أزمة كورونا تكشف الثمن الباهظ لهجرة الأطباء التونسيين

خبراء يُجمعون على أن قطاع الصحة العمومية بات أمام تحدّ حقيقي خاصة مع الارتفاع المهول للإصابات الذي يشير إلى دخول تونس في مواجهة مع موجة وبائية ثانية مطلوب التعايش فيها مع الوباء.
الأربعاء 2020/09/23
تونس في حاجة إلى كفاءاتها

فاقمت هجرة الأطباء والعاملين بالقطاع الصحي متاعب الحكومة التونسية التي تواجه أزمة صحّية ازدادت خطورة مع ارتفاع الإصابات بوباء كورونا المستجد. وفيما تواجه الحكومة تحدي التغلب على النقص الفادح في أطقمها الطبية، نجحت دول أوروبية عديدة في استقطاب الأدمغة والكفاءات الطبية التونسية عبر تقديم عروض مغرية للاستفادة من خبراتهم وكفاءتهم، فيما يظل البلد الذي يعاني من صعوبات على أكثر من جبهة، محروما من ذلك.

تونس – كشفت أزمة وباء كورونا المستجد عن الثمن الباهظ لهجرة الأطباء في تونس في ظل ما يعانيه قطاع الصحة من نقص كبير في موارده البشرية خاصة، من أطباء الاختصاص وتحديدا أطباء الإنعاش والممرضين والتقنيين، ما زاد الأوضاع الصحية حرجا وأثار هواجس المواطنين خصوصا مع تواتر الأنباء عن انتشار الوباء بنسق سريع ومخيف.

وفاقم هذا النقص في الأطقم الطبية من متاعب قطاع الصحة العامة الذي يكافح لمواجهة الوباء بإمكانيات مالية وبشرية محدودة، وطرح الكثير من التحديات أمامه لمجابهة هذه الأزمة، حيث ستختبر (الأزمة) قدرته على مواجهة حالة طوارئ صحية بعدد محدود من الأطباء، فيما خيرة كفاءته من الجيش الأبيض في خطوط الدفاع الأولى لإنقاذ الأرواح في دول المهجر.

سهيل العلويني: لا توجد بدائل أو برامج حقيقية لمواجهة وباء كورونا
سهيل العلويني: لا توجد بدائل أو برامج حقيقية لمواجهة وباء كورونا

وسبق أن أقر رئيس الحكومة هشام المشيشي بأن وضعية المستشفيات في تونس “لا تستجيب لتطلعات المواطنين، متوقفا عند ظاهرة هجرة الأطباء والنقص الحاد في طب الاختصاص في مختلف المستشفيات، ووجود مراكز استشفاء مغلقة نظرا لنقص الإطارات الطبية وشبه الطبية”.

ومن جهته حذر الحبيب غديرة، عضو اللجنة العلمية لمجابهة فايروس كورونا، في تصريحات صحافية من أن “الإشكال الحقيقي لدى قطاع الصحة التونسية لا يكمن في غياب أسرّة الإنعاش وإنما في نقص أطباء الإنعاش الذين لا يتجاوز عددهم 160 طبيبا في المنظومة العمومية و250 في المنظومة الخاصة مقابل 500 طبيب في الخارج”.

ويعاني قطاع الصحة الحكومية في تونس من التهميش بالتوازي مع تطور الاستثمارات الخاصة في هذا القطاع خلال الأعوام العشرين الماضية. كما أنهكته مشاكل تتعلق بسوء الإدارة والفساد.

ويفضّل الكثير من أطباء الاختصاص في تونس السفر والعمل في الخارج على التنقل والعمل في المناطق الداخلية للبلاد، إضافة إلى سياسة التمييز التي يتم بواسطتها توزيع التجهيزات والمعدات الطبية بطريقة غير عادلة بين الولايات (المحافظات).

وفيما يتزايد عدد المصابين بفايروس كورونا بشكل متسارع في تونس منذ إعلان فتح الحدود في 27 من يونيو الماضي، يتساءل الخبراء والمتابعون عن مدى قدرة الحكومة على السيطرة على الوباء في ظل النقص الحاد في الإمكانيات وبشكل خاص النقص الفادح في الموارد البشرية.

تحدّ حقيقي

نقائص القطاع الصحي أحد دوافع الأطباء للهجرة
نقائص القطاع الصحي أحد دوافع الأطباء للهجرة 

يجمع الخبراء على أن قطاع الصحة العمومية بات أمام تحدّ حقيقي خاصة مع الارتفاع المهول للإصابات الذي يشير إلى دخول تونس في مواجهة مع موجة وبائية ثانية مطلوب التعايش فيها مع الوباء. وفي أعقاب ظهوره عرّى الوباء نواقص قطاع الصحة العامة الذي يتعرض لانتقادات شعبية مستمرة بسبب ضعف خدماته.

وعلى سبيل المثال تفتقر منطقة الجنوب الشرقي التونسي التي استفحل فيها فيروس كوفيد – 19 إلى قسم للإنعاش ويتواجد فيها طبيبان بهذا الاختصاص يعملان في مستشفى جهوي، حسب ما ذكرته تقارير إعلامية. وأمام هذا النقص يُبدي سكان المنطقة مخاوف من عدم التمكن من المعالجة.

وعبر مسؤولون عن مخاوفهم من حدوث “كارثة” نظرا للنقص بالتجهيزات وصعوبات انتداب الأطباء والممرضين. ونقلت وسائل إعلام عن رئيسة قسم الأمراض الصدرية بمستشفى قابس (جنوب) حميدة قواس قولها إن “نقص الموظفين والمعدات يرهقنا نفسانيا وجسديا. نخاف حقا من أننا لن نستطيع المواصلة.”

وتعد نقائص القطاع الصحي أحد دوافع الأطباء للهجرة قبل زمن كورونا وبعده. ويشكو الأطباء من ضعف الرواتب وقلة المعدات والأجهزة الطبية، الأمر الذي يدفعهم مرغمين لقبول إغراءات العمل في البلدان الأجنبية دون تردد.

ويشير سمير شطورو رئيس النقابة التونسية لأطباء القطاع الخاص في حديثه لـ”العرب”، إلى أن “كورونا زاد من وتيرة الهجرة”. ويعزو شطورو استمرار هذه الظاهرة إلى إشكالية كبيرة يعاني من الأطباء في تونس وهي أن “قطاع الصحة العامة ليس له إمكانيات لتشغيل الأطباء كما أن الرواتب والجرايات غير مطابقة للمعايير العالمية.”

سمير شطورو: هناك ضغط قوي في أوروبا لاستقطاب الأطباء التونسيين
سمير شطورو: هناك ضغط قوي في أوروبا لاستقطاب الأطباء التونسيين

وبالمثل أيضا يعاني القطاع الخاص من أزمة وقد استفحلت بشدة منذ ظهور الوباء. ويشرح شطورو “القطاع الخاص أيضا لم يعد يستوعب عددا كبيرا من الأطباء في ظل الكساد المالي وتناقص المرضى الأجانب وفي ظل غياب الدعم الحكومي لتحفيزه أو تطوير الخدمات الصحية”. ويتابع أن القطاع الخاص يعيش صعوبات مالية كبيرة في ظل نقص المرضى.

وفي المقابل فتحت أزمة كورونا أبواب الهجرة أمام الأطباء التونسيين للدول الأوروبية خاصة فرنسا وألمانيا لما يتمتعون به من كفاءة علمية وهي محل اعتراف دولي حسب ما ذهب إليه شطورو.

ويكشف شطورو عن ضغط قوي لاستقطاب الأطباء التونسيين إلى أوروبا وأميركا الشمالية. لافتا إلى تلقي الأطباء عروضا في أزمة كورونا وهي عروض مغرية جدا خاصة في اختصاصات طب الإنعاش والتصوير بالأشعة، إضافة إلى اختصاص الطب العائلي.

وبدورها، ألقت الأزمة الاقتصادية بظلالها على قطاع الصحة حيث لم تعد نسبة كبيرة من التونسيين قادرة على المعالجة في القطاع الخاص كما السابق، حسب شطورو.

وأمام هذا المشهد القاتم لدولة تعاني من فترة انتقالية عسيرة، لا يجد الأطباء أمامهم من خيار آخر غير الهجرة، وهو ما قد يهدد المستقبل الصحي للتونسيين الذين قد لا يجدون من يعالجهم في حال باغتتهم الأوبئة.

ولتدارك النقص في الأطقم الطبية، تتالت دعوات محلية بـ”التسريع في عملية انتداب الإطارات الطبية وشبه الطبية”.

ولفت كاتب العام لجامعة الصحة التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل عثمان الجلولي في تصريحات صحافية إلى “وجود نحو 3 آلاف منصب شاغر في مختلف الوحدات الاستشفائية، يتعين على السلطات التعجيل بانتداب من يشغلها”.

ويشكل الارتفاع القياسي في عدد الإصابات بالوباء ضغطا حقيقيا على المستشفيات العمومية التي تعاني أصلا من نقص في التجهيزات والكوادر الطبية. وتبدو المخاوف مضاعفة مع الإعلان عن إصابة عدد من الأطباء بالفايروس وتسجيل أول حالة وفاة لطبيب بأحد مستشفيات العاصمة في الأسبوعين الأخيرين.

وكانت وزارة الصحة استبقت هذه الفرضية بإعلانها انتداب 3 آلاف شخص بطريقة تعاقدية لتعزيز استراتيجية المراقبة في أعقاب رفع الحجر الصحي الإجباري وفتح الحدود.

وبذلك اختارت الحكومة اللجوء إلى أشخاص دون خبرات كافية لتغطية النقص في ظل الوضعية الصحية الحرجة والإمكانيات المالية المحدودة.

أرقام مفزعة

الارتفاع القياسي في عدد الإصابات بالوباء يشكل ضغطا حقيقيا على المستشفيات العمومية
الارتفاع القياسي في عدد الإصابات بالوباء يشكل ضغطا حقيقيا على المستشفيات العمومية 

كشفت الأزمة الصحية عن حاجة تونس لكفاءاتها في جميع الأصعدة. وسلطت الضوء على قيمة الموارد البشرية، فهي ثروة حقيقية تدعم جهود الدولة التي تنزف على أكثر من جبهة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. ووجود الكفاءات التونسية الطبية في الخارج لمساعدة مجتمعات أخرى بما يقتضيه واجبهم المهني والإنساني، يفتح جراح الدولة التي تخسر سنويا عددا هائلا من كفاءتها.

وتساءل سهيل العلويني عضو سابق بلجنة مجابهة فايروس كورونا في تصريح لـ”العرب” عن مدى إمكانية الدولة استرجاع كفاءتها لتعزيز الصفوف في اختصاصات معينة تهم علاج كورونا مثل الإنعاش الطبي خاصة وأن الأيام القادمة تحمل مؤشرات سيئة.

ومع ذلك، يبدو هذا الخيار صعبا وغير قابل للتحقيق على أرض الواقع. ويتابع العلويني “ليس أمام وزارة الصحة أي خيار حيث تبقى الهجرة خيارا ضمن الحريات الشخصية، كما لا توجد بدائل أو برامج حقيقية أو حتى تأطير لهذه الظاهرة.”

ومن جهته، يؤكد عبدالرحمن الهذيلي رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لـ”العرب”، أن “الوضع الاقتصادي الصعب وشح الرواتب وظروف العمل المتردية وراء مغادرة الأطباء البلاد.”

ويضيف “كورونا كشف هشاشة المؤسسات الصحية في ظل ضعف الإمكانيات، وهو ما دفع إلى الهجرة.”

عبدالرحمن الهذيلي: ظروف العمل المتردية وراء مغادرة الأطباء البلاد
عبدالرحمن الهذيلي: ظروف العمل المتردية وراء مغادرة الأطباء البلاد

وكشفت بعض الدول الغربية عن تقديم إغراءات لجذب الكوادر الصحية من الخارج لمجابهة نقص الطاقم الطبي العامل لديها في مواجهة الانتشار الواسع لفايروس كورونا، ما أثار مخاوف في الدول الطاردة للكفاءات المهنية، بسبب ضعف الرواتب وغياب التقدير الوظيفي.

ووفقا لمنظمة العمل العربية، فإن 50 في المئة من الأطباء العرب والمجالات المتعلقة بها هاجروا للخارج، وتستأثر الولايات المتحدة بنحو 39 في المئة من الكفاءات العربية، تليها كندا بنحو 13.3 في المئة.

أما في تونس، فقد شهدت في السنوات الأخيرة هجرة كثيفة للأطباء والكوادر الطبية نحو دول أوروبية وخليجية بحثا عن ظروف عمل أفضل. وفي عام 2017 هاجر نحو 300 طبيب وفقا لإحصاءات رسمية.

كما كشفت نقابة الأطباء والصيادلة في الصحة العمومية أن هناك نقصا بما لا يقل عن 1500 طبيب في أقسام الطوارئ بالمستشفيات العمومية.

وسبق أن حذرت عمادة الأطباء التونسية من الارتفاع المخيف لهجرة الأطباء. وتوقعت أن يغادر حوالي 900 طبيب البلاد كل سنة. وحسب العمادة فإن الكفاءات الطبية المستهدفة ثلاثة أصناف: الأطباء الشبان والأطباء من ذوي الخبرة وأيضا رؤساء الأقسام.

وبموازاة ذلك، كشف تقرير صادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في عام 2018، أن عدد الأطباء التونسيين العاملين في دول الاتحاد الأوروبي بلغ 3200 طبيب و1600 ممرّض.

وبين تقرير المنظمة أن “7 بالمئة فقط من طلبة الطب التونسيين يعودون إلى تونس بعد إنهاء دراساتهم وتدريباتهم بالخارج. إضافة إلى عامل تدهور القطاع الصحي العمومي، كما يعتبر العامل المادي أساسيا في قرار الهجرة”.

وتعليقا على هذه الأرقام المفزعة، يخلص سمير شطورو رئيس النقابة التونسية لأطباء القطاع الخاص إلى ضرورة إصلاح قطاع الصحة في البلد، ويرى أن نقطة الإصلاح تبدأ بإعطاء قيمة لشراكة فعلية بين القطاعين العام والخاص.

12