أزهار العالم تتفتح في مهرجان الشعر الدولي بروتردام

الثلاثاء 2014/06/17
المهرجان بدا كميناء المدينة الشهير، فضاء تتآلف فيه الثقافات

روتردام- عاش مهرجان الشعر الدولي بروتردام- هولندا مؤخرا دورته الخامسة والأربعين، حيث حضرها شعراء من مختلف بلدان العالم وألقوا فيها أجمل قصائدهم التي تآلفت فيها الثقافات ناسجة مشهدية شعرية غنية الثيمات وطرق الإلقاء. ومن أبرز الشعراء الحاضرين نذكر السويدية “آن جادرلوند” والعماني محمد الحارثي والمغربي حبيب تنغور.

غمرت الشاعرة السويدية “آن جادرلوند” الحضور بالحزن، حتى القشعريرة، بإلقائها الذي توحدت فيه مع كلامها عن الموت والجسد والتساؤلات. وظهر جليا تأثر الشاعر الألماني دانييل فالب بالفيزياء والفلسفة التي درسها، فحمل شعره مزيجا للغة بالواقع المعاصر واليومي، وتنوعت مواضيعه التي قد تبدو معروفة أو معقدة باقتراب من لغة الفكر.


مقهى كافكا


من جهته قرأ الشاعر محمد الحارثي من سلطنة عمان قصائده وأبدع ابتسامات وانفراجات على محيا الحاضرين. جاء في شعره بالبحر والقارب والتوابل وحتى السمك مستحضرا مقاطع للشاعر “ويليام ستانلي ميروين” مزج منها مختتم قصيدة لهذا الأخير بإتقان في قصيدته ”بعد رحيلنا يعرفون” التي ترجمت بإتقان للغتين الهولندية والأنكليزية محملة بقاموسها الخاص المتضمن لكلمات آتية من بعيد كدشداشة وكيرلاّ.

الشاعر محمد الحارثي أدخل الجمهور بفنية إلى مقهى كافكا الذي قال عنه: ”لا؛ لا عن هذا المقهى ولا عن ذاك أتحدث/ بل عن مقهى حلمت به مرارا، رغم أنني لم أتمكن من افتتاحه على شاطئ القرم بسبب افتقاري للسيولة اللازمة في حسابي.

بيد أن بحيرة المخيلة لم تيأس من ثومة الفكرة من رائحتها، بالأحرى، لتفاجئني بمشروع افتتاح المقهى على هذه الصفحات..” وعلّق الابتسامة على الوجوه مجددا وهو يختتم القصيدة بـ”إن أعيتكم الحيلة؛ إن أعيتكم لا بأس أن تقلدوا ابتسامة ممثلي إعلانات معجون الأسنان في التلفزيون”.

الشاعر حبيب تنغور صنع السحر الكامل ذاك الذي فتن دو لاكروا وزملاءه الذين استيقظت ألوان جديدة في لوحاتهم بعد أن زاروا المغرب العربي. قرأ قصائده وسط الصمت المخيم على القاعة الكبيرة وخرج الحب دافئا من سطورها تصاحبه العطور والنجوم وألوان يقودها الأزرق.


أحلام متمردة

قصائد خرج الحب من سطورها دافئا تصاحبه العطور والنجوم والألوان


لا نشك في أنّ أحلام الشاعر حبيب تنغور قد تمردت على سكينتها وأن كلماته قد انصبت بمعانيها على القلوب فاستمتع بها الحضور عبر ازدواجية الحلم والصحو. الحوار الذي تبع قراءات الشاعر الحبيب تنغور حمل أيضا كل الإيجابية التي تنفض غبار الغموض عن رؤية شاعر إنسان متنقل بين بلدين “الجزائر وفرنسا”.

فدافع عن انفتاح الإنسان على التواصل مستشهدا بحبه للسينما كطفل وعدم استغرابه من الثقافات الأخرى التي حملتها الأفلام، وبتواصل والدته بلهجتها العربية مع جارتها الأمازيغية لفترات طويلة من النهار دون تحويل اللغة إلى عائق للتقارب.

الشاعر حبيب تنغور الذي اعتبر أن من يكتبون يخلقون لغتهم وأنه يزاوج الصورة بالصوت والكلمات ردّ على سؤال محاوره الهولندي عن التحولات والتطور في عمله بأنه يريد أن يكتب ببساطة أكبر، وفي ردّه هذا باح بسرّ غواصين في الإبداع والفن يدركون جمالية واستثنائية البساطة مع العمق أو التناغم والإتقان.

قد لا تكفي صفحة أو صفحتان للحديث عن تميز تجارب المشاركين في المهرجان لكن الجدير بالذكر أنه، كميناء المدينة الشهير، أدّى ولا يزال يؤدّي مهمته التواصلية بنجاح؛ لقد بدت قيمة الترجمة مجددا بوضوح وظهر أنها تستحق المبادرة والعناء.

وأبعد من ذلك برز الشعر بحلله الجديدة التي تجعل الشاعر أحيانا يتساءل إن كان ما يكتبه فعلا شعرا، كما هو الحال مع الشاعرة الفرنسية فيرونيك پيتولو التي مزجت في نصوصها بين تناول المواضيع واستعمال فكاهة متهكمة ولغة تتأرجح بين الشعر والنثر والفكر.

وقالت إن الشعر يجب أن يفجّر كل الحلقات المطاطية، باعتبار أن هذه الأخيرة تشدّ وتحبس، وبذلك فهي شاعرة لا تتقيّد بإطار وتركيبة حتميّة للنص، بل تبدعه بالحرية التي يمنحها الشعر.
14