أزمة نقص المدرسين تفتح آفاقا مهنية أمام اللاجئين في ألمانيا

الثلاثاء 2018/02/06
بانتظار المدرس

برلين - تعيش المدارس الابتدائية في ألمانيا على وقع أزمة حادة تتمثل في النقص الحاد في عدد المدرسين، وهي أزمة ينذر الخبراء والمختصون في قطاع التعليم بأن آثارها سوف تظهر بصفة ملحوظة خلال الأعوام القليلة القادمة.

وأظهرت دراسة نشرت نتائجها مؤخرا، أن المدارس الابتدائية في ألمانيا ستعاني من نقص نحو 35 ألف مدرس بحلول العام 2025. وتستند الدراسة التي أجرتها مؤسسة “بيرتلسمان” الألمانية إلى بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي. وبحسب البيانات، فإن المدارس الابتدائية في ألمانيا ستحتاج إلى توظيف 105 آلاف مدرس جديد حتى عام 2025، بينما لا يمكن للجامعات حتى ذلك الحين سوى تخريج 70 ألف مدرس.

ويتوقع الباحثان في المجال التعليمي كلاوس كليم وديرك تسورن، أن يبلغ عدد المدرسين الذين سيصلون إلى سن التقاعد في ذلك الحين 60 ألف مدرس. وأشار الباحثان إلى أن هناك حاجة إلى تعيين 26 ألف مدرس جديد في المدارس الابتدائية لمواكبة الزيادة المتوقعة في عدد الطلاب حتى ذلك الحين. وأظهرت الدراسة أن هناك حاجة إلى 19 ألف مدرس جديد من أجل التوسع في مدارس الدوام الكامل. وحسب بيانات نقابة التربية الألمانية، فإن هناك نحو ألفي فرصة تدريس شاغرة في المدارس الابتدائية بألمانيا حاليا.

وكانت عدة مؤسسات وجهات مختصة قد أكدت وجود نقص في الكادر التعليمي في المدارس الألمانية. وأخذت جامعة بوتسدام بزمام المبادرة لوضع المدرسين اللاجئين على أول دربهم المهني.

وفي سبتمبر من العام 2016 نشرت صحيفة “هافينغتون بوست” باللغة الألمانية مقالا لجوزيف كراوس، رئيس اتحاد المدرسين الألمان جاء فيه أنه يوجد حاليا في ألمانيا حوالي 800 ألف مدرس لحوالي 11 مليون طالب، مضيفة أن عدد المدارس يبلغ 42 ألفا. وقال كراوس إنه يوجد فائض من المدرسين في بعض التخصصات وخصوصا الإنسانية منها، بينما يعاني نظام التعليم المدرسي من نقص في المدرسين في تخصصات أخرى وخصوصا الرياضيات والمعلوماتية والعلوم الطبيعية. وفي سبتمبر من العام الماضي نشرت صحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” تقريرا ذكرت فيه أنه يوجد حاليا حوالي 3300 وظيفة مدرس/مدرسة شاغرة.

105 آلاف مدرس تحتاجهم ألمانيا حتى العام 2025، بينما لا يمكن تخريج سوى 70 ألف مدرس

وبغية سد تلك الثغرة ولمساعدة المدرسين من اللاجئين على فتح آفاق مهنية لهم وإدماجهم في نظام التعليم المدرسي في ألمانيا كانت جامعة بوتسدام أول جامعة ألمانية تطلق برنامجا تأهيليا لهذا الغرض. والتحقت الدفعة الأولى من المدرسين بـ”برنامج المدرسين اللاجئين” في مايو من العام 2016. وقدمت آنا ألكساندرا فوجيفيكس، وهي من بين القائمين على البرنامج، بعض الحقائق والأرقام التي تفيد بأن “عدد المتقدمين للدفعة الأخيرة بلغ 74 مدرسا ومدرسة، قبلنا 29 منهم. وينحدر معظم المقبولين من سوريا، ولكن هناك فلسطينيون وأفغان وعراقيون وأتراك أيضا”.

وبالمثل، وسيرا على خطى جامعة بوتسدام أطلقت جامعة بيليفلد في غرب ألمانيا برنامجا مشابها يضم 25 لاجئا من أفغانستان وأرمينيا والعراق وباكستان وسوريا ودول أخرى، ويستمر البرنامج لمدة سنة كاملة.

ويدوم “برنامج المدرسين اللاجئين” سنة ونصف السنة، وتشمل الأشهر الستة الأولى تأهيلا في اللغة الألمانية للوصول إلى اجتياز مستوى “ب1”، فيما تشمل الستة أشهر الأخرى مقررات التربية المدرسية والقوانين المدرسية وطرائق تدريس وتدريبا عمليا في إحدى المدارس، هذا بالإضافة إلى تعليم المستوى “ب2” في اللغة الألمانية، أما الأشهر الستة الأخيرة فتقتصر على تأهيل مكثف في اللغة الألمانية للوصول لاجتياز مستوى “سي 1”. ويقول حسن عنيزان (32 عاما)، الحاصل على شهادة الليسانس في الأدب الإنكليزي وعلى شهادة الماجستير في “تعليم اللغة الإنكليزية كلغة أجنبية”، عما قدمه له البرنامج “استفدت من عدة نواح: التعامل مع الطالب الألماني، القوانين المدرسية، والتعرف على بيئة وأجواء المدارس الألمانية. والبعض الآخر استفاد على مستوى طرائق التدريس، أما أنا فلم يقدّم إليّ أي جديد نظرا لكوني حاصلا على ماجستير في ذلك في بلدي سوريا”. ويضم البرنامج لاجئين من مختلف التخصصات كاللغة الإنكليزية والجغرافيا والعلوم وغيرها.

وترى ميريام فوك المسؤولة عن البرنامج أن اللاجئين المدرسين “بناة جسور” بين الطلاب اللاجئين والمدارس الألمانية، إذ أنهم يفهمون “الخلفية الثقافية” للطلاب وهم أيضا عارفون بـ“النظام التربوي والمدرسي” للبلدان التي ينحدر منها اللاجئون.

وزارة العلوم والبحث العلمي والثقافة في ولاية براندنبورغ تتولى إضافة إلى هيئة التبادل الأكاديمي الألمانية تمويل (برنامج المدرسين اللاجئين)

ويقول حسن، إنه “لكي يعمل المرء مدرسا في ألمانيا يجب أن يكون قد تلقى تأهيلا جامعيا في اختصاصين على الأقل، الرياضة واللغة الألمانية أو التاريخ والموسيقى على سبيل المثال، وأن يجتاز في نهاية الدراسة الجامعية امتحان الدولة”. ويضيف “عمليا يعني هذا أنه يتعين على اللاجئين الشروع في دراسة اختصاص آخر واجتياز الامتحان المذكور. ويستغرق هذا بالتأكيد سنتين أو ثلاث سنوات على أقل تقدير”.

ومن جانبها تنسّب ميريام فوك الصعوبات التي تحول دون تمكين المدرسين اللاجئين من الولوج إلى سلك التدريس بأنه “أولا، يجب أن يكون مستوى اللغة الألمانية جيدا. ثانيا لا بد أن يكون المستوى المعرفي بالمادة التي تدرس ممتازا. تضاف إلى ذلك المعارف التربوية وطرق التدريس وأخيرا المعرفة بالنظام التعليمي والتربوي في ألمانيا”.

وتتمنى آنا ألكساندرا فوجيفيكس أن تترافق مثل هذه البرامج مع بحوث علمية تقييمية، بحيث يستفاد منها في “تحسين وتطوير البرنامج وإعطاء النصائح للمؤسسات التربوية المعنية”، على حد تعبيرها.

وعزز البرنامج بالفعل حظوظ البعض في وضع أقدامهم على أول مشوار التدريس في ألمانيا. وفي هذا الخصوص تقول فوك إنه “من أصل 26 من الدفعة الأولى حصل 12 على عقود عمل بدوام كامل كمساعد مدرس. بالطبع توجب عليهم أن يجتازوا مستوى ‘سي1” باللغة الألمانية”. ومن لم يحصل على ذلك المستوى من اللغة لم تسمح له القوانين بالتدريس. وتابعت الأستاذة الجامعية مؤكدة أن هناك “توجها لتمديد العقود”.

ويقول حسن عنيزان “وعدنا بعد إتمام التأهيل بالحصول على عقد عمل كمساعد مدرس لمدة سنة”، ويضيف “لدى جامعة بوتسدام علاقات مع مديريات التربية ويمكن أن تزكي المؤهلين للتدريس في المدارس”.

وتتولى وزارة العلوم والبحث العلمي والثقافة في ولاية براندنبورغ إضافة إلى هيئة التبادل الأكاديمي الألمانية تمويل “برنامج المدرسين اللاجئين”.

ويخشى البعض من أن يعطي البرنامج “أملا كاذبا” بالحصول على وظيفة مدرس أساسي بدوام كامل، دون أن يكون ذلك قابلا للتحقيق. وهنا تتدخل البروفيسور فوك للتعليق بقولها إن “الطريق ليس سهلا، إلا أن العمل كمساعد مدرس في البداية جيد”، غير أنها تؤكد أنه لا بد من الاستمرار في “التعلم والتأهيل” التربوي بعد الالتحاق بالعمل كمساعد مدرس، وتواصل تأكيدها على ضرورة السعي الدؤوب لتحسين “اللغة الألمانية”.

17