أزمة كورونا تُثني "الساحر" عن إتمام مهمته بنجاح

المسلسل السوري- اللبناني المشترك ينبش في عوالم التنجيم والفلك الذي يبيع الناس أوهاما كاذبة ويدخلهم في متاهات بلا طائل.
الجمعة 2020/05/15
منافسة غير متكافئة بين عابد فهد وستيفاني صليبا

بعد تجربتي المشاركة في بطولة مسلسل “دقيقة صمت” للمؤلف سامر رضوان والمخرج التونسي الراحل شوقي الماجري، ومسلسل “عندما تشيخ الذئاب” عن قصة جمال ناجي وإخراج عامر فهد في الموسم الرمضاني لعام 2019، يعود الممثل السوري عابد فهد إلى السباق الدرامي الحالي بمسلسل “الساحر” بقصة مختلفة عما قدّمه سابقا.

“الساحر” مسلسل سوري- لبناني مشترك من إخراج محمد لطفي وﺗﺄﻟﻴﻒ سلام كسيري، كتب له السيناريو والحوار حازم سليمان، وهو من بطولة عابد فهد وعبدالهادي الصباغ  وستيفاني صليبا ومحمد حداقي ورودريغ سليمان ورشا بلال وجوي خوري وآخرون.

وبني المسلسل على تقنية “الفلاش باك”، إذ تبدأ أول حلقاته بآخر مشهد للعمل والذي يكشف فيه الساحر “مينا” (عابد فهد) عن حقيقته وقصّة الكذب الذي يروّجه للناس عبر التلفزيون، ليعود المشاهد في الحلقات التالية إلى القصة وتفاصيلها وكيف حوّلت الفرصة رجلا فقيرا إلى عالم شهير وشخصية عامة.

وتدور أحداث العمل الدرامي حول مينا، وهو رجل سوري بسيط، يسكن في حي شعبي في لبنان بطريقة غير نظامية ويعمل في محله لبيع الأفلام والألبومات الموسيقية نهارا، ثم يعمل “دي جي” في أحد النوادي الليلية.

وتجمعه الصدفة بـ”كارمن” (ستيفاني صليبا) التي تزور حيّهم بحثا عمّن يكشف لها الغيب، “بصارة”، لتتأكد من خيانة زوجها، فتتغيّر بفضلها أحوال مينا من رجل فقير تعشقه نسوة الحي ويعيش في رحلة هرب لا تنتهي من الأمن، إلى رجل ذي نفوذ كبير سببه كشفه للمستور وإرشاده الناس بعلم الطاقة والأرقام والتنجيم وقراءة الفنجان والكفوف وكلّ السبل المتاحة لقراءة الغيب وفهم المستقبل وخفايا الحاضر والماضي.

وكان من المقرّر أن يعرض المسلسل في 30 حلقة، إلاّ أنّ أزمة فايروس كورونا المستجد تسبّبت في إتمام تصويره، لتكتفي الشركة المنتجة بعرض 17 حلقة فقط في جزء أول على أن يعرض الجزء الثاني في وقت لم يحدّد بعد.

وجاء المسلسل في جزئه الأول، بحوار ضعيف وبنسق درامي بطيء، وغاب عنه عنصر الإقناع الذي كشفته سلسلة الأحداث المتراكمة دون جديد يثري سيرورة العمل الدرامي في كل حلقة على حدة، ممّا جعله يتعرّض لانتقادات مختلفة تعبّر أغلبها عن أملها في تأجيل عرض المسلسل لحين اكتمال تصويره، إذ ربما كان المخرج قد لجأ لـ”تمديد” الحلقات والمشاهد وإدخالها في “دوامة فارغة” بسبب توقّف التصوير.

ستيفاني صليبا ورغم موهبتها المتطوّرة باستمرار، بدت أمام حرفية الفنان السوري عابد فهد كالماء أمام نار حارقة
ستيفاني صليبا ورغم موهبتها المتطوّرة باستمرار، بدت أمام حرفية الفنان السوري عابد فهد كالماء أمام نار حارقة

وأمام مشاهد مسلوبة الروح، وحوارات ضعيفة، وبنية درامية غير متماسكة في تصوّرها للتفاوت الطبقي الاجتماعي الذي تدور حوله أغلب الأحداث، يحافظ عابد فهد في هذا العمل الدرامي على مستواه الفنيّ عامة، ليجسّد شخصية مختلفة لا تشبه أي دور لعبه في مسيرته سابقا.

وفهد الذي لعب دور “الحجاج بن يوسف” و”الظاهر بيبرس”، كما جسّد أدوار الشرّ والخير بمساحات شاسعة تكشف في كلّ مرة عن قدراته التمثيلية ومدى تطوّر موهبته، يلعب هذا العام دور الشاب المتمكن من “علم الكلام” والذي يبيع الوهم إلى الناس على أنه إلهام وموهبة لا يمتلكها أيا كان.

ويسلّط “الساحر” الضوء على علوم بات الناس في عصرنا يؤمنون بها ويصدّقونها تصديقا لا ريب فيه، ورغم منطقية بعضها كعلم الأرقام، وغرابة بعضها الآخر كعلم الطاقة وقراءة الفنجان، إلاّ أنه يزيح الستار عن جانب منتشر بكثرة في مجتمعاتنا العربية ألا وهي “الشعوذة” وأولئك الذين يمتهنون هذه المهن دون علم ودراية بها، ويكتفون فقط ببيع الكلام المناسب للشخص المناسب، أو إلى الشخص المسلوب الإرادة.

ولم يأت نجاح عابد فهد في لعب شخصية الساحر من فراغ، بل يلعب اجتهاد الممثل في العيش مع “سحرة” كثر دورا كبيرا في اكتسابه مهارات الإقناع والكلام وتمكنه من “مفاتيح” المهنة وأسرارها، ولمعرفة خبايا علماء الفلك والطاقة وأصحاب الرؤى المستقبلية تواصل الممثل مع عالم الفلك اللبناني الشهير مايك فغالي ومع ليلى عبداللطيف وعدد من رواد هذه المجالات عربيا وحاول فهم طبيعة عمل كل واحد منهم ليرسم في مخيلته صورة “للساحر” ويقدّمها لجمهوره.

ويتقاسم الساحر دور البطولة مع شريكته في “الكذب”، كارمن، وهي الممثلة اللبنانية ستيفاني صليبا، ما يدفعنا حتما إلى مقارنة هذه البطولة ببطولات سابقة جمعت عابد فهد وجها لوجه بممثلات عربيات أخريات.

فبعد أن تشارك الممثل السوري مع الممثلة الأردنية صبا مبارك والمصرية نيللي كريم واللبنانية سيرين عبدالنور والسورية سلافة معمار وغيرهنّ من النجمات اللواتي قاسمنه بطولة أعمال درامية قوية، فكان أداء كل واحدة منهنّ يرتقي إلى مستوى قدرات شريكها وتمكّنه من تجسيد أدواره بحرفية وتقمّص كبيرين، حضرت ستيفاني صليبا بأداء ضعيف وبانفعالات غير واقعية.

من هناك، بدت صليبا ورغم موهبتها الشابة والمتطوّرة سنة تلو الأخرى، كالماء أمام نار حارقة، فلا حركات جسدها ولا تعبيرات وجهها ولا تقمصها لردود أفعال الشخصية، كانت متناغمة مع متطلبات الدور لتجسيد الشخصية بطريقة مقنعة. فهي في دور كارمن كعدد كبير من الممثلات اللواتي تجود بهنّ الشاشات التلفزيونية في كل موسم درامي ولا يحملن من التمثيل غير الجمال ومن “تلبّس” الشخصية غير اسمها ضمن العمل.

“الساحر” عمل درامي لم ينل الترويج اللازم، في ظلّ سباق درامي  محموم كان ليكون من بين الأعمال الدرامية الأكثر مشاهدة لو راهن صناعه على دعاية جيدة. ولكن، لم يكن ليحظى بها وسط حوار ضعيف وأداء “راكد” وطاقم ممثلين تتفاوت قدراتهم التمثيلية كثيرا. ومع ذلك كان يمكن له أن ينجح في حالة واحدة، لو سمحت له كورونا أن يكتمل، ربما؟

17