أزمة منتصف العمر.. هل هي أزمة حقا

مع اقتراب الأشخاص من منتصف العمر يقع الكثير منهم تحت تأثير فكرة مزعجة حيث تبدو الحياة وكأنها ستزول قريبا، الأمر الذي يشعرهم بخوف يرتبط غالبا بالمرارة.
الخميس 2018/03/22
الانغماس في تفاصيل حياتنا يمنحها عمقا أكبر

في العموم، يخاف الناس كثيرا من التقدم في السن، والشيخوخة التي تصادفهم في مرحلة متأخرة من دوران عجلة الحياة، يخافون من السكون ويخشون من فراغ أيامهم المقبلة، من الوحدة، من تبدّل أجسادهم وانحسار شبابهم، من المرض، من إهمال الآخرين لهم أو أن يكونوا عبئا عليهم.

وكرد فعل على هذا، يحاول البعض جاهدا على أن يعود الزمن للعودة به إلى الوراء، حيث سنوات الشباب، بينما يستسلم الآخرون إلى فكرة إنكار الواقع وتجاهل علاماته مع ما يصاحبه من عدم الاعتراف بأن تغييرا ما قد حصل في حياتهم وشكلهم الخارجي، وبأنهم على وشك دخول مرحلة جديدة تحتم عليهم القيام بأدوار جديدة أيضا.

 

على الرغم من تزاحم الوجوه في الأماكن العامة، إلا أننا نلـمح بين لحظة وأخرى وجوها تشدّ انتباهنا أكثر من غيرها، لأناس مسكونين بحالة من القلق والخوف التي تكاد تصرخ من خلال نظراتهم وحتى صمتهم، ونستطيع أن نميّز أصحاب هذه الوجوه بسهولة؛ هؤلاء هم من يباغتهم دوران عجلة العمر فجأة، وتطالعهم خطوط التقدم في السن من مراياهم كل صباح، وكأنها أخطبوط يمدّ أذرعه كي يسدّ بها كل منافذ الأمل أمامهم

ترى إيلين دوندون؛ مؤسسة معهد المعنى وعلم المعاني الدولي ومؤلفة الكتب الأكثر مبيعا حول الابتكار والمعنى، أهمها “البحث عن الفرح والمعنى في العمل والحياة اليومية”، أن العديد من الناس ينظرون إلى أن البحث عن معنى لوجودهم، يعني بالضرورة انفصالهم عن الواقع، هذا الأمر الذي يعفيهم بصورة أو بأخرى من مواجهة التحديات والهروب من الحقيقة، أي ببساطة يعني عدم قدرتهم على الاستمتاع بحياتهم بكل تفاصيلها، مع ذلك تعتقد الباحثة بأن الأمور يجب أن تنحو على عكس ذلك تماما؛ والفلسفة المعاكسة لها تعني الانغماس في التفاصيل، عيش الأفراح والأحزان، المكاسب والخسائر، الصعود والهبوط، كل هذه المتناقضات هي ما تمنح حياتنا عمقها وحقيقتها. وتؤكد دوندون في كتابها أهمية تعلّم كيف نقدّر وجودنا من خلال التعبير عن أنفسنا وشعورنا بالحرية وعيشنا الحياة على أكمل وجه، وأحيانا الاستعداد للمغامرة والمخاطرة أيضا أو كما يقول الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس؛ “يحتاج المرء إلى القليل من الجنون، وإلا فإنه لن يجرؤ أبدا على أن يقطع الحبل ويصبح حرا”.

من خلال كتاباته، يبين لنا كازانتزاكيس أن هناك جمالا ما حتى في الفوضى وأن الحياة هي المشكلة لكن الموت ليس كذلك، يتوجب علينا أن نتعلم كيف نعيش وكيف نشعر وكيف نضحك بصرف النظر عمّا تقدمه لنا الحياة، خيرا كان أم شرا.

ولعل تفكيرنا بالشيخوخة والتقدم في السن وانشغالنا بفكرة الموت هما اللذان يعلماننا كيف نعيش حياتنا بشكل أفضل، فحياتنا هشة ومتهالكة يمكن أن يومض ضوؤها الأخير فجأة ونرحل والغد قد لا يأتي، فعندما ندرك أن وقتنا محدود وأننا نتحرك دائما نحو الموت سندرك أهمية أن نعيش يومنا بأكمله وأن نستغل كل لحظة وثانية، نستثمرها في العمل والاستمتاع بالنعم.

الحياة ثمينة وكل يوم إضافي هو بمثابة هدية يجب ألّا نضيعها، وأن نزرع خطواتنا بفرح على هذه الأرض التي سنكون تحتها في يوم مقبل لا محالة. ليس من العدل حقا أن ننتظر حتى يأتي اليوم الأخير في حياتنا، حتى ندرك هذه الحقيقة وأننا قضينا سنوات عمرنا الماضية في القلق عن أشياء قد تبدو في لحظة الموت بلا قيمة، وبأن الندم سيرافق هذه اللحظة؛ الندم على أيام لم نعشها كما ينبغي ورغبات لم نحققها بقيت حبيسة الخوف في سجن أفكارنا.

في كتابها “البحث عن الفرح والمعنى في العمل والحياة اليومية”، تؤمن إيلين دوندون بأن كل يوم جديد إنما هو فرصة أخرى لتحقيق ما نصبو إليه وما نرغب في تحقيقه، مهما بدا بسيطا وقليلا فكل ما علينا فعله هو التحلي بالشجاعة وإضفاء معنى على أيامنا. علينا أن نسأل أنفسنا عندما تغرب شمس يوم آخر، هل أهدرنا فرصة جديدة للعيش أم أننا أمسكنا بكل ما منحته لنا الحياة؟

يكتسب هذا الأمر أهمية كبيرة عندما نكون في منتصف العمر، وتحديدا عندما نتجاوز سن الخمسين؛ ففي هذه المرحلة من حياتنا علينا أن نبحث عن المعنى، وهي فرصة إذا ضيعناها قد لا يتاح لنا الوقت لتعويضها.

ولعل أحد أهم التحديات التي تواجه الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و64 عاما، هو أزمة منتصف العمر؛ وهو مصطلح ابتكره عالم النفس الكندي إليوت جاك في أوائل الستينات من القرن الماضي، حيث كان يعكف على دراسة العادات الإبداعية الخاصة بمجموعة من الفنانين المشهورين، حين لاحظ وجود سمة مشتركة بينهم؛ إذ مع دخولهم منتصف عقدهم الرابع بدأ إنتاجهم الإبداعي بالتراجع كما أصيب بعضهم بالاكتئاب، فضلا عن محاولات عدد منهم الانتحار ونجاح بعض هذه المحاولات.

أزمة منتصف العمر هي مصطلح ابتكره عالم النفس الكندي إليوت جاك في أوائل الستينات خلال دراسته لعادات المشاهير

وبعد ملاحظة سلوك مرضاه ومطابقة تجاربهم الحياتية مع تجارب الفنانين الذين اتخذهم عينة لبحثه، أدرك إليوت جاك أنه مع اقتراب الأشخاص من منتصف العمر يقع الكثير منهم تحت تأثير فكرة مزعجة تلحّ عليهم؛ حيث تبدو الحياة وكأنها ستزول قريبا، الأمر الذي يشعرهم بخوف يرتبط غالبا بالمرارة، من احتمالية الموت والرحيل قبل تحقيق أهدافهم التي عاشوا من أجلها.

ويأخذ العديد من الأشخاص على عاتقهم، خاصة الرجال، مسؤوليات وظيفية جديدة في بداية التقاعد، حيث يبدأون برعاية كبار السن، الشعور بالاستياء من نمط الحياة الواحد، استجواب الذات عن الأهداف المؤجلة والأحلام التي لم تتحقق، البحث عن مكانة المرء المفقودة ودوره سواء في العمل أو الحياة الأسرية والاجتماعية، الغضب ولوم النفس بسبب تحييد طموحات شخصية لتحقيق رغبات الآخرين حتى إذا كانوا من أفراد الأسرة، الرغبة في التراجع بدلا عن المضي قدما، ثم يواجهون تحديات في علاقاتهم العاطفية ويختبرون متلازمة “العش الفارغ” عندما يغادر الأبناء المنزل.

هذه الأحداث مجتمعة تقودهم إلى إعادة تقييم مكانتهم وأهدافهم ومستقبلهم الذي يبدو مجهولا وأفكارهم التي تبدو مشوشة حين ينبغي عليهم إعادة تقييم أولوياتهم مرة أخرى، فيدركون بأن طريقة عيشهم لم تعد تناسبهم وتفقد تفاصيل حياتهم معناها المنشود.

في بعض الحالات، لم يستطع علماء النفس في أدبياتهم وصف هذه الحالة بأنها أزمة منتصف العمر، فهم يقررون بأن سبب هذه الأعراض النفسية لا يحمل تفسيرا معينا، فقد يكون سببها مواجهة أزمات غير متوقعة كالطلاق والبطالة، المرض أو ثقل الواجبات الوظيفية والالتزامات الأسرية وليس بسبب التقدم في السن.

21