أزمة مبادرة حكومة الوحدة الوطنية تدخل نفق المسار الدستوري

قبل أقل من أسبوعين على الموعد المحدد للإعلان عن حكومة الوحدة الوطنية في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، أعلن الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي رفض رئيس الحكومة الحالية الحبيب الصيد الاستقالة، مخيرا التوجه إلى البرلمان لحسم مسألة بقائه من عدمه، الأمر الذي من شأنه إطالة أمد الصراع بين الحكومة والرئاسة.
الخميس 2016/07/14
السبسي في ورطة

لندن - بدأت أزمة مبادرة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي طرحها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي تقترب بخطى حثيثة من نفق المسار الدستوري المُعقد الذي من شأنه أن يطيل أمد الصراع بين قصري الرئاسة في قرطاج، ورئاسة الحكومة في القصبة الذي أدخل البلاد في مأزق سياسي خطير.

وقبل أقل من أسبوعين على الموعد المُحدد للإعلان عن حكومة الوحدة الوطنية في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، فاجأ الرئيس الباجي قائد السبسي الفاعلين السياسيين المعنيين بمبادرته، بموقف اعترف فيه ضمنيا بفشل الضغوط التي مارسها لدفع رئيس الحكومة الحبيب الصيد إلى الاستقالة.

وأعلن الرئيس السبسي في كلمة مُقتضبة ألقاها الأربعاء على هامش التوقيع على وثيقة أولويات حكومة الوحدة الوطنية، أن رئيس الحكومة الحبيب الصيد “قرر التوجه إلى مجلس نواب الشعب (البرلمان)”، لحسم مسألة بقائه أو رحيله عن رئاسة الحكومة.

ووصف في كلمته خيار الحبيب الصيد الذهاب إلى البرلمان بأنه حق دستوري، وأكد أن مجلس نواب الشعب “هو من سيقرر بقاء الصيد أو ذهابه”، لافتا في المقابل إلى أن رئيس الحكومة القادم “يجب أن يكون أهلا وقادرا على تطبيق ما ورد في وثيقة أولويات حكومة الوحدة الوطنية”.

ووقع رؤساء ثلاث منظمات وطنية هي الاتحاد العام التونسي للشغل(أكبر منظمة نقابية في البلاد)، ومنظمة أرباب العمل، ومنظمة اتحاد الفلاحين، بالإضافة إلى 9 أحزاب سياسية، على وثيقة أولويات حكومة الوحدة الوطنية التي حملت اسم وثيقة “اتفاق قرطاج”، وذلك بعد أكثر من شهر من المشاورات والمفاوضات التي ارتبطت بمبادرة تشكيل حكومة وحدة وطنية.

وأثار هذا الموقف ردود فعل تباينت في توصيف أبعاده وتداعياته باعتبار أن رئيس الحكومة الحبيب الصيد لم يعلن أنه يرغب في الذهاب إلى البرلمان لحسم هذه العقدة، وإنما طالب من يريد إقالته أو استقالته باتباع المسار الدستوري لذلك، بمعنى سحب الثقة منه تحت قبة البرلمان.

وبهذا المعنى فإن رئيس الحكومة مازال متمسكا بعدم الاستقالة، وهو ما دفع زهير المغزاوي النائب بمجلس نواب الشعب، وأمين عام حركة الشعب، إلى التحذير من المخاطر الكامنة وراء مفاجأة الرئيس السبسي.

وقال لـ”العرب”، إن الذهاب إلى البرلمان سواء قام به الرئيس السبسي أو رئيس الحكومة “ليس حلا، وإنما سيُعقد الأزمة أكثر فأكثر، لأن هذا الخيار جاء نتيجة للصراعات الداخلية التي تعصف بحركة نداء تونس”.

غازي الغرايري: اللجوء إلى البرلمان لحسم هذه المسألة حق دستوري

ولفت المغزاوي الذي وقع على “وثيقة قرطاج” إلى أن هناك من يسعى إلى تحميل رئيس الحكومة الحبيب الصيد مسؤولية الفشل الحكومي، واعتبر أن هذا الأمر يُجانب الواقع باعتبار أن الفشل يتحمله الرباعي الحاكم (حركتا النهضة ونداء تونس، والاتحاد الوطني الحر، وحزب آفاق تونس) وليس رئيس الحكومة وحده.

وفيما تترقب الأوساط السياسية موقف رئيس الحكومة الحبيب الصيد من مفاجأة الرئيس السبسي، اعتبر الدكتور غازي الغرايري أستاذ القانون الدستوري والأمين العام للأكاديمية الدولية للقانون الدستوري، أن الاحتكام إلى البرلمان لحسم هذه المسألة توجه دستوري.

وأوضح أن الدستور يمنح لرئيس الدولة ولأعضاء مجلس نواب الشعب الحق في سحب الثقة من رئيس الحكومة، كما يمنح في نفس الوقت لرئيس الحكومة حق اللجوء إلى مجلس نواب الشعب لتأكيد الثقة فيه. ولكنه شدد في المقابل على أن الطريق الأنسب لتجاوز هذه الأزمة هو التوافق بين أقطاب السلطة، أي بين رئيس الدولة، ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان، وذلك في الوقت الذي ارتفعت فيه حدة الانتقادات لوثيقة “اتفاق قرطاج” الموقعة الأربعاء، حيث أعربت المعارضة اليسارية عن رفضها لهذه الوثيقة التي وصفها حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الائتلاف الحزبي اليساري “الجبهة الشعبية” بأنها “مناورة سياسية” تهدف لإعادة ترتيب حركة نداء تونس”.

وأمام هذا المأزق الجديد الذي قد يطيل أمد هذه الأزمة، بدأت حركة النهضة الإسلامية تتخلص من مناورتها التكتيكية التي مارستها طيلة الشهر الماضي، لتُعلن بوضوح عن تخليها عن الحبيب الصيد، حيث اعتبر رئيسها راشد الغنوشي أن التوقيع على وثيقة أولويات حكومة الوحدة الوطنية “اتفاق قرطاج” يُعد محطة مهمة على طريق التغيير والارتقاء بمستوى الأداء الحكومي.

ولم يكتف بذلك، إنما ذهب إلى حد القول إن هذه الوثيقة “رسمت إجماعا تونسيا عاما، والمطلوب اليوم وضعها موضع تنفيذ، والمطلوب أيضا أن تتفاعل الحكومة الحالية إيجابيا مع هذه المبادرة التي حظيت بهذا الإجماع وتفسح الطريق لتطبيقها”، ما يعني مطالبة الصيد بالاستقالة.

وبحسب مصادر مقربة من حركة النهضة، فإن الغنوشي اتصل هاتفيا بالحبيب الصيد وأبلغه بأن حركته لن تكون قادرة على مواصلة دعمه في معركته مع الرئيس السبسي، ما يعني رفع الغطاء السياسي عنه نهائيا.

وأكدت لـ”العرب” أن هذا الموقف سيكون محور اجتماعات مجلس شورى حركة النهضة التي ستُعقد يومي السبت والأحد القادمين، حيث سيتم خلالها حسم الغموض الذي أحاط بموقف هذه الحركة المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين من مسألة بقاء الحبيب الصيد أو تقديم استقالته، وهو غموض مقصود ساهم في إرباك المشهد السياسي، وأطال أمد هذه الأزمة.

4