أزمة مأرب: اختبار قوة بين الدولة اليمنية والميليشيات

الخميس 2015/01/08
بعد العاصمة صنعاء، مأرب معقل الثروات النفطية والغازية لليمن في مرمى نيران الميلشيات الحوثية

موقع محافظة مأرب اليمنية، وتربعها على العرش النفطي، شرقي البلاد، أوقعاها في فخ "أطماع" القوى المتصارعة على الأرض، فهناك جماعة الحوثي المتأهبة للاجتياحها، وأمامها قبائل المحافظة المدافعة عنها، وعلى مرأى من الطرفين تقف الدولة رافضة وجود أي قوة غيرها لحماية المصالح النفطية والغازية.

يصف باحث أميركي الصراع الدائر في اليمن، وبالتحديد صراع الدولة اليمنية ضدّ التمرّد الحوثي، بأنه من أخطر الحروب التي يشهدها العالم العربي منذ عقد من الزمن، بصرف النظر عن الحرب في العراق. وقد أثبت التمرّد الحوثي، وفق باراك سلموني، مؤلف دراسة “النظام ومحيطه في شمال اليمن: الظاهرة الحوثية” (2010)، أنه أكبر مستنزف للموارد المادية والبشرية اليمنية.

نظرا إلى العديد من الأزمات المالية والسياسية وأزمات الموارد التي تعاني منها الدولة، لا يمكن أن تتحمّل اليمن هذا الصراع لمدة طويلة. وهذا التمرد هو واحد من أكبر التحديات الأمنية التي يجب حلّها سريعا حتى تتفادى البلاد حربا عسكرية أخرى بين الحكومة والحوثيين.

ودخلت جماعة الحوثي، التي غيّرت اسمها إلى “أنصار الله”، اقتداء بـ”حزب الله” اللبناني، معظم محافظات، ما كان يعرف باليمن الشمالي قبل الوحدة مع الجنوب عام 1990، باستثناء محافظتي تعز جنوبا ومأرب شرقا، اللتين تقعان على أهم نقطتين حدوديتين مع ما كان يعرف باليمن الجنوبي. وينظر إلى تعز كباب إلى عدن عاصمة الجنوب سابقا، فيما ينظر إلى مأرب الصحراوية كباب لمحافظة حضرموت، المنطقة الأكثر أهمية للجنوب من حيث المساحة الأكبر والثروات النفطية الغنية بها.

وهذه المحافظة التاريخية العريقة والغنية هي اليوم، في قلب الصراع ومهدّدة بطوفان الحوثيين المدمّر، الذي سبق ودخل العاصمة صنعاء، وتسبّب في أحداث عاصفة. وفي محاولاتها لتبرير اجتياح محافظة مأرب تعمد جماعة الحوثي إلى خلق تهم تتعلق بالإرهاب وتدّعي محاربة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. وقد جاء في تصريح لمحمد البخيتي عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثي “أن مواجهة الجماعات “المتطرفة التكفيرية” هي أولوية الجماعة المسيطرة على صنعاء، في عام 2015”.

وذكر خبراء استراتيجيون أن أولويات جماعة الحوثي الآن مأرب، حيث مصادر الطاقة، أما الادعاء أنها عازمة على محاربة القاعدة، فورقة تسعى لاستخدامها من أجل تسويق نفسها للقبول بها خارجيا، والهدف الآخر هو تركيع القبائل في مأرب والجوف، والبيضاء، أي المحافظات التي يتكون منها إقليم سبأ، وفق التقسيم الذي خرج به مؤتمر الحوار للدولة الاتحادية المرتقب ميلادها.

الجيش لن يترك فرصة للحوثيين لاجتياح محافظة مأرب ذات الأهمية الاقتصادية الكبيرة لبلد يعاني أصلا من شح في الموارد

وأعاد الخطاب الذي ألقاه عبد الملك الحوثي، زعيم جماعة “أنصار الله”، بمناسبة ذكرى المولد النبوي، السبت الماضي، وتعريجه فيه على الوضع في مأرب، المخاوف إزاء اندلاع صراع مسلّح في المحافظة التي تُعدّ الرافد الأساسي لاقتصاد البلاد. الحوثي ألمح إلى أن مسلحي جماعته لن يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه ما أسماه “محاولة إسقاط مأرب في يد التكفيريين والقاعدة، في حال لم تقم الجهات الرسمية بواجباتها”.

لكن الرجل أشار إلى وجود “حساسية” للوضع هنا، وهو ما جعل اللجان الشعبية (مسلحون موالون للحوثي) تتردد في اقتحام المحافظة حتى اليوم، خوفا من تبعات هذا الاقتحام، وفي المقابل، فإن قوة التماسك القبلي في مأرب حالت دون حدوث بسط أي من القوتين سيطرتهما على الأرض. وشكّل تمركز القبائل، وعلى رأسها “عبيدة”، و”مراد”، و”جهم، و”الجدعان”، مصدات شديدة في وجه تغوّل مليشيتي الجماعتين (القاعدة والحوثي)، وقطع الطريق عليهما، خاصة الحوثي التي من بين مبررات سيطرتها على المدن هي “حمايتها” في ظل ضعف تواجد الدولة.

منذ 21 سبتمبر الماضي، تسيطر جماعة “أنصار الله”، المحسوبة على المذهب الشيعي، بقوة السلاح على المؤسسات الرئيسية في صنعاء، ووقّعت جماعة الحوثي اتفاق “السلم والشراكة” مع الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، وعلى الملحق الأمني الخاص بالاتفاق.

رغم أن هذا الاتفاق يقضي في أهم بنوده بسحب مسلحيها من العاصمة صنعاء، يواصل الحوثيون تحركاتهم الميدانية نحو عدد من المحافظات والمدن اليمنية بخلاف صنعاء. ومحافظة مأرب، أحدث المحافظات التي يدّق الحوثيون على أبوابها طبول الحرب طمعا في اجتياح هذه المدينة التي تعدّ الشريان الاقتصادي لليمن.


ما هي أهمية مأرب؟


ومنذ أشهر يرابط آلاف من رجال قبائل مأرب على مشارف المحافظة، وتحديدا في منطقتي “نخلا”، و”السحيْل”، بكامل عتادهم، بدءا من الأسلحة الرشاشة الخفيفة، وحتى مضادات الطيران، والعيارات الثقيلة، تحسبا لأي هجوم، خاصة من قبل جماعة الحوثي المسلحة والمحسوبة على المذهب الشيعي.

وأهل مأرب، محسوبون على المذهب الشافعي (السُّنّي)، وتميّز أهلها بالوسطية والاعتدال، هو إحدى الضمانات، إلى جانب تماسك القبيلة، في نبذ فكرة الطائفية والصراع على أساس مذهـبي، حـسب مـراقبين.

ويقطن مدينة مأرب، عاصمة المحافظة، مئات الأسر القادمة من محافظات يمنية أخرى، والمحسوبة في أغلبها على المذهب السني، ويتشكلون من موظفي الدولة والتجار، والباعة، فيما توجد أقلية من “الأشراف” أو “السادة” وهم أقرب إلى المذهب “الزيدي”، وتُوصف “الزيدية” بأنها محسوبة على الشيعة، وهي أقرب إلى السُّنّة.

بدا جليا في الآونة الأخيرة، محاولات للحوثيين، لعقد تحالفات مع بعض رموز القبائل في مأرب، خاصة المحسوبين على نظام الرئيس السابق، والتي باءت بالفشل، لإدراك الجميع، على ما يبدو، بـ “خطورة مواجهة القبائل أو نشوب صراع في داخلها على خلفية مساندة الحوثيين وتسهيل مهمة دخولهم إلى مأرب”، استنادا إلى امتناع معظم زعماء القبائل عن التوقيع على وثيقة تسمح للحوثيين بدخول المحافظة.

الحوثيون يختلقون الذرائع ويتحججون بمحاربة الإرهاب لخرق اتفاق السلم والشراكة ونشر ميليشياتهم في مأرب

ويتوقّع المحلل السياسي اليمني، عبدالحكيم هلال، أن “تسعى جماعة الحوثي إلى السيطرة على المحافظتين خلال الشهور الأولى من 2015. والأمر مرتبط بأي تطور على المشهد في جنوب البلاد، الذي يشهد حراكا متصاعدا لمطالب الجنوبيين بالانفصال عن الشمال”.

وينذر هذا التطور بتحويل مأرب إلى ساحة جديدة للمواجهة بين الحوثيّين في جهة، وتنظيم القاعدة في الجهة المقابلة، وفي جهة ثالثة الدولة اليمنية.


هل ينجح الحوثيون في دخول مأرب؟


في تصريح صحفي، حذر محافظ مأرب، سلطان العرداة، من تعرض المصالح الحيوية في البلاد للخطر بسبب مساعي جماعة “أنصار الله” لـ”زعزعة أمن واستقرار المحافظة التي تنتج أكثر من 70 في المئة من النفط والغاز للبلاد”.

وقال العرادة، وهو زعيم قبلي من أبناء المحافظة، إن “مأرب ترتبط بحياة المواطنين اليومية، وعندما تتعرض هذه المصالح (النفط والغاز) لأي اعتداء فإن تأثيرها يعم البلاد كلها”، داعيا جماعة الحوثي إلى “إيجاد الأمن في المحافظات التي سيطرت عليها قبل أن تتحدث عن أمن مأرب”. وأشار إلى “أن أبناء المحافظة والسلطة المحلية يرفضون وجود أي ميليشيات مسلحة تحت أي عنوان، وأنهم مصممون على منع وجود أي قوة غير قوة الدولة لحماية المصالح النفطية والغازية”.

هذا الحديث الواضح، من مسؤول في الدولة، إلى جانب كونه زعيما قبليا، يكشف مدى جديّة الجانب الرسمي، في التعامل مع ملف الصراع في مأرب، وأن الجيش ربما لن يترك فرصة للحوثيين لاجتياح المحافظة، ذات الأهمية الاقتصادية الكبيرة، لبلد يعاني أصلا من شح في الموارد، ويقف اقتصاده على حافة الهاوية، وفق مؤشرات اقتصادية حديثة.

وتكمن أهمية محافظة مأرب، في وجود حقول النفط بها، ومنها يمتد الأنبوب الرئيس لضخ النفط من حقول “صافر” إلى ميناء رأس عيسى على البحر الأحمر غربي البلاد، كما يوجد بها أنبوب لنقل الغاز المسال إلى ميناء بلحاف بمحافظة شبوة (جنوب)، إضافة إلى وجود محطة مأرب الغازية التي تمد العاصمة صنعاء وعدة مدن يمنية بالطاقة الكهربائية، إضافة إلى أنها تعتبر من أهم المناطق الزراعية.

كل هذه الميزات، جعلت من مأرب، محط أنظار الكثير من القوى المتصارعة في البلاد، وعلى رأسها جماعة “أنصار الله”، وتنظيم “أنصار الشريعة” فرع تنظيم القاعدة في اليمن.

6