركزية، وولاية الخرطوم، ما تسبب في تأخير تجهيز مراكز العزل المخصصة لمرضى فايروس كورونا، إلى جانب اتهام التوم بانفراده بالقرارات ما أدى إلى استقالة خمس من القيادات، واعتراض مجلسه الاستشاري الذي شكا أيضا من تهميش دوره.

فيصل محمد صالح: الفريق أول شمس الدين كباشي يقف خلف إثارة قضية وزير الصحة
فيصل محمد صالح: الفريق أول شمس الدين كباشي يقف خلف إثارة قضية وزير الصحة

وجاءت الأزمة على خلفية جائحة كورونا التي عطلت الكثير من مظاهر الحياة، ووضعت المزيد من الضغوط على كاهل المواطنين الذين يعانون أصلا من تداعيات أزمة اقتصادية محتدمة وصراعات قبلية وجهوية بدأت تتصاعد ملامحها في جنوب وغرب وشرق البلاد.

وأكدت مصادر سودانية لـ”العرب”، أن إقالة مجلس السيادة لوزير الصحة يقف وراءها المكون العسكري، وترمي إلى تحميل الحكومة والجسم المدني وحدهما مسؤولية فشل التعامل مع كورونا، والتي يمكن أن تلحق أذى كبيرا بالسلطة عموما، فالأرقام الحالية تشير إلى تفش مجتمعي، حيث بلغت الإصابات نحو ألفين، والوفيات تقترب من المئة حاليا.

وأكدت المصادر ذاتها، أن الحكومة ضغطت على مجلس السيادة لسحب الإقالة، حيث ترى أن أبعادها سياسية تتجاوز أبعاد الأزمة الصحية.

وكتب وزير الإعلام والثقافة، المتحدث الرسمي باسم الحكومة السودانية، فيصل محمد صالح، على تويتر، الأربعاء، أن عضو مجلس السيادة الفريق أول شمس الدين كباشي، يقف خلف إثارة قضية وزير الصحة، ومجلس الوزراء، هو “من يقيل الوزراء ونحن لم نناقش الأمر ولم نتلق طلبا ولن نقبله”. وأشار مراقبون، إلى وجود حزم من الأزمات بين مجلسي السيادة والوزراء ولّدت حالة من عدم الثقة منذ فترة، جرى احتواء بعضها، لكن لا تزال هناك قضايا عالقة ومكتومة تتفجر كلما أتيحت لها الفرصة، أو فشل الطرفان في إخمادها.

وتلفت أزمة وزير الصحة إلى جانب خفي من تفاصيل ما يجري في الغرف المغلقة من نقاشات ساخنة يحرص الجانبان كثيرا على عدم تسريبها لوسائل الإعلام، وتتجاوز أزمة كورونا وطريقة التعامل معها، وتصب في مربع الشكوك المتبادلة التي تطفو وتخبو من حين إلى آخر.

وأكد القيادي بتحالف الحرية والتغيير، محمد فاروق، أنه لا يوجد خلاف مباشر بين الحكومة ومجلس السيادة بشأن استمرار وزير الصحة في منصبه من عدمه، ولم يصدر قرار بإقالته من الحكومة بعد، والتوافق سيكون حاضرا بين الطرفين لتحديد الموقف النهائي.

وقال إن المشكلة الأساسية تكمن في وجود عدة آراء متعارضة بين جهات مختلفة داخل السلطة الانتقالية، في ظل غياب أدوات لتقييم حكومة عبدالله حمدوك بشكل سليم، بما يضمن اتخاذ القرار المناسب بشأن استمرار أي وزير في منصبه أو إعفائه.

وأرجع الخلافات التي طفت على السطح إلى عدم القدرة على التعايش داخل سلطة واحدة تستطيع أن تقود السودان إلى الأمام، وما زالت الدولة تحاول ترميم هذه العلاقة التي تتعرض إلى انتكاسات طبيعية. وعقد أعضاء السيادة والوزراء وقوى الحرية والتغيير اجتماعا طارئا قبل أيام، ناقشوا فيه التدابير اللازمة لمواجهة كورونا، واتخذوا إجراءات لتخفيف توابعه، ولم يعلن عن تفاصيلها، لكن مصادر محلية ألمحت إلى عدم استبعاد أن يصبح وزير الصحة كبش فداء.

وأوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري في الخرطوم، أبوالقاسم إبراهيم آدم، أن بعض الممارسات الخاطئة من جانب الحكومة تعد السبب الرئيسي لتفجر الخلاف مع مجلس السيادة، حيث عمل الأخير على تضييق الهوة عبر اجتماعات متتالية عقدتها الآلية العليا لإدارة الأزمة الاقتصادية، ويرأسها نائب رئيس مجلس السيادة، الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وأضاف أن الخلافات التي تظهر على السطح تنعكس سلبا على أداء الحكومة، وقرار إقالة وزير الصحة أو استمراره في منصبه رهن موافقة الكيانات المهنية الطبية التي تمارس ضغوطها على الطرفين لإقالة الوزير، وقد تكون هناك فرصة أخيرة للتوم لتصويب أدائه إلى حين تشكيل حكومة جديدة عقب التوصل إلى اتفاق سلام شامل مع الجبهة الثورية.

2