أزمة وقف المذيعات تكشف الصراع الخفي بين القائمين على الإعلام المصري

قناة النهار تعود إلى البث بعد توسط وزير الإعلام لمذيعاتها بالعمل، وانتهاء أزمة المذيعات قد يزيد حدة الصراع الخفي في القطاع الإعلامي.
الخميس 2020/06/11
أغلب مقدمي البرامج في القنوات المصرية ليسوا أعضاء في نقابة الإعلاميين

ترجح مصادر إعلامية اقتراب تغييرات واسعة في القائمين على المشهد الإعلامي المصري، بعد أزمة وقف مذيعات قنوات النهار بحجة عدم حصولهن على ترخيص بالعمل من قبل المجلس الأعلى للإعلام الذي يبدو أنه دخل في صراع خفي مع وزارة الإعلام لإثبات الأحقية في تسيير القطاع.

القاهرة – أعادت قناة النهار المصرية بث بعض برامجها الأربعاء، بعد حل مشكلة المذيعات الخمس اللاتي تعرضن للوقف عن الظهور التلفزيوني بقرار من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لكن الأزمة كشفت الصراع المكتوم بين الجهات المسؤولة عن إدارة المشهد الإعلامي، وقد تكون بداية لمعركة بين الأطراف المنخرطة في ضبط المنظومة.

وقالت القناة، في بيان صحافي مساء الثلاثاء، إن عودة البث الحي لكل البرامج سوف تبدأ الخميس، بعد تقنين أوضاع المذيعات مع نقابة الإعلاميين، ومخاطبة مجلس تنظيم الإعلام القناة بأنه لا مانع من عودة ظهورهن على الشاشة، وتجميد قرار وقفهن عن العمل لمدة سنة.

وجاءت على رأس القائمة مقدمة البرامج الدينية دعاء فاروق، والفنانة ريم البارودي التي تقدم برنامجا بعنوان “شارع النهار”، إضافة إلى المذيعات بوسي الطيار وهالة فهمي وعلا شوشة.

وأعلنت السبت الماضي مجموعة شبكة قنوات ”النهار“ في مصر تعليق البث الحي وإلغاء كل برامج الهواء، فضلا عن الاكتفاء بإعادة بعض البرامج والمسلسلات إلى حين إشعار آخر، إثر صدور قرار من المجلس الأعلى للإعلام يقضي بإيقاف 5 من مذيعات قنوات ”النهار“ لمدة عام وإحالة إحداهن للتحقيق بسبب عدم حصولهن على ترخيص من نقابة المهن الإعلامية.

وأظهرت الأزمة حجم الصراع الخفي وتضارب الاختصاصات بين الجهات المنوّطة بها إدارة المشهد الإعلامي، سواء كان المجلس أو النقابة أو وزارة الإعلام، بعد أن تكشّفت للرأي العام محاولة بعض الأطراف إثبات أحقيتهم في احتكار تحريك الأمور بالطريقة التي يرونها مناسبة وتعزز نفوذهم وتهمش الآخرين ولو بقضية جانبية.

وتدخل أسامة هيكل وزير الدولة للإعلام لحل الأزمة ومحاولة البحث عن مخرج سريع يرضي الطرفين. وحسب تصريحات منسوبة لمصادر تناقلتها مواقع حكومية وخاصة، فإن هيكل طالب محاسبة المخطئين بطريقة تصاعدية وعادلة بين جميع المحطات التلفزيونية.

وأكد مصدر إعلامي مطلع لـ”العرب” أن الأزمة مفتعلة، بحكم أن نقابة الإعلاميين لا يحق لها معاقبة أيّ مذيع على عدم انضمامه لعضويتها، لأن النقابة مازالت تُدار من خلال لجنة تأسيسية، بمعنى أن النقابة ليست لها جمعية عمومية أو مجلس إدارة مثل باقي النقابات المهنية.

وأضاف المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، أن أغلب مقدمي البرامج في باقي القنوات ليسوا أعضاء في نقابة الإعلاميين، ولم يحصلوا على تراخيص مزاولة المهنة، ما يعني أن هناك انتقائية في تطبيق العقوبة، أو محاولة توجيه الأزمة لأطراف أخرى غير القناة لجرها إلى معركة هامشية قد تتصاعد خلال الفترة المقبلة.

وما يبرهن على أن انتهاء أزمة المذيعات وعودة القناة للبث، ربما يزيد من حدة الصراع الخفي، بعد أن أعلن مجلس الإعلام رفضه “تدخل أي جهة للوساطة مع المحطة”، ولن يقبل بضغوط تخص قراراته، في إشارة واضحة إلى وزير الإعلام الذي لم يخف امتعاضه من الطريقة التي يتبعها المجلس لإدارة المشهد، بالحديث عن حتمية وجود إجراءات عادلة بين القنوات.

من المتوقع أن تعجل أزمة قناة 'النهار'، رغم حلها ظاهريا، بإجراء تغييرات جذرية في صفوف الهيئات الإعلامية

وبحكم واقع المنظومة الإعلامية في مصر، فإن كلام هيكل ينصب على انتقاء الشاشات التي تتم معاقبتها واقعيا إلى حد بعيد، حيث يترك المجلس أغلب المحطات وهو يعلم أن لديها نفس المخالفة، وهي الاستعانة بمذيعين ليسوا أعضاء بنقابة الإعلاميين، والكثير منهم صحافيون وفنانون ومحامون لهم شعبية، وبينهم من يقدم البرنامج الحواري الرئيسي على المحطة.

ويرى متابعون أن إصرار المجلس على تقنين أوضاع المذيعات والتصعيد ضد القناة حتى الاستجابة لقراره، ورفض الوساطة التي بادر بها هيكل، رسالة مباشرة لوزير الإعلام الذي يُفترض أنه مكلف سياسيا بالتنسيق بين المؤسسات التي تدير المشهد، وتطبق إستراتيجية إعلامية تُعلي من شأن المنابر المصرية في ظل المخاطر التي تواجه الدولة محليا وإقليميا.

ويقول هؤلاء إن ما يلفت الانتباه أن مجلس تنظيم الإعلام قرر معاقبة مذيعات القناة بعد أيام قليلة من استضافة المحطة لأسامة هيكل في حوار موسع حول المشهد الإعلامي وآليات انضباطه وتطويره ودور الوزارة في إعادة الريادة للإعلام المصري على مستوى الإقليم، وربما أن الأمر استنفر بعض أعضاء المجلس وشعروا بالتهميش، فقرروا افتعال الأزمة.

ويتنامى الشعور داخل الوسط الإعلامي بأن الخلاف الدائر ربما يستهدف وزير الإعلام وجره لمعركة إثبات نفوذ وقوة، واستجابة القناة للمجلس بتقنين أوضاع المذيعات، ربما جاءت بتوصية من هيكل لإبعاد المنابر الإعلامية عن محاولة إدخالهم كطرف في محاصرته بالأزمات وتشتيت جهوده، ليبدو غير قادر على فرض الهدوء والانضباط على المنظومة.

وما يثير استهجان أغلب العاملين في الحقل الإعلامي، أن توقيت العقوبة التي تم فرضها على المذيعات الخمس مثير للجدل ويحمل مآرب خفية، لأنهن يعملن في القناة منذ فترة طويلة تتجاوز العام، ولهن تجارب إعلامية سابقة في محطات أخرى، ولم تصدر بحقهن عقوبات أو تحذيرات لتقنين أوضاعهن.

غودة البث لا يعني نهاية الأزمة
عودة البث لا يعني نهاية الأزمة

ووفقا للخطوات التي يُفترض أن يتبعها مجلس تنظيم الإعلام مع المذيعين المخالفين، أن يُخطر إدارة الإنتاج الإعلامي بأسمائهم لتقوم بدورها بتحذير القناة، وإن لم يتم توفيق الأوضاع بعد فترة تصدر العقوبة، لكن ما جرى مع فضائية “النهار” أن قرار الوقف صدر فجأة ودون ارتكابهن مخالفات جسيمة تستدعي النبش في ملفاتهن القديمة.

ورأى حسن علي، أستاذ الإعلام بجامعة قناة السويس ورئيس جمعية حماية المشاهد المصري، أن “أزمة مكرم محمد أحمد رئيس مجلس تنظيم الإعلام، أنه لا يعترف بوجود وزارة للإعلام، ولا يمكن فصل الأزمة عن محاولة مجلسه فرض هيمنته على المشهد بالقوة”.

وقال في تصريحات لـ”العرب” إن ضبط المنظومة الإعلامية لن يتحقق بوقف مذيعين عن العمل بدعوى أنهم غير أعضاء في النقابة، بل بتغييب الوجوه الحالية في الهيئات، والاستعانة بأخرى أكثر كفاءة والعمل باستراتيجية واحدة تخلو من الصراعات”.

ومنذ اتجاه الحكومة لإعادة وزارة الإعلام مرة أخرى في ديسمبر الماضي، توقع مراقبون وقوع صدام مباشر أو خفي مع الهيئات الإعلامية، لأن كلاّ منها يحاول إثبات جدارته بقيادة المشهد، ومع الحديث عن قرب إجراء تعديلات في صفوف الهيئات تحاول كل جهة الإيحاء بأنها مسيطرة على الأمور باتخاذ قرارات تدّعي من خلالها أنها تزيد من ضبط المنظومة.

وتوقع عاملون في مجال الإعلام أن تعجل أزمة قناة “النهار”، رغم حلها ظاهريا، بإجراء تغييرات جذرية في صفوف الهيئات الإعلامية، لأن الحكومة لا تريد استمرار النزاع الذي يزيد المشهد توترا وعشوائية، وسيتم جر الإعلام لمعارك جانبية تشغله عن مهمته الأساسية.

وأصبحت الدولة المصرية في حاجة ملحة لإعلام قوي ومؤثر يدعم تحركاتها على المستوى المحلي والإقليمي، لتعدد جبهات استهدافها من قوى خارجية.

وقال حسن إن أيّ احتكاك بين وزارة الإعلام والهيئات يُفضي إلى ارتباك المشهد الإعلامي في ظرف استثنائي صعب على الدولة، لأن الإعلام إحدى أدوات الصراع مع القوى المعادية، وعندما ينشغل بأمور جانبية صغيرة عن رسالته، فإن ذلك يشكل خطورة على الأمن القومي.

18