أزمة مصير.. وليس أزمة اعتذار في اليمن

الاثنين 2013/09/02

على هامش مؤتمر الحوار الوطني المتوقع أن ينهي أعماله خلال ثلاثة أسابيع، وجّهت الحكومة اليمنية قبل أيّام اعتذارا رسميا إلى أبناء المحافظات الجنوبية وإلى أبناء محافظة صعدة الشمالية.

يعطي الاعتذار دليلا على وجود رغبة في الذهاب إلى النهاية في المصالحة الوطنية. كذلك، يشير ذلك إلى طموح لدى الحكومة بخروج مؤتمر الحوار الوطني المنعقد حاليا في صنعاء بنتائج قد تساعد في التأسيس لمرحلة جديدة.هل تكفي النيّات، مهما كانت صافية، في نقل اليمن إلى مكان آخر؟

كان الرد على الاعتذار من أطراف جنوبية معيّنة، تصرّ على الانفصال، سلبيا إلى حدّ كبير، في حين اتخذ الحوثيون الذين يسيطرون عمليا على صعدة ومناطق أخرى في محاذاتها موقفا إيجابيا.

هناك هدف واضح لدى الحوثيين يتمثل في البناء على الاعتذار والانطلاق في اتجاه اكتساب شرعية تسمح لهم بأن يكونوا شركاء في السلطة في المستقبل. إنها من دون شكّ سياسة ذكية يعتمدها طرف لديه مشروعه عرف كيف يستغلّ الموقع الجغرافي المميّز لصعدة، كما عرف كيف يلعب على كلّ التناقضات، بما في ذلك التناقضات المذهبية، والتمدد في كلّ الاتجاهات وصولا إلى صنعاء.. وحتّى تعز.

تكمن مشكلة الأطراف الجنوبية التي سارعت إلى رفض الاعتذار من منطلق أنّ نصّ الاعتذار ليس كافيا ولم يحمّل مسؤولية حرب صيف 1994 لنظام الرئيس علي عبدالله وحده، في رفضها الاعتراف بأنّ ليس في الإمكان إعادة عقارب الساعة إلى الخلف.

نعم، كانت هناك دولة جنوبية كاملة السيادة. لكنّ هذه الدولة لم تحسن المحافظة على نفسها بسبب تركيبتها الداخلية. ليست الوحدة التي تحققت عام 1990 وراء انهيار دولة الجنوب. هذه الدولة انهارت أساسا قبل الوحدة. الوحدة كانت مؤشرا إلى الانهيار النهائي لما كان يسمّى «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية» التي لم تكن لا ديمقراطية ولا شعبية، بل كانت دولة تعيش بفضل المساعدات السوفياتية.

كان الاتحاد السوفياتي يسعى إلى موطئ قدم في شبه الجزيرة العربية عندما كانت الحرب الباردة هي التي تتحكّم بتصرفات الدول الكبرى. فاليمن الجنوبي الذي لديه حدود مشتركة مع المملكة العربية السعوديةوسلطنة عُمان، استقلّ عام 1967، لكنه انتهى عمليا في مطلع عام 1986.

انتهى عمليا يوم الثالث عشر من كانون الثاني- يناير عندما اندلعت حرب بين أطراف الحزب الحاكم (الحزب الاشتراكي) على خلفية مناطقية وقبلية. كانت حربا أهلية بالفعل توجّت مسلسل الصراعات الداخلية الذي لم يعد الاتحاد السوفياتي قادرا على احتوائه بسبب حال الضعف والوهن والضياع التي بدأ يعاني منها، والتي أدت إلى انهياره رسميا مطلع 1992.

انهار النظام في الجنوب. انهارت الدولة التي لم تكن تمتلك في الواقع اقتصادا يسمح لها بالاستمرار. صحيح أنه لا يزال هناك من يدافع عن دولة الجنوب من منطلق أنّها كانت دولة يسودها القانون والأمن، وفيها إدارات ومؤسسات. لكنّ الصحيح أيضا أن هؤلاء يتناسون كمية الظلم التي لحقت بمئات آلاف اليمنيين الذين وجدوا أنفسهم في دولة فقيرة تعيش على هامش الفورة النفطية في الخليج.

لا داعي إلى فتح الدفاتر القديمة. كلّ ما يمكن قوله أن السيّد علي سالم البيض الذي كان الأمين العام للحزب الاشتراكي الحاكم في الجنوب استعجل الوحدة وذهب، عن حسن نيّة، إلى صنعاء ليصبح نائب رئيس مجلس الرئاسة. لكنّه استعجل أيضا في اتخاذ قرار الانفصال والاعتكاف في عدن من دون استشارة معظم زملائه في قيادة الحزب الاشتراكي اليمني.

أما بالنسبة إلى حرب 1994، فالثابت أن الرئيس علي عبدالله صالح، الذي كان رئيسا لـ»الجمهورية العربية اليمنية» قبل الوحدة، بذل الكثير من أجل تفادي الحرب التي خلقت واقعا جديدا على الأرض. وصل الأمر بعلي عبدالله صالح قبوله توقيع «وثيقة العهد والاتفاق» في عمّان في فبراير من عام 1994، رغم أن الوثيقة تضمّنت كلّ مطالب خصومه.

منذ ثلاثة وعشرين عاما، وإلى اليوم تغيّرت طبيعة المجتمع في المحافظات الجنوبية والشرقية التي كانت تشّكّل دولة الجنوب. تغيّرت أيضا طبيعة العلاقات التي كانت تربط بين هذه المحافظة الجنوبية وتلك.

لاشكّ أن كلّ أمراض الشمال انتقلت إلى الجنوب. كذلك كانت هناك، خصوصا بعد حرب 1994، ممارسات خاطئة ومجحفة، بل مذلّة، في حق مواطنين جنوبيين. هل هذا يكفي لتبرير الانفصال.. أم المطلوب أكثر من أيّ وقت التمهّل والنظر إلى الواقع كما هو وليس كما لو أن شيئا لم يتغيّر منذ 1990؟

الثابت أن اليمن كلّه تغيّر وليس الجنوب وحده. لكنّ المؤسف أن هناك من لا يزال يعتقد أن في الإمكان حكم الجمهورية اليمنية من صنعاء، حتى بعد انهيار معادلة «الشيخ والرئيس» التي كانت بمثابة تحالف بين مجموعة قبلية معيّنة والمؤسسة العسكرية وبعض التجار الآتين من تعز وبعض المجموعات الإسلامية المنتمية إلى حزب الإصلاح. من بين هذه المجموعات الإخوان المسلمون، الذين يعتقدون، إلى الآن، أن لديهم مشروعهم لليمن كلّه، رغم الضربة القويّة التي تلقوها نتيجة فشل تجربتهم في مصر.

مثلما انهار النظام في الجنوب، انهار النظام في الشمال. أصبح أولئك الذين كانوا يديرون الدولة المركزية، انطلاقا من صنعاء، أسرى أسوار العاصمة، خصوصا بعد ابتعاد زعماء حاشد، أي آل الأحمر، عن علي عبدالله صالح وتحوّل اللواء علي محسن الأحمر من حليف للرئيس السابق إلى خصم لدود له.

هذا التطوّر جعل الحوثيين يوسّعون نفوذهم. صاروا جزءا لا يتجزّأ من المعادلة اليمنية وهم استفادوا دون شك من الفراغ في صنعاء وأقاموا حتى رأس جسر في تعز الشافعية، البعيدة عن العاصمة والتي تعتبر أكبر المدن اليمنية.

إذا أخذنا في الاعتبار التحولات التي طرأت على الوضع اليمني ككلّ وأضفنا اليها الأزمة الاقتصادية الخانقة وأزمة التعليم والقات وانتشار «القاعدة»، الذي يعبّر عن صعود التطرّف الديني، فضلا عن أزمة المياه التي يمكن أن تحوّل صنعاء نفسها إلى مدينة غير قابلة للحياة، فإن الانفصال ليس حلا.. حتى لو تحقّق، وحتى لو كانت هناك قوى خارجية تعمل من أجل ذلك.

في وقت لا يزال مؤتمر الحوار الوطني منعقدا، يفترض البدء في التفكير في كيفية البحث عن صيغة جديدة للبلد كلّه. أقلّ ما يمكن قوله أنّه يفترض بهذه الصيغة أن تكون بعيدة عن كلّ صيغ الماضي. لابدّ من كسر الحلقة المقفلة عن طريق دستور عصري يسمح لكلّ منطقة يمنية تدبير أمورها بنفسها في إطار دولة اتحادية. لا مفرّ من ذلك، أي لا مفرّ من التفكير في مستقبل اليمن من زاوية واسعة مختلفة على الرغم من الجهود الدولية والعربية العاملة على إبقاء الوضع فيه تحت السيطرة.

ما على المحكّ يتجاوز كلّ الاعتذارات. في النهاية، ليس معروفا في ضوء كلّ الأخطاء التي ارتكبت مَن يجب أن يعتذر من مَن؟ أو ليس على الجميع الاعتذار من اليمن ومن العجز عن عرض المشاكل التي يعاني منها على حقيقتها، بدءا بتسمية الاشياء بأسمائها. إنّها مشاكل مرتبطة بمستقبل البلد وبكيفية تفادي الصوملة أوّلا وأخيرا. إننا في اليمن أمام أزمة مصير لا يحلها اعتذار من هنا أو آخر من هناك.

9