أزهار النارنج تصنع الربيع في نابل التونسية

“النارنج” شجرة تعني الكثير لسكان محافظة نابل، تزين ربيع منطقة الوطن القبلي في تونس، وتتميز بزهرتها البيضاء ذات الرائحة الزكية، التي تستخرج منها أجود أنواع العطور.
الخميس 2016/03/10
جميلة وعطرة ومفيدة

تونس - تحتفي محافظة نابل التونسية (90 كيلومترا جنوب العاصمة تونس) خلال كلّ ربيع بشجرة النّارنج، التي تجود في هذا الفصل بأزهار بيضاء زكيّة الرائحة يقع تقطيرها لاستخراج ماء “الزّهر” (التسمية المحليّة لأزهار النّارنج في تونس) وزيت “النيرولي” النّادر المستخدم في صناعة أرقى أنواع العطور في العالم.

ويعود أصل شجرة النارنج، بحسب المراجع التاريخية، إلى الصين، وانتقلت منها هذه الشجرة إلى بلدان مجاورة أخرى، كما عرفت واشتهرت في سوريا حيث نقلها العرب من دمشق إلى الأندلس، مثلما نقلها الصينيون إلى فرنسا وإيطاليا.

وتصنف هذه الشجرة الفواحة ضمن الحمضيات، وتعرف علميّا باسم “سيتروس أورانتيوم” ، وهي تشبه كثيرا شجرة البرتقال إلا أن ثمارها لا تؤكل، وتستخدم الزيوت المستخرجة من أزهارها في مجالات عدة مثل الطبخ والتجميل وغيرهما.

وقد أسهم الأندلسيون الذين حلّوا بتونس في القرن الـ15 الميلادي في تطوير هذه الزراعة، وخصوصا في محافظة نابل، ونقلوا إلى التونسيين طرق تقطير أزهار الشجرة لاستخراج ماء الزهر عموما، وزيت النيرولي على وجه الخصوص.

تقطير طن واحد من أزهار النارنج بالطريقة الآلية (داخل هذه المصانع) يوفر 600 لتر من ماء الزهر وكيلوغراما واحدا من زيت النيرولي

وتبدأ عملية الجني بجمع الزهور في البداية، تليها عملية الفرز ووضع كل من الأزهار والأوراق على حدة، لتدخل لاحقا مرحلتا التجفيف والتقطير.

وتقول الخالة لطيفة، كما يلقبها من حولها، وهي إحدى العاملات التي كانت بصدد القيام بعملية الفرز والتي قضت قرابة 17 سنة في هذا المجال، إن “لا شيء يتلف ولا شيء يلقى فحتّى أوراق شجرة النارنج تستعمل بعد تقطيرها واستخراج مائها كمحلول للوقاية من أشعة الشمس في الصيف”.

و يفضل التونسيون ماء الزهر الذي تقطّره ربّات البيوت في المنازل بواسطة القطّار التقليدي، ويقولون إن نكهته أفضل من الزهر المقطّر في المصانع. وقبل تقطير الزهر يتم تجفيفه طيلة يومين على الأقل حتى يفرز الزيت وتكون نكهة ماء الزهر المستخرج منه جيّدة.

وتقوم الخالة ناجية بعد ذلك بوصل غطاء القطّار بأنبوب موصل بقارورة بلورية تسمّى “فاشكة” (قارورة بلوريّة دائرية الشكل وذات عنق طويل يحتفظ داخلها بماء الزهر).

وتسرد الخالة ناجية باقي العملية قائلة “الأنبوب يمرّ عبر إناء مملوء بالماء البارد وبذلك يتحول البخار المنساب في الأنبوب إلى قطرات تسقط في الفاشكة (القارورة) إلى أن تملأ بماء الزهر، ويتم تغيير ماء الإناء البارد باستمرار لتسهيل عملية تحول البخار إلى قطرات ماء”.

وإلى جانب هذه العملية التقليدية على تقطير الزهر التي تعتمد بالأساس إلى استخراج مياه الزهر وهي مخصصة للاستعمالات اليومية والمنزلية، هناك طرق عصرية وهي مخصصة بالأساس لاستخراج زيت النيرولي الذي يصدر إلى كبرى شركات العطور في العالم وأرقاها، ويعدّ أهالي محافظة نابل من أهمّ منتجي ومصدّري زيت النيرولي في العالم.

لا شيء يضيع من زهرة النارنج

ولا يزال سكان نابل بمختلف مدنها ومناطقها متشبثين بعادة تقطير الزهر منذ أكثر من 5 قرون حتى أنهم يعتبرون أن وجودهم لا يكتمل دونها، فرمزيتها كبيرة في حياتهم.

ويتم استخراج زيت النيرولي النادر، الذي يستخدم في صناعة أنواع عالمية رفيعة من العطور، داخل ستة مصانع موجودة في محافظة نابل.

ويمكّن تقطير طن واحد من أزهار النارنج بالطريقة الآلية (داخل هذه المصانع ) من توفير 600 لتر من ماء الزهر وكيلوغرام واحد من زيت النيرولي.

ويقول سليم الزواري، مهندس زراعي “حقول النارنج تغطي 450 هكتارا منتشرة بمحافظة نابل، وجميعها توفر ما بين 1400 إلى 1600 طن من الزهر سنويا”.

ويضيف الزواري أنه يتم تصدير نوعين من مستخرجات النارنج، هما ماء الزهر وزيت النيرولي، لافتا إلى أن الكيلوغرام الواحد من هذا الزيت يصل سعره إلى أكثر من 5 آلاف يورو.

ووصف جون بول جيرلان، أحد أشهر منتجي ومبتكري العطور الفرنسية الراقية في العالم، في كتاب بعنوان “طرق عطوري”، صدر نهاية 2010، زيت النيرولي النابلي (نسبة إلى نابل) بأنه ممتاز، وقال إن هذا الزيت صار من المكونات الرئيسية للعطور التي تنتجها مصانعه.

وتتعدد استعمالات زهر النارنج عند التونسيين، إذ لا يفارق بيتا مهما كان، فهناك من يستعمله في إعداد الحلويات، وكدواء، وآخرون يعتمدونه للوقاية من أشعة الشمس في فصل الصيف بسكب القليل منه فوق رؤوسهم، كما تستعمله الفتيات أيضا في خلطات التجميل.

وعلى الرّغم من الأهمية التي تكتسيها هذه المستخرجات بمختلف المراحل التي تمر عبرها بدءا بكونها زهرة ومرورا بجمعها ومن ثمّة تقطيرها، إلا أنها تشكو معضلة هامة، حسب الزواري، وهي

نقص اليد العاملة الزراعية وعزوف الشباب عن عملية جني النارنج، وهو أمر يشمل تقريبا كل القطاعات الفلاحية. ويرجع الزواري سبب هذا العزوف إلى المردود الضئيل الذي تدره هذه الزراعة على آبائهم في السابق؛ ما جعل الأبناء والأحفاد يهجرونها شيئا فشيئا.

وأوضح أن العزوف عن زراعة النارنج دفع وزارة الزراعة والمسؤولين الزراعيين في محافظة نابل إلى التّفكير في حلول بديلة، من خلال طُرُق عصرية لجني هذه الزهور.

20